ما هو هدف الدبلوماسية الإسرائيلية؟ نظرا للتحولات الأخيرة في التعامل مع الشؤون الخارجية للبلاد، فإن الجواب على هذا السؤال الاساسي لم يعد واضحا كما قد يبدو. فقط في نهاية الأسبوع الماضي، وصل وزير التربية والتعليم نفتالي بينيت إلى حد القول بأن “… هناك مشكلة مع الدي. ان. ايه الخاص بوزارة الخارجية”. مع ذلك, لا تكمن المشكلة في السلك الدبلوماسي المحترف العالي في إسرائيل، ولكن مع أولئك الذين يديرون الامور بشكل منهجي في الواقع – إلى جانب أي مظهر من مظاهر السياسة الخارجية الإسرائيلية المنطقية والواضحة.

الهدف الأول والأسمى من التواصل الدبلوماسي لأي دولة هو تعزيز العلاقات الثنائية البناءة ومتعددة الأطراف من أجل تقديم مصالحها وعكس قيمها. هذا التعريف الأساسي المطلق، نقطة انطلاق لتقريبا كل دورة تمهيدية في العلاقات الدولية، يفترض أن هذه العلاقات – إلى جانب العضوية في المجتمع العالمي الذي يترتب عليها – تقدم كل من العون والشرعية على مر الزمن. لضمان استمرار هذه الروابط، بغض النظر عن التغيرات في الحكومات والتوجهات السياسية، مهمة تعزيز العلاقات الخارجية في إسرائيل، كما في أماكن أخرى، قد وضعت في يد السلك الدبلوماسي المحترف العالي.

حتى الدبلوماسيين الأكثر خبرة لا يمكنهم تنفيذ المهام الاساسية دون الاقتداء ببعض تفاصيل أهداف السياسة الخارجية. في ما هو ليس أقل من ان يكون وضعا غامضا في هذا الصدد، وكد الدبلوماسيين الاسرائيليين لسنوات عدة لفتح والحفاظ على خطوط الاتصال مع الدول الأخرى، حتى في أوقات عدم اليقين الكبيرة. اضا ماذا يفترض ان تفعل عندما تكون في خضم استضافة بعثة برلمانية متعددة الأحزاب من السويد لتبادل الأفكار حول قضايا اجتماعية عندما تعلن نائبة وزير الخارجية، تسيبي حوتوفلي، أن “إسرائيل لن تستقبل وفود رسمية من السويد”؟ هل سيتوقفون عن مرافقة النواب النساء، وبالتالي يضحون بعلاقات مستمرة مع ممثلي جميع الأحزاب السياسية الرئيسية في البلاد بسبب خلافات مع وزيرة الخارجية الحالية، مارغو والستروم؟ أو ينبغي أن يستمروا في القيام بواجباتهم المهنية على امل المساهمة في علاقات طويلة الأمد بين إسرائيل وهذا البلد الاسكندنافي المهم؟

قد يدعي البعض أن الخط الفاصل بين السياسة الخارجية والمناصب الحكومية هو ورقة رقيقة جدا. لسنوات، جاهدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للإثبات ان هنري كيسنجر كان على حق عندما لاحظ أن “إسرائيل لا تملك سياسة خارجية، ليس لديها سوى السياسة الداخلية”. لقد جرت العادة لتخصيص احدى عشر المناصب الدبلوماسية العليا لمختارين سياسيا (وعادة ما تذهب المناصب لأفراد مقربين للسلطة)، وبالتالي مشددين على العلاقة بين السياسة الخارجية والترويج لمواقف الحكومة المعينة الموجودة في الادارة.

بنيامين نتنياهو نفسه، في سنواته الأولى، كان احد المستفيدين من مثل هذا التعيين، عندما أثبت أنه قادرة على تمثيل إسرائيل في واشنطن وفي الأمم المتحدة. ولكن أثارت بعض تعييناته الخاصة الدهشة بالتأكيد، بدءا برون ديرمر المبعوث إلى الولايات المتحدة، ومؤخرا وزير الليكود والناقد الداخلي، داني دانون الى الأمم المتحدة.

مع ذلك، هناك فرق كبير بين الاختيارات الخاطئة وعدم القيام باي تعيينات إطلاقا. على سبيل المثال المحزن للمحاولة الفاشلة لإيفاد رئيس مجلس المستوطنات السابق داني دايان إلى البرازيل. تم الاعلان عن هذا التعيين السياسي بطريقة هاوين، دون أن يكلف نفسه عناء إبلاغ المسؤولين البرازيليين مسبقا كما هي العادة في مثل هذه المسائل. بعد شهور مرت دون اتفاق رسمي من ريو دي جانيرو، من الواضح الآن أنه لن يتم قبول هذا قريبا. كان رد فعل نتنياهو القول: إما تقبلون تعييني أو لن يكون هناك سفير اسرائيلي في البرازيل. القاعدة الذهبية للدبلوماسية هي تبادل ممثلون تربطهم علاقات جيدة. ان اسرائيل ليست في وضع يمكنها فيه التخلي عن فوائد مبعوثا على أرض الواقع، وخصوصا ان كان الامر يخص عضوا في البريكس (الدول صاحبة أسرع نمو اقتصادي بالعالم)، عشية دورة الالعاب الاولمبية عام 2016.

مؤخرا فقط، قامت الحكومة بخطوة واحدة أبعد من ذلك، معلنة أنه لأسباب تتعلق بالميزانية, سيتم إغلاق خمس بعثات، بما في ذلك القنصليات في فيلادلفيا ومرسيليا والسفارات في السلفادور وبلاروس. السفير الإسرائيلي المتجول إلى عشرين من بلدان منطقة البحر الكاريبي، الذي يعمل من نيويورك، سيستدعى للعودة الى البلاد.

يبدو الآن أن تعريف الدبلوماسية قد تحول من تعبير عن مصالح واهتمامات خارجية، في غيابها، وعرض سياسة الحكومة في الخارج، إلى معادلة العلاقات الخارجية الإسرائيلية مع سلسلة من حملات “الهسبراه” (التفسير) العالمية. إدراج “الهسبراه” لتكون بديلا لعلاقات دبلوماسية على المدى الطويل يضعف أي مفهوم للسياسة الخارجية الإسرائيلية، في هذه العملية، يقلل تماما من مكانة بقايا الخدمة الخارجية المهنية.

مع عدم وجود وزير خارجية عامل بدوام كامل وتقاسم ستة وزارات على الأقل الآن المسؤولية لمختلف الجوانب لما أصبح يعرف باسم “الدبلوماسية العامة” الاسرائيلية، ليس من المستغرب أن أعضاء كبار في الحكومة قد تولوا دورا متزايدا في العلاقات الخارجية الإسرائيلية. دون فائدة الخبرة (وفي بعض الحالات المعرفة الأساسية)، لقد غامروا في مياه أجنبية بطرق التي، في أحسن الأحوال، تسبب ضررا صغيرا فقط. في أسوأ الأحوال، لقد أثمر البعض من جهودهم عن نتائج ليست بعيدة عن ان تعتبر كارثة.

أحد الأمثلة الحديثة على ذلك, هو العبء الإضافي الموضوع على العلاقة الهشة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في أعقاب خلافات حول الانتخابات المقبلة على قانون الشفافية للمنظمات غير الحكومية وتشريعات تهدف إلى تقييد أنشطة بعض المنظمات المدنية التي تتلقى تمويلا من جهات حكومية أجنبية. اصدر الاجتماع بين السفير الامريكي دان شابيرو ووزيرة العدل اييليت شاكيد بيانا نادرا للغاية من قبل السفارة الأمريكية في تل أبيب، يقول أنه: “… كرر وجهة نظر الولايات المتحدة أن […] مجتمع مدني حر وفعال هو عنصر أساسي من عناصر الديمقراطية السليمة، وأنه يتعين على الحكومات أن تحمي حرية التعبير والمعارضات السلمية، وخلق جو حيث يمكن فيه سماع جميع الأصوات”. ردا على ذلك قالت الوزيرة شاكيد أنه في رأيها، “إسرائيل دولة ديمقراطية قوية وعلى هذا النحو, لا حاجة لتدخل دول أخرى في تشريعاتها الداخلية”.

ان توبيخات ايليت شاكيد في تتضاءل بالمقارنة مع نقد نفتالي بينيت الموسع للسلك الدبلوماسي. لقد أضاف اهانة للإصابات العميقة فعلا لدى الدبلوماسيين الإسرائيليين من خلال التشكيك علنا ​ب​ولائهم. عندما احتجوا وهددوا لعدم تقديم الخدمات لبينيت وموظفيه، دافع نتنياهو عنهم. والآن, وزير التعليم، الذي يعتبر نفسه أيضا خبير في الدبلوماسية، الذي يعرف عنها عن طريق ظهوره في وسائل الاعلام الاجنبية، أعلن أنه يتوقع من رئيس الوزراء ان يدعمه.

ربما على بينيت، شاكيد والعديد من زملائهم أن يتذكروا أن المشكلة ليست في الدي. ان. ايه الخاص بوزارة الخارجية؛ بل انه الدي. ان. ايه الخاص بسياسة اسرائيل الخارجية الغير موجودة. عندما تجرد اسرائيل نفسها طوعا من احدى اثمن أصولها، قواتها الدبلوماسية من ذوي الخبرة، وتبدلهم بموالين سياسيين، أو حتى أسوأ، خبراء ذاتيين معدومين أي تدريب واقل تفهما للشؤون الخارجية، فبالكاد يمكنها التوقع أن يتم التعامل معها على نحو جدي. عندما يتم الخلط بين مصالح إسرائيل وسياسة الحكومة، ومن ثم تحويلها إلى حملة دعائية، يقوض ذلك قدرتها على المناورة الدولية ويضر بمكانتها. عندما يتحول كل شيء الى شخصي، من مناقشات حول القانون حتى الولاء للدولة، لا تبقى سوى مساحة قليلة للأصوات البديلة الموجودة. وعندما لا يتم سماع اولئك القادمين من الخارج، سيكون من المستحيل “إعادة ضبط” الشؤون الإسرائيلية العالمية.

تعتمد متانة إسرائيل إلى حد كبير على موقعها العالمي. لن يكون من الممكن الاحتشاد ضد كل نقد من خلال الزعم بأنه، “أمر شائن، غير أخلاقي وغبي”. اذا ارادت ان يتم اعتبارها بشكل جدي، على قادتها الاصغاء. للقيام بذلك، إنهم يحتاجون لعيون واذان والحس السليم لدى جميع المبعوثين المهنيين – في الماضي والحاضر.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.