في مقابلة مع إذاعة الجيش الأحد، قالت تسيبي ليفيني، إنها حضت المشرعين في الحكومة مرارا وتكرارا في الفترة التي سبقت تمرير قانون “الدولة القومية اليهودية” الجديد لإسرائيل إضافة عبارة واحدة هامة.

لقد وضحت ليفني أنها لا تعارض النص الذي يعلن عن أن إسرائيل هي “الوطن القومي للشعب اليهودي”، بل على العكس. ولكن للضمان أن يعكس القانون بشكل كامل المبادئ التأسيسية لدولة إسرائيل الحديثة، كما قالت ليفني، كان يجب أن يشمل أيضا التزام إسرائيل “بالمساواة لجميع مواطنيها”، وأشارت إلى أنه في وثيقة “إعلان الإستقلال”، تعهدت إسرائيل ب”المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع سكانها بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس”.

وتقر ليفني بأن قلة من أعضاء الكنيست العرب، إن وُجدت أصلا، كانت ستصوت لمشروع القانون حتى بالصيغة التي كانت ترغب هي بها – حيث أنهم يفضلون بدلا من دولة يهودية وديقراطية، أن يتم تعريف إسرائيل على أنها دولة لجميع مواطنيها. ولكن لو تم إدخال عبارة “المساواة” هذه، فمعظم النواب في المعارضة كانوا سيصوتون لصالح مشرع القانون، وكان القانون سيحظى بدعم حوالي 100 من أصل 120 صوتا في الكنيست، بدلا من تمريرة بغالبية ضئيلة، كما حدث، حيث صوت لصالحة 62 عضو كنيست مقابل معارضة 55. مشيرة في حديثها إلى أعضاء الإئتلاف إلى الدعم الساحق الذي كان القانون سيحصل عليه والصدى الكبير الذي سيحدثه  في احتضانه لمبادئ إسرائيل المركزية.

قالت ليفني ان أعضاء الكنيست من الإئتلاف سخروا منها بسبب سذاجتها. رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو لم يكن يريد الحصول على دعم المعارضة للقانون، بل أنه أراد، كما قالوا لها، توجيه رسالة للجمهور الإسرائيلي بأنه وزملائه في الإئتلاف هم المدافعين الوحيدين الوطنيين الذين يمكن التعويل عليهم عن الدولة اليهودية.

مرددا لأقوالها، قال عضو الكنيست السابق عن حزب “كاديما”، يوحنان بلسنر، الذي يشغل اليوم منصب رئيس “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية”، بأن نواب “الليكود” سعوا إلى خلق معادلة “وطنيين وغير وطنيين” من خلال القانون والانقسام حول دعمه في الكنيست. وقال إن “التشريع الحالي كانت له دوافع سياسية، كمقدمة لحملة انتخابية يمكن لنتنياهو والليكود فيها خلق وضع يكون فيه وطنيين وغير وطنيين”.

في الأيام العشرة التي مرت منذ تمرير القانون، ازداد الجدل من حوله، بدلا من تبديده بسرعة نسبية، كما يحدث عادة مع قضايا مثيرة للجدل. بعض المنتقدين اعتبروا أن القانون بمثابة تشريع يقنن التمييز، وبالتالي فسروه بمراررة على أنه بداية نهاية الديمقراطية الإسرائيلية – أو انزلاق آخر في الانحدار المستمر نحوها.

آخرون يشاركون تأكيد نتنياهو المعلن عن أن القانون يشكل لحظة “محورية” ايجابية في تاريخ الدولة الحديثة، مع التشريع الذي جاء متأخرا لإسرائيل حول كونها دولة للشعب اليهودي، ويرون أن المبادئ الديقمراطية لإسرائيل مترسخة في أماكن أخرى، في تشريعات قائمة مثل “قانون أساس: كرامة الانسان وحريته”. قانون الأساس هذا يرسخ “قيّم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية” وينص على أنه “لا يجوز أن يكون هناك انتهاك لحياة أي شخص أو جسمه أو كرامته”. في حين أن أيا من قوانين الأساس الإسرائيلية لا يشير بالتحديد إلى “المساواة”، فإن بعض خبراء القانون يعتبرون أن القانون الذي سُن في عام 1992 يوفر ذلك.

