في نوفمبر 2014، مقالة قصيرة مع قصة غريبة نشرت في صحيفة القدس المحلية – يديعوت يروشالايم. مركز مالحا التجاري، المركز التجاري الأكثر شعبية في القدس وأحد مراكز التسوق الأكثر ربحا في إسرائيل، أفاد انخفاض 15 في المئة في أرباح التجزئة في بعض المتاجر الرائدة في المول. السبب، كما تبين، كان غياب شبه تام للمتسوقين الفلسطينيين من مجمع التسوق منذ أحداث صيف عام 2014. القتل القاسي والسادي لمحمد أبو خضير من شعفاط، هجمات عشوائية على العرب في شوارع القدس الغربية واعتقال ما يقارب 700 شابا فلسطينيا خلال أحداث الشغب مما تجلى في خليط من الخوف من هجوم عنصري ومقاطعة سياسية للتجارة الإسرائيلية.

قرر فلسطينيو القدس الشرقية الامتناع عن التسوق في مجمع التسوق اليهودي. وعلاوة على ذلك، رفضت جميع الصحف المحلية في القدس الشرقية محاولة المجمع لتعزيز حملة جديدة وإعلان عربي في الصحف، الامر الذي أدهش إدارة المركز التجاري. وقد صدر منشور يحث مقاطعة أي تعزيز للتجارة اليهودية عبر الصحف الفلسطينية المحلية.

تكشف هذه القصة عن الطبيعة غير المترابطة والهشة للقدس “الموحدة”. كما يدل ذلك أيضا على التحول الديمغرافي في المدينة، وكنتيجة لذلك، على العلاقة الاقتصادية المتنامية بين الشعبين. في العقود المقبلة، هذا الارتفاع للأقلية الفلسطينية في القدس كلاعب في السوق والقوى العاملة – إلى جانب نسبة متزايدة من عامة السكان – سوف تغير بشكل كبير طبيعة القدس الغربية.

منذ انتهاء الانتفاضة الثانية، التي عدت 173 قتيل في صفوف المدنيين اليهود في شوارع القدس الغربية، لقد شهد اليهود في القدس عقد هادئ نسبيا. وبصرف النظر عن العديد من الهجمات الارهابية العشوائية الفردية، كان هذا عقدا دون فترات مكثفة من الإرهاب الفلسطيني. اعتادت القدس اليهودية على واقع أكثر “طبيعية”. رئيس بلدية القدس نير بركات، الذي انتخب في عام 2008، تعزز وازدهر في هذا الهدوء الواضح. لقد اقام مهرجانات ثقافية، وسباقات ماراثون، وسباق السيارات فورمولا وان. تم افتتاح مطاعم جديدة، مما منح الهيمنة الثقافية التل أبيبية معركة عادلة. لقد بنى المجتمع المدني مؤسسات قوية وشبكات وتحالفات، ومشاريع عمرانية جديدة – بما في ذلك السكك الحديدية الخفيفة، الارينا، محمع محطة القطار القديمة، وربع ماميلا التجاري – جميعها قد زينت وقامت بتحسين نوعية الحياة لسكان القدس . منذ أيام تيدي كوليك المتوهجة، لم ترى الحياة في القدس الغربية مظهراً أفضل.

في نفس الوقت، مع ذلك, في أحياء القدس الشرقية كان الشيء الوحيد المحتفى به هو الاضمحلال المستمر وانهيار البنية التحتية المادية والأطر المجتمعية والاقتصادية. بينما شغلت المركبات الفاخرة الجديدة كل حيز عام متاح في في القدس الغربية، واصلت الأحياء العربية في البكاء من أجل الأرصفة المعبدة والطرق ونظام صرف صحي يعمل ومئات الفصول الدراسية المفقودة. وعلاوة على ذلك، حصل الفلسطينيين على مشروع حضري خاص بهم: جدار الامن. الجدار بطول 168 كيلو متر الذي هدف الى تأمين حياة اليهود في الجزء الغربي من القدس قد ترك الجانب الشرقي مع شوارع مقسمة. مجزءاً حياة مