لم أكن أعلمُ أن الحاديَ والعشرين من أيلول (سبتمبر) يصادفُ اليومَ العالميّ للسلام، كما أقرّته حاميةُ عرين السلام: الأمم المتحدة!

ففي لحظةِ تفكُّر، استذكرتُ قولَ المفكر الليبرالي الفرنسي (فريدريك باستيا)، إبان القرن التاسع عشر: “عندما لا تجتازُ البضائعُ الحدود، فسوف يعبُرها الجنود”. ومما لا شك فيه، أنه لو خرج (باستيا) من قبره، لصُعق من حقيقة ما حذّر؛ من غياب السلام والتجارة البينية في الأزمنة اللاحقة، وحتى يومنا هذا: من حمائية تجارية، وازديادٍ في حجم الحكومات نسبةً للناتج القومي الإجمالي، وشعبوية السياسيين، وحروب (دولية، ودينية، وأهلية)، وإرهاب (خارجي، ومحلي)، وطالبي لجوء بعشرات الملايين.

بدايةً، إن الدعوة نحو السلام يجب أن لا تُفسَّر على أنها ضعفٌ في وجه العدوان الخارجي أو الداخلي؛ فكثيراً ما حاولت الدولُ التوصّلَ إلى اتفاقاتٍ مع جاراتها المعتدية أو المهدِّدة لها. وقد أظهر التاريخ بأن ذلك التوجّه يُعدُّ خطأ جسيماً؛ فكما قال الرئيسُ الأمريكي (رونالد ريغان) يوماً ما: “القوة، وليس الضعف، هي أكبرُ ضمانٍ للسلام”.

في الحقيقة، لا يوجد في التاريخ قانونٌ يجزم بأن السّلم الإنساني سوف يحقق الاستدامة؛ إلا أن أفضلَ السّبل لتحقيقه، حسب الفكر الليبرالي، هو في دعم مبادئ ثلاث: التجارة الحرة، والديمقراطية الليبرالية، والتفوّق العسكري.

كانت فلسفة الحرب في العالم القديم جزءاً من الحياة اليومية، بحيث جعلت المفكرين الإغريق والرومان يعتبرونها النظام الطبيعي للمجتمع الإنساني. فأهل إسبارته، ومن بعدهم الرومان بشكلٍ خاص، رأوا بأن الحرب أساسية لتقدم المجتمع ورخائه. فكثيرٌ من المفكرين، بمن فيهم أفلاطون وأرسطو، كانوا يعتقدون بأن فضائلَ المُحارب (كالشجاعة والتضحية بالذات) ستُفتقَد بدون العسكرة التي تتطلبها الحربُ والاستعداد لها. وقد قال أحد الفلاسفة الإغريق إن الحرب هي مصدر الأشياء كلّها، وقد كرّر هذا القول الآلاف من بعده؛ فالإنسان ينحلّ وينحط أثناء السلم! والحرب، وحدها، هي التي توقِظ فيه المواهبَ والقوى الراقدة، وتشحنه بالمثل العليا السامية. أما فكرة السلام، فتعود في جذورها إلى تقاليد مختلفة، من بينها التراث اليهودي، والمسيحي، والإسلامي، وإلى عصر التنوير إبان القرن الثامن عشر.

إلا إن النقد الليبرالي للحجّة المقدَّمة لصالح الحرب يختلف جوهرياً عن حجة محبّي الخير العام، والتي تبدأ من منطلق أن مصدرَ جميع الأشياء لا يكمنُ في الحرب، بل في السلام؛ فصحيحٌ أن الحرب تدمّر ثروةَ أعدائك، إلا أنها تلحق الضرر بثروتك! وإن الأمرَ الوحيد الذي يمكّن الجنسَ البشري من التقدّم، ويميّزه عن الحيوان، هو التعاونُ البشري. لذا اعتبر الفلاسفةُ الليبراليون أن الحربَ هي البلاءُ الأعظم: فهي تمزق وتلحِق الدمار بمجمل عملية التعاون الاجتماعي والتخطيط بعيد المدى.

تبعاً لذلك، فقد كان أحد الأهداف الرئيسة لليبرالية هو منع الملوك من تعريض رعاياهم للأخطار في حروبٍ لا ضرورةَ لها. وقد أكد (آدم سميث) بأنه ليس هناك الكثير مما يلزم لإيجاد مجتمعٍ ينعم بالسعادة والرخاء أكثر من “سلامٍ، وضرائبَ سهلة، وإدارةٍ مقبولة للعدالة”. كما وأدرك الليبراليون بأن الحروبَ تؤدي، عبر الزمن، إلى تشكّلِ حكوماتٍ كبيرة، من حيث توفيرها مبرراتٍ لها للاستحواذِ على المال والسلطة المطلقة، ووضع المجتمع تحت تنظيمٍ صارم. وقد كتب (توماس بين) قائلاً بأنه بوسع أيّ مراقبٍ التوصّل إلى استنتاج مفاده بأن الضرائب لم تكن تُجبى من أجل الحرب، بل إن الحروب كانت تُشنّ لجباية الضرائب!