حتى مساء السبت، جاءت أكثر الاعتراضات على القانون من الطائفة الدزرية في إسرائيل، التي يبلغ عدد أفرادها نحو 130,000 شخص. وفي حين أن عددا من أعضاء الكنيست من “القائمة (العربية) المشتركة” احتجوا على القانون واعتبروه تمييزيا، وتعهدوا بالسعي إلى تدخل دولي، بل وجندوا أيضا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في نضالهم ضده، إلا أن احتجاجاتهم لم تؤثر كثيرا على التيار السائد للوسط اليهودي الإسرائيلي؛ فهم ليسوا بصهاينة.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو (وسط-يمين) خلال لقاء جمعه بوزير المالية موشيه كحلون (وسط-يسار) ووزير الاتصالات أيوب قرا (الثالث من اليسار) ووزير السياح ياريف ليفين (الثاني من اليسار) وعضو الكنيست عن حزب ’كولانو’ أكرم حسون (من اليسار) وعضو الكنيست عن حزب ’إسرائيل بيتنا’ حمد عمار (من اليمين) ووزير الدفاع أفيغدور ليبرمان (الثاني من اليمين) وكبير موظفي نتنياهو، يوآف هوروفيتس (الثالث من اليمين) في 26 يوليو، 2018. (Haim Tzach/GPO)

لكن الشكاوى المتعلقة بالتمييز من الدروز، الذين حاربوا إلى جانب اليهود في الجيش الإسرائيلي ودفعوا ثمنا باهظا بالأرواح في دفاعهم عن الدولة، لاقت استيعابا بل وتأييدا من قبل بعض وزراء الحكومة. وزير المالية موشيه كحلون (كولانو) وصف الصيغة النهائية للقانون بالمتسرعة والخاطئة؛ وزير التربية والتعليم الصقوري ورئيس حزب “البيت اليهودي”، نفتالي بينيت، قال إن على الحكومة إيجاد طريقة لشفاء الجرح الذي تسبب به تمرير القانون “لإخوتنا الذي يقفون معنا جنبا إلى جنب في ميدان المعركة وصنعوا ميثاقا معنا”. ودعا كلا الوزيرين إلى تعديل القانون. لكن نتنياهو، الذي التقى يوم الجمعة مع زعماء الدروز، ومع مجموعة أخرى منهم يوم الأحد، لم يلتزم بالقيام بذلك.

قد تكون ردود الفعل المتعاطفة في الحكومة للشكاوى الصادقة التي تُسمع في الطائفة الدرزية ضد القانون مفهومة، ولكن ليست بالتحديد منطقية. إذا كان بعض الوزراء يعتبرون القانون إشكاليا ويرون أنه كان خطأ بسبب اععراض الدروز على البنود التمييزية المزعومة فيه، فلماذا تكون هذه البنود أقل إشكالا وأقل خطأ بالنسبة لأي أقلية أخرى في إسرائيل؟

لكن يوم السبت انتقل الجدل حول القانون إلى ساحة المعركة المألوفة المتمثلة في السياسة الحزبية. في مقابلة تلفزيونية تم بثها مباشرة مساء السبت، أعلن زهير بهلول، وهو عضو كنيست عربي في الحزب السياسي الصهيوني “المعسكر الصهيوني” عن استقالته من الكنيست – واصفا القانون ب”خطوة قاسية… تجعل من السكان العرب رسميا ودستوريا خارج نطاق المساواة في إسرائيل”.

