كمجموعة من الناشطين الفلسطينيين والإسرائيليين الشباب من القدس، نحن، ريمان بركات، راحيلي إبنبويم، وأنا، ميخال شيلور، وجدنا أنه من المؤلم رؤية مدينتنا الحبيبة تلقى الكثير من الاهتمام الدولي. لم نرى أبدا في حياتنا الكثير مكتوب عن هذا المكان من قبل أشخاص الذين يعرفون القليل جدا عنها.

ولدنا ونشئنا هنا، تعلمنا هنا، أحببنا هنا، والآن نبني عائلات هنا. لقد عشنا من خلال الحروب والانتفاضات ومعاهدات السلام التي أدت إلى أين نحن اليوم. من خلال كل ذلك، لقد تعودنا على الصحفيين الدوليين الذين يأتون بالقفز المظلي ويختارون التركيز على المتطرفين، إراقة الدماء، والكراهية، في حين يتجاهلون الانسجام اليومي والتعايش الطبيعي الذي يأخذ القليل من البحث من أجل أن نراه. لقد اعتدنا، بدورنا، على صدمة الأجانب عندما يزورون مدينتنا أخيرا ويرون أنها لا تشبه منطقة الحرب التي يرونها على شاشة التلفزيون أو قرأوا عنها في الصحيفة. حتى المراقبون الأوائل من هذا الصراع يذهولون لسماع أنه في هذه المدينة التي يبلغ عدد سكانها 860،000، كان هناك ما ما يصل مجموعه الى 27 حالة وفاة عنيفة هذا العام. هذا يمثل العنف السياسي وعمليات القتل غير السياسية. كانت أرقام القتل العام الماضي في كولومبوس، أوهايو، وهي مدينة بنفس الحجم، أكبر بأربع مرات.

لم تكن هذا الفجوة بين الصورة والواقع أوسع مما هي عليه الآن. حسب قراءة العناوين، يتصور المرء أن التوترات في الهواء هنا يمكن أن تخنق شخصا، وأنه لا يمكن أبدا أن تكون هناك تفاعلات سلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يعيشون في هذه المدينة المقدسة. بعد إعلان الرئيس ترامب في القدس، كانت هناك تحذيرات من عواقب متفجرة. توقعت جوقة لا نهاية لها من الخبراء وزعماء العالم إراقة دماء لم يسبق لها مثيل.
مع ذلك، على الرغم من هذه التحذيرات الصعبة، والدعوة إلى العنف من جانب والاحتفالات من جهة أخرى، فقد ظل المقدسيون موالين لأنفسهم. في صلوات الجمعة في أعقاب تصريحات ترامب، أحاط الصحافيون بوابة دمشق في البلدة القديمة، التي كانت مسرحا للاحتجاجات الضخمة منذ أشهر قليلة. إلا أن عدد الصحفيين تجاوز عدد المتظاهرين، وانتهى اليوم مع القليل من الأدلة على نهاية العالم التي بدا أن الكثيرين توقعوها. اليهود، بشكل مشابه، لم يهتفوا في الشوارع ولم يلوحوا بأعلام إسرائيلية في وجوه العرب.

يبدو أن العالم يريد العنف في القدس. انه يتوقع وينتظر ذلك. والمقدسيون يقولون: ليس نحن، ليس الآن. نحن نرفض التصرف وفقا للخط الذي كتب لنا. على الرغم من ضغوط القادة الوطنيين والدوليين، فإن ما نشاهده بالفعل على أرض الواقع هو استمرار الحياة اليومية كالمعتاد. الناس يأخذون أطفالهم الى المدرسة، يذهبون إلى العمل، ويتسوقون في السوق. ربما لأننا نحن المقدسيون نعرف سر صغيرا: هذه المدينة لا تنتمي إلى دين واحد أو أمة واحدة. نحن، المقدسيون، ينتمون إليها.

إن الهوية المقدسية تتجاوز القومية. اليهود والمسلمين والمسيحيين ولدوا هنا ويعيشون هنا. لدينا جميعا علاقة عميقة بالقدس. وبينما اللذين لا لا يدركون ذلك يستمرون في العراك عليها كجائزة تستحق الفوز، فإننا الذين نتنفس هواءها ونمشي في شوارعها نحافظ بنشاط على الحب والروحانية اللذين جعلا القدس جذابة جدا لكثير من الناس لآلاف عديدة من السنين. هذا هو ما لا تظهره هذه التصريحات المضللة عن القدس: أن القدس الحقيقية، شوارع القدس اليومية، مليئة بالثراء المتعدد الثقافات والتفاعل بين الناس المنتقين مثل التوابل التي تملأ أسواقها. امشوا يوما في القدس وستروا المسيحيين الفلسطينيين، المسلمين، اليهود العلمانيين، الفنانين، أعضاء المجتمع المثلي، اليهود الإثيوبيين، اليهود الأرثوذكس، اللاجئين الأفارقة، والوجوه الأخرى العديدة التي تلون لحاف القدس الثقافي.

نعم، بالطبع هناك أشخاص كارهين هنا. في أي مكان في العالم ليسوا موجودين اليوم؟ لكن إذا كانت القدس مليئة بالكراهية، فستكون هناك فرصة أكبر هنا من أي مكان آخر لأعضائها المتنوعين والمعارضين في المجتمع للتعبير عن تلك الكراهية. ستة أيام في الأسبوع، ولمدة 18 ساعة في اليوم، يسافر اليهود والعرب على السكك الحديدية الخفيفة في القدس معا. مرة واحدة كل بضعة أشهر، نسمع عن حادث عنيف أو عنصري يحدث على السكك الحديدية الخفيفة. بالطبع حدث واحد هو كثير جدا، ولكن فكروا في ذلك: الآلاف من العرب واليهود يجتمعون كل يوم في القطار وتتاح لهم الفرصة لخلق الكراهية. لكنهم لا يفعلون ذلك. انهم لا يفعلون ذلك.

الأصوات المتطرفة، التي نسمعها جميعا عنها أكثر بكثير، هي في الحقيقة أعضاء هامشيون في المجتمع. المزيد من الناس يقفون ويقدمون إجابة مختلفة. على سبيل المثال، عندما قتلت فتاة في سن المراهقة في موكب الفخر المثلي في القدس عام 2015، أنشأ ناشطون دائرة حوار أسبوعية لا تزال تحدث كل ليلة خميس في ساحة صهيون. عندما أحرق المتطرفون مدرسة عربية يهودية في عام 2014، سعيا لإطفاء الأمل في التعايش، سار آلاف الإسرائيليين والفلسطينيين في شوارع القدس دعما للتعايش.

انظروا، مدينتنا تزدهر على الرغم من الواحد في المائة المتطرف، وذلك بفضل 99٪، الذين يمثلون روح القدس من الحب والسلام. نادرا ما تصور هذه الأغلبية، لأن التعقيد ليس من السهل على الخارج أن يصوره. لعل الفروق الدقيقة ليست مثيرة مثل الكراهية والعنف.ولكن إذا كانت القدس ستشهد السلام الحقيقي، مع تطرف أقل وأقل، فان وضعها تحت التسميات التي لا تناسبها لن تساعد. وفي الواقع أن هذه التسميات تتناسب تماما مع أيدي المتطرفين من كلا الجانبين.

بالنسبة لنا، فإن الحياة في القدس توفر أسبابا كثيرة للأمل أكثر من اليأس. نعم، إنها مدينة التوترات والتعقيدات. ومع ذلك فإننا ندرك حقيقة أننا نعيش في مدينة ذات أهتمام دولي وتاريخي، وهكذا، بدلا من السماح لتلك الصعوبات السيطرة علينا، نحن نخلق واقعنا الخاص. وهذا هو أعظم درس هنا. فالقدس، بعد كل شيء، هي صورة مصغرة للصراع نفسه، وهو بؤرة أصعب المسائل التي تواجه شعبنا. ومع ذلك فإنها أيضا حيث يكمن الحل. لأنه إذا كنا قادرين على خلق هذا الواقع في القدس، على الرغم من كل ما نحن ضده، فإنه حقا يمكن إنشاؤه في أي مكان.
——
شارك في التأليف: ريمان بركات، راحيلي إبنبويم، وميخال شيلور
ريمان بركات، راحيلي إبنبويم وميخال شيلور هنّ أعضاء في نموذج القدس، وهي شبكة من أصحاب المشاريع الاجتماعية الإسرائيلية والفلسطينية التي تعمل على بناء مجتمع مدني أكثر قدرة على التحمل والنشاط في القدس. ريمان بركات هو باحثة فولبرايت والرئيسة التنفيذية للتجربة الفلسطينية. راحيل إبنبويم هي رئيسة البرنامج الأرثوذكسي في مركز شاحاريت للبحث. ميخال شيلور هي منسقة الحملة الشعبية للتسامح في مركز القدس الثقافي المشترك بين الثقافات.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.