بمجرد الإعلان عن قرب مناقشة الكونجرس الأمريكي، مشروع قانون يناقش مسألة بناء وترميم الكنائس المصرية، بدأت حالة من القلق داخل الحكومة المصرية عبر عنها بيان الخارجية المصرية على لسان متحدثها أحمد أبوزيد الذى رفض مشروع هذا القانون معللاً رفضه بأنه تدخل فى الشؤون الداخلية لمصر، مشيراً إلى أن مصر لم تشهد عنفاً طائفيا، وإنما شهدت أحداثا إرهابية ارتكبتها جماعة خارجة عن القانون فى إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين.

ولكن الحقيقة أن كلام المتحدث بأسم الخارجية المصرية كلام غير دقيق، حيث أن ما شاهدته مصر بعد فض اعتصام رابعة فى صيف العام 2013، هو (أعمال عنف طائفية أرتكبت من قبل جماعة إرهابية استهدفت الأقباط وكنائسهم ومحلاتهم على وجه التهديد كنوع من العقاب على مشاركتهم فى أحداث ال 30 من يونيو التى أدت إلى الإطاحة بالرئيس الإخوانى محمد مرسى).

وما لم يذكره متحدث الخارجية أيضاً أن تلك الاعتداءات تمت بتواطؤ شديد متعمد من قبل الدولة التي كانت تعرف جيداً ومسبقاً ميعاد فض الأعتصام وتعرف حجم العنف المتوقع نتيجة لتلك الخطوة، وتعرف أن تلك الجماعة تستهدف الأقباط وقامت بتأمين المنشآت الحيوية فى البلاد مع تغافل متعمد للكنائس والمنشأت المسيحية، لتسويق العنف الذى سيقع ضد الأقباط للخارج لتبرير وشرعنة ما حدث من تحولات سياسية فى مصر فى تلك الفترة، لأنه من المعروف أن النظام الحالى فى مصر وصل إلى الحكم بشرعية فكرة محاربة الإرهاب والتطرف.

وفى سياق آخر تعالت بعض الأصوات المعروف مصدرها والتى هى متوقعة وجاهزة لإدانة أي موقف يتنافى مع مصلحة النظام، بالرغم من عدالة هذا الموقف أو أن ذلك التأييد سيكون على حساب مصلحتها، باستخدام غطاء من الشعارات الرنانة من الوطنية ورفض المساس بالوحدة الوطنية تلك الجمل المعلوبة التى لا تحمل أى قيم أو فكر، والتي تهدم فكرة الدولة والمواطنة وترسخ من مبدأ الغابة وغياب القانون، وتساعد النظم المتعاقبة على التهرب من مسؤليتها أمام المجتمع الدولى.

وعلى رأس هذه الأصوات كانت الكنيسة القبطية التى هى موقفها من النظام الحالى معروف، فهى حليف تحول إلى تابع مسلوب الإرادة يسير فى ظل نظام تتأكل شعبيته يوم بعد يوم تحت وطأة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التى تمر بها البلاد، ولكن الكنيسة وقيادتها المتمثلة فى البابا تواضروس الثانى لا تملك الا التأييد لاسباب متعددة منها ما تم ذكره حول فكرة ربط مصير الأقباط بالرئيس الحالى نتيجة للتحالف والتأييد المطلق الذى تمتع به السيسى من الكنيسة خوفاً من مصير مقلق كان يخشاه الأقباط تحت حكم الإخوان.

وثانياً: لأن الدولة تمارس ضغوط على الكنيسة وظهر هذا جلياً مؤخراً فى تصريحات وأحاديث الأساقفة التى تم إرسالهم إلى الكنائس القبطية فى الولايات المتحدة قُبيل زيارة السيسى الأخيرة للأمم المتحدة لحث وإجبار الأقباط على الخروج لاستقبال السيسى، وانطلاقاً من هذا ومن معرفتنا بحجم التخوفات والضغوطات التى تمر بها الكنيسة فلا يمكن اخذ تصريحاتها فيما يخص هذا الشأن بعين الأعتبار.