المشرع العربي الإسرائيلي من المعسكر الصهيوني زهير بهلول يعلن عن استقالته من الكنيست احتجاجا على قانون الدولة اليهودية، 28 يوليو 2018 (Screenshot/Hadashot news)

لقد كان بهلول إلى حد ما شخصية مثيرة للجدل في “المعسكر الصهيوني”. قائد الحزب، آفي غباي، كان قد قد أشار بحسب تقارير في العام الماضي إلى أنه لا يرى مستقبلا لبهلول في الحزب، بعد أن أعلن بهلول عن عدم نيته المشاركة في مراسم احياء الذكرى المئة ل”وعد بلفور” في الكنيست لأن ذلك سيعني الاحتفاء بالطابع الصهيويني للدولة في الوقت الذي لا يزال جزءا من هويته كفلسطيني غير معترف به. وقال بهلول “لا أعتقد أنه سيكون من اللائق المشاركة عندما أكون بنفسي غير حر”.

على الرغم من أن رئيس “المعسكر الصهيوني” السابق، يتسحاق هرتسوغ، أعرب عن استيائه من رحيل بهلول، مصرحا أن “أصوات الأقليات في إسرائيل يجب أن تُسمع”، إلا أن غباي لم يسارع إلى التعاطف مع بهلول عندما أعلن عن استقالته يوم السبت، ويوم الأحد رفض طلبات لإجراء مقابلات معه.

قد يكون الانزعاج في المعارضة والانقسام في داخلها كموسيقى على مسامع إئتلاف نتنياهو – وتشتيت مرحب به عن القضية المركزية المتمثلة في التهديد الذي يشكله القانون على الديمقراطية الإسرائيلية.

في الجلسة الأسبوعية للحكومة الأحد، أصر نتنياهو بقوة على أن الانتقادات الموجهة للقانون، الذي وصفه بأنه “جوهر الرؤية الصهيونية” هي مجرد “هراء”، وبأن “دولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، مع المساواة الكاملة في الحقوق لجميع مواطنيها”، وأضاف “هذا هو معنى عبارة ’دولة يهودية وديمقراطية”، وتابع قائلا “هل حقيقة أن في علمنا نجمة داوود تبطل الحق الفردي لأي مواطن إسرائيلي؟ هراء – هذا الإعلان يضمن أن لا يكون هناك علم آخر”، وأضاف “هل الإعلان بأن ’هاتيكفا’ هو النشيد الوطني ينتقص من الحقوق الشخصية لأي شخص في إسرائيل؟ هراء – هذا يعني أنه لن يكون هناك نشيد وطني آخر”.

عضو الكنيست بيني بيغين (الليكود) خلال اجتماع للحزب في الكنيست، 25 مايو، 2015. (Yonatan Sindel/Flash90)

ما عدا بالطبع أن تلك العبارات – “المساواة الكاملة في الحقوق لجميع مواطنيها”، و”دولة يهودية وديمقراطية” – لا تظهر في قانون الدولة القومية اليهودية، على الرغم من الجهود التي بذلها أشخاص مثل ليفني وعضو الكنيست من “الليكود” الخارج عن مجموعته، بيني بيغين.

يوم الأحد انتقد نتنياهو أيضا منتقديه من اليسار، واصفا اعتراضاتهم للقانون بأنها منافقة. “على مدى عقود وعظتنا المعارضة بشأن ضرورة انسحابنا إلى خطوط 1967 من أجل ضمان أن تبقى إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي تكون فيها غالبية يهودية في الدولة. وفجأة عندما قمنا بتمرير قانون أساس لضمان ذلك بالتحديد، يصرخ اليسار محتجا؟ يا للنفاق”.

وسعى أيضا إلى تصوير معارضيه في اليسار على أنهم “يخجلون” ظاهريا من الصهيونية: “على اليسار الإسرائيلي أن يبحث في داخله. عليه أن يسأل نفسه لماذا أصبح مصطلح أساسي في الصهيونية، ’دولة قومية يهودية للشعب اليهودي في أرضه’، مصطلحا فظا بالنسبة له – كلمة فظة، مبدأ يجب على المرء أن يخجل منه. نحن لا نخجل من الصهيونية. نحن فخورون بدولتنا، وبأنها الوطن القومي للشعب اليهودي، والتي تحافظ بشكل صارم – بطريقة لا مثيل لها – على الحقوق الفردية لجميع مواطنيها”.

وبالطبع تم ويتم تقديم التماسات ضد قانون “الدولة القومية اليهودية” لدى المحكمة العليا، التي قد تجد أساسا للتدخل، أو قد تعتبر بنود القانون بأنها تصريحية و/أو لا تتعارض مع المبادئ اليهودية والديمقراطية التي تم سنها في إسرائيل. في هذا السياق، من الجدير بالملاحظة إلى أن تركيبة المحكمة العليا شهدت تغييرا بطيئا في السنوات الأخيرة، حيث تعمل وزيرة العدل أييليت شاكيد، وهي عضو في حزب بينيت القومي المتدين، “البيت اليهودي”، على الدفع بقضاة تعتبر أنه يشعرون بالارتياح إلى حد كبير مع فلسفتها السياسية.

وزيرة العدل أييليت شاكيد (من اليسار) تتحدث مع وزيرة العدل السابقة تسيبي ليفني خلال جلسة وعملية تصويت في الكنيست في 11 مايو، 2015. (Miriam Alster/Flash90)

إن تكريس مبادئ مثل كون إسرائيل “الوطن التاريخي للشعب اليهودي” مع القدس عاصمة لها، ونجمة داوود على علمها، وأن يكون “هاتيكفا” نشيدها الوطني في قوانين الأساس الإسرائيلية، وهي أقرب ما لدينا لدستور، قد يكون قد تأخر بالفعل. ولكن في  دولة تمنح المواطنة بشكل تلقائي لليهود، وهو أمر مشروع تماما، بموجب “قانون العودة”، فأن المساواة لجميع مواطنيها هي أيضا التزام يتطلب أقوى تكريس لها في القانون.

لا يوجد هناك تناقض في كون الدولة يهودية تفتح أبوابها أمام جميع اليهود، وفي كونها ديمقراطية تمنح المساواة الكاملة لجميع من يعيش فيها. والواقع أن القدرة على التوفيق بين هذين المبدأين تدخل في صميم إسرائيل، وهي ما يجعل منها فريدة من نوعها ويُحتفى بها وبحق.

لا بد لهذين المبدأين التأسيسيين أن يزدهرا معا. إن تمرير تشريع تاريخي يحذف بشكل متعمد ولا داعي له – كما أظهرت العملية التشريعية – أحدهما يضر بسمعة إسرائيل بكل وضوح. سنعرف مع الوقت ما إذا كان ستكون لتمريره تداعيات عملية، مثل كونه غطاء تشريعيا للتمييز، ولكن من المحتمل أن يضر القانون أيضا، بحكم ما يغفله، بمفهوم إسرائيل بنفسها وبما تمثله.

تعديلات سابقة للتشريع تضمنت إشارات إلى إسرائيل كدولة ديمقراطية، وقبل نحو ثلاث سنوات، قام بيغين بصياغة نص مقترح للقانون جاء فيه أن “إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي، استنادا على أسس الحرية والعدل والسلام كما ارتآها أنبياء إسرائيل، مع الحفاظ على حقوق متساوية لجميع مواطنيها”

في صيغته النهائية والمتعمدة، ينم القانون عن مصلحة سياسية ضيقة تفوقت على الصالح العام. في كتابتهم السريعة للمبادئ الأساسية للدولة الوليدة، في خضم الفوضى والحرب الوشيكة، قام مؤسسو إسرائيل، الذين كانوا جميعهم وطنيين، بعمل أفضل بكثير.

 

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.