أما (ديفيد هيوم)، أحد أعظم مفكري عصر التنوير، فقد هاجم التفكير السائد القائل بأن العلاقات الدولية هي في نتيجتها صفرية، وأن مغنمَ بلدٍ من البلدان يشكّل خسارةً للبلدان الأخرى، إذ كتب يقول: “ليس فقط كرجلٍ، بل كمواطن بريطاني، فإنني أصلّي لأجل انتعاش التجارة في ألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، وحتى فرنسا نفسها”. وهكذا، فإن فلسفة (هيوم) الليبرالية أوصت بالتجارة حتى مع ألدّ أعداء بريطانيا التقليديين.

أما الآباء المؤسّسون للولايات المتحدة الأمريكية، والذين أسعدهم تحرّرهم من حروب أوروبية لا نهايةَ لها، فقد وضعوا لحكومتهم الجديدة مبادئ أساسية للسّلم والحيادية. وقرر الكونغرس القاري في بيانٍ له عام 1783 بأن “المصالح الحقيقية للولايات تقتضي ألا تكون لهم سوى أقل صلة ممكنة مع سياسات ونزاعات الشعوب الأوروبية”. وكتب (جورج واشنطن) إلى صديقٍ فرنسي له عام 1788: “إننا، ونحن مفصولون بهذا العالم الواسع من المياه عن الشعوب الأخرى، لا بدّ لنا، إن توخّينا الحكمة، من تجنّب الانزلاق إلى متاهاتِ سياساتِ تلك الشعوب، والانخراط في حروبهم المدمّرة”.

أصاب الليبراليين الأوروبيين الحسد إزاء الجمهورية الأمريكية المسالِمة! فجعلوا السلامَ والتجارةَ الحرة مبادئَ رئيسةً لهم. وأشار الإنجليز والفرنسيون منهم، في القرن التاسع عشر، إلى أن البلدان تستفيد من ازدهار جيرانها. وقد عمل كلٌّ من (ريتشارد كوبدن) و(جون برايت) وعددٌ آخر من التجار الإنجليز (الذين كانوا يُعرفون غالباً بأحرار مدرسة مانشستر)، عملوا على إبقاء إنجلترا بعيداً عن الدخول في حروب لا ضرورةَ لها، وقام نظراؤهم في القارة بجهود مماثلة.

وبعد الإنتصارات السريعة للأفكار الليبرالية، لم تتوقف الحروب، إلا أنه أصبح يتعيّن على الحكام أن يقدّموا، على الأقل، تبريراتِ ومسوّغاتِ الذهاب إليها. ومع هذا، أخذت الليبرالية بالانحسار، نهاية القرن التاسع عشر، في وجه الحركات الوطنية، والاشتراكية، والشيوعية. وحتى في الدول الديمقراطية، فقد أحدثت الحروب تغيّراً في العلاقة بين الفرد والدولة: فخلال الحربين العالميتين، الأولى والثانية، تولّت حكومةُ الولايات المتحدة، كسائر الحكومات الأوروبية، سلطاتٍ لم يكن بمقدورها الحصولَ عليها أوقات السّلم (مثل ضبط الأجور والأسعار، والقيود على الصحافة، والسيطرة المباشرة على العمالة والإنتاج، وفرض معدلات ضرائب فلكية).

نرى، وعلى امتداد التاريخ الإنساني الطويل، بأن حالة السلام كانت الاستثناءَ لا القاعدة! كما ويبين التاريخ لنا بأن تحقيق السلام أصعبُ من تحقيق الحرب. ويفترض كثرٌ منا بأن السلامَ أو “الوئامَ العالمي” يُخدَم أفضلَ ما يُخدَم، بمؤسساتٍ دولية عابرة للحدود، تستطيع ربطَ الأمم معاً في اتفاقياتٍ مُلزِمة، وتوفّر قاعدةَ عملٍ ومنبراً تستطيع الأممُ من خلالهما حلّ القضايا العالقة فيما بينها. فعلى امتداد القرن العشرين، الذي مزقته الحروب، أقيمت المؤسسات الدولية التي تهدف إلى التأكّد من أن الحروب بين الأمم لن تنشبَ مرة أخرى: عصبة الأمم، والأمم المتحدة، والإتحاد الأوروبي، والتي أنشئت جميعُها وهي مفعمة بهذا الهدف النبيل!

وفي الحقيقة، فإن الفلسفة الليبرالية ترى بأن الحكومات والجهات الدولية ليست هي التي تنشئ شبكة العلاقات الاقتصادية، والثقافية، والروحية اللازمة لحفظ السلام؛ بل الذي يرسي دعائمه هو شعوبُها؛ فالحكومات تقف حجر عثرة أمام التدفق الحر للسلع والخدمات، والمُثل، والمعتقدات التي تخلق مصلحةً مشتركة في السلام. أما التكتلات عبر الحدودية، فهي نسخةٌ عن الحكومات، لا أكثر!

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.