ولكن الأمر اللافت للانتباه هو البيان الذى أصدرته الكنيسة الإنجيلية فى مصر، بمعرفة القس أندريه زكى رئيس الطائفة والذى قال:”رفض الكنائس المصرية أي تدخل أجنبي في الشأن الخاص المصري، موضحاً أن الإدارة المصرية وقفت إلى جانب المسيحيين في مصر منذ قيام ثورة 30 يونيو، وقامت بإعادة وترميم معظم الكنائس التي تعرضت للحرق والتدمير على يد جماعة من المتطرفين في أعقاب فض اعتصامي رابعة والنهضة عام 2013 “.

فبينما يؤكد زكى بأن الدولة قامت بترميم معظم الكنائس التى تعرضت للحرق والتدمير، فلسان حال رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسى يقول شئ أخر فالسيسى أثناء زيارته لقداس عيد الميلاد مطلع عام 2016 تحدث موجه كلامه للبابا تواضروس قائلا:”لقد تأخرنا كثيرا في إصلاح وتجديد الكنائس التي أحرقت، سيتم إصلاح كل شيء هذا العام. أرجو أن تقبلوا اعتذارنا عما حدث إن شاء الله وبحلول العام المقبل لن يكون هناك بيت واحد أو كنيسة لم يتم ترميمها. لن ننسى أبدا الموقف المشرف والمحترم والعظيم الذي أخذتموه أنتم والبابا في خلال هذه الفترة.”ً

ولكن رغم وعد السيسى بترميم كل الكنائس قبل نهاية عام 2016 ولكن الواقع يخبرنا بشئ مختلف فبناء على الإحصائيات التى شملها مشروع القانون المقدم إلى الكونجرس والتى تم إعدادها بواسطة منظمة التضامن القبطى، فمن بين 78 كنيسة ومنشأة مسيحية تم تدميرها قام الجيش بترميم 26 فقط، وقام الأهالى الأقباط بترميم 23 آخرين على نفقتهم الخاصة، وظل هناك 29 كنيسة ومبنى أخرين فى 24 موقع مختلف لم يتمم ترميمهم من قبل الجيش. ولكن واضح أن طموح أندريه زكى السياسى وحبه للظهور فى المشهد لحجز موقع له على طاولة النظام قد دفعه للتحدث بكلام غير دقيق.

وبالرغم من صدور قانون خاص ببناء دور العبادة المسيحية الصيف المنصرم، فى إطار صفقة بين الكنيسة والدولة بعد اعتراض الكثير من نشطاء الأقباط والقانونيين وأنصار الدولة المدنية، الذى روأ أن ذلك القانون لن يؤدي إلى حل تلك المشكلة بل هو يأتي كتكريس لفكرة هدم فكرة الدولة المدنية والمواطنة، وبالفعل رغم صدور هذا القانون، فشكوك هؤلاء كانت فى محلها، الاعتداءات بسبب الاتهامات بتحويل الأقباط منازلهم لدور عبادة أو عدم السماح بترميم دور العبادة الموجودة بالفعل لم تتوقف بعد صدور ذلك القانون سيئ السمعة.

ففى نوفمبر/ تشرين الثانى وقعت اعتداءات وحرق لبيوت الأقباط فى قرية النغاميش بمركز دار السلام جنوب محافظة سوهاج الواقعة فى صعيد مصر، بالأضافة للاعتداءات الجسدية على أقباط تلك القرية، ونهب وسلب للممتلكات، غير حالات الاعتراض الكثيرة التى تمت على ترميم وإصلاح بعض الكنائس أو بيوت الخدمات التابعة لها.

وأخيراً بعد ما قمنا به من استعراض سريع للمشهد يتضح أن الأقباط حائرين ودائماً هم محل ضغوطات من الكنيسة التى هى محل ضغوطات من الدولة، وبهذا يكون الأقباط دائماً ضحية تدخلات العلاقة بين القيادات الكنيسة والدولة التى يشكل جزء كبير منها علاقة غير مفهومة، يمكننا أن نطلق عليها علاقة فى أحسن الأحوال (علاقة مربكة).

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.