من الواضح أن رئيس الوزراء مظلوم، ويسعى الإعلام إلى النيل منه. ويسعى أيضا اليسار إلى النيل منه. وكذلك خصومه السياسيون يسعون إلى النيل منه. والأمر الأكثر إثارة للحنق والغضب هو أن الشرطة، التي من المفترض أن تحافظ على القانون، فقدت موضوعيتها وتسعى هي أيضا للنيل منه، لأنهم، ومهما كان هذا الإدعاء غير مقنع، أصبوحوا مقتعنين ظاهريا بأنه يعمل على تقويض عملهم واستهداف المحققين الذين يجرون التحقيق ضده.

وهكذا، كما أصر نتنياهو، في خطابه الحاد والناري الذي ألقاه ليلة الثلاثاء والخطاب الآخر له صباح الأربعاء، فإن الشرطة قامت بجمع توصيات مشوشة ومشوهة ولا أساس لها تدعو فيها إلى محاكمته في شبهات بتلقي الرشوة وخيانة الأمانة.

فهو لم يتلقى هدايا من أصدقائه من رجال الأعمال، وأبرزهم المنتج الهوليوودي أرنون ميلتشان، تصل قيمتها إلى حوالي مليون شيكل (282 ألف دولار) كما تزعم الشرطة. وهو لم يتدخل قط في محاولة لتعزيز صفقات ميلتشان التجارية. فلقد كان خصمه يائير لابيد (الذي دعته الشرطة لتقديم أدلة في القضية 1000 التي تحوم حول ميلتشان) هو الذي، وبصفته وزيرا للمالية في حكومة نتنياهو السايقة، التقى بميلتشان لمناقشة تعديل في القانون الضريبي كان من شانه أن يوفر الملايين على ميلتشان. وفي حين أنه عمل على مساعدة ميلتشان في الحصول مجددا على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، فإن ذلك كان من واجبه كرئيس وزراء، بما أن ميلتشان عوقب من قبل السلطات الأمريكية لتنفيذه أنشطة – كما يبدو عمل استخباراتي سري – استفادت منها إسرائيل.

إن الطريقة التي يقوم فيها نتنياهو بصياغة دفاعه العام، بأنه لم يتصرف إلا لصالح دولة إسرائيل، وأنه يعتزم مواصلة القيام بذلك – ضمان أمن إسرائيل والدفع بالاقتصاد وقيادة حكومته المنتخبة بمسؤولية حتى نهاية ولايتها في العام القادم، طالما استمر جمهور الناخبين الإسرائيلي الحكيم بوضع ثقته به.

كيف ذلك؟ كيف سينجح بالإفلات من مطاردة الساحرات الخبيثة ضده في حين أنه حتى الرجال والنساء في الأزرق وحّدوا قواهم مع خصومه المعروفين في الإعلام واليسار والمعارضة؟ لأنه، كما قال نتنياهو، النيابة العامة ليست بفاسدة. سيرى هؤلاء الأشخاص المهنيون أصحاب الرؤية الواضحة من خلال توصيات الشرطة التي وصفها ب”الجبنة السويسرية”، بأن التهم ضده ما هي إلا مجموعة من الأكاذيب والمبالغات، البعيدة كل البعد عن ما يبرر تقديمه للمحاكمة، وسيقومون بإغلاق الملف.

هذا بالضبط ما حدث، كما أشار، في سلسلة من القضايا ضده وضد مجموعة كبيرة من المشتبه بهم رفيعي المستوى على مدار السنين – بما في ذلك من أسلافه في رئاسة الوزراء. مرة تلو الأخرى، قدمت الشرطة توصياتها بتوجيه لوائح اتهام، والنائب العام قال “لا”، وأحيانا بشكل حاسم. (وربما يكون أحد أبرز الأمثلة على ذلك وأكثرها دراماتيكية هي قضية “الجزيرة اليونانية” التي تورط فيها رئيس الوزراء أريئيل شارون والتي وصلت إلى مرحلة قيام المدعي العام بصياعة مسودة للائحة الإتهام، قبل أن يقرر النائب العام مناحيم مزوز بإغلاق الملف في عام 2004 بعد أن خلص إلى أن الأدلة التي جمعتها الشرطة “لا تقترب حتى” من المستوى المطلوب للوصول إلى إدانة).

يزعم نتنياهو أنه تم فتح ما لا يقل عن 15 تحقيقا ضده على مر السنين، مع تقديم الشرطة توصيات بتقديمه للمحاكمة في عدة مناسبات. ومع ذلك فهو لا يزال يجلس في ديوان رئيس الوزراء. وسيبقى هناك، كما تعهد، لفترة طويلة.

يهدف هذا التبجح البليغ أيضا لتعزيز عنصر حاسم آخر في مجموعة الدفاعات الخاصة به – الدعم من زملائه في الحزب وحلفائه في الإئتلاف. إيهود أولمرت، الذي تورط في شبهات فساد على نطاق أصغر بكثير من التهم التي يواجهها نتنياهو، أجبر على ترك منصبه قبل تقديم لوائح الإتهام ضده بوقت كبير لأن وزير دفاعه، إيهود باراك، انقلب ضده. أولمرت، الذي أجبر في صيف عام 2008 على الإعلان بأنه لن يرشح نفسه مجددا لمنصب رئيس الحكومة، وُجهت التهم ضده بعد عام من ذلك فقط، وأدين بعد سبعة أعوام من ذلك، ليدخل السجن في نهاية المطاف في فبراير من عام 2016. من يدري كم من الوقت كان سيسعى لخوض معركته القضائية كرئيس للحكومة لو حظي بالدعم السياسي للقيام بذلك؟

في الوقت الراهن، على عكس الظروف التي واجهها أولمرت، لا يزال نتنياهو يُعتبر الخيار الأكثر شعبية للجمهور الإسرائيلي لمنصب رئيس الوزراء. شركاؤه في الإئتلاف الذين تتوقف عليه أغلبيته في الكنيست – لا سيما موشيه كحلون (كولانو) ونفتالي بينيت (البيت اليهودي) – غير سعيدين لكنهم لم يتخلوا عنه. زملاؤه/خصومه في “الليكود” يمتنعون عن الخروج ضده. وقيامه بمهاجمة لأكبر تهديد محتمل عليه من المعارضة، لابيد، باعتباره الشرير في هذه الرواية، يهدف إلى المساعدة في التصدي لهذا التحدي أيضا.

ولذلك، على المدى القصير، أو حتى ربما على المدى المتوسط، لا يمكن وصف آفاق نتنياهو السياسية، على الرغم من أنه لا يمكن اعتبارها مشمسة، بأنها حالكة تماما. فإن بإمكانه بالتأكيد الصمود لفترة لا بأس بها. سياسيا وقانونيا.

إلا أن هناك عيب في جدار الدفاع الذي يبنيه نتنياهو. أيا كان الشكل الذي عمل فيه النواب العامون في الماضي بشكل وثيق، أو لم يعملوا بشكل وثيق، مع محققي الشرطة، فإن في هذه الحالة، أشرف النائب العام أفيحاي ماندلبليت، الذي قام نتنياهو بنفسه بتعيينه، على جمع الأدلى منذ البداية متبعا نهج عمل صارم. (مزوز لم يكن حتى نائبا عاما عندما بدأ التحقيق في قضية “الجزيرة اليونانية”). توصيات الشرطة هذه التي رفضها رئيس الوزراء بشدة لم تهبط على مكتب ماندلبليت يوم الثلاثاء كصاعقة من السماء. قد يستغرق ماندبليت وفريقه الآن أسابيع وربما حتى أشهر للخروج بقرار حول ما إذا كانوا سيقومون بتوجيه تهم، لكنهم لن يبدؤوا عملهم من الصفر. فهم يعرفون تفاصيل هذه القضية بكل ما فيها.

إن تحقيق الشرطة الذي هاجمه نتنياهو بحدة كان إلى حد كبير تحقيق ماندلبليت. إن الصورة التي رسمها رئيس الوزراء بكل إصرار لتحقيق شرطة تقف وراءه دوافع دنيئة، ولنائب عام حكيم يستعد الآن لاستعادة التعقل والرشد، قد تكون مقنعة. قد تكون مريحة لمناصري نتنياهو. ولكنها لا تتوافق مع الطريقة التي جرى بها التحقيق.

من دون شك أن نتنياهو يعي ذلك تماما. ومن دون شك أيضا أنه خلال هجومه الناري على المستهترين والأعداء الحقيقيين منهم والخياليين، خلص إلى أنه لن يكون من الحكمة، على الأقل في هذه المرحلة، بأن يشكك في دوافع المسؤول الذي يحمل المفتاح لمصيره.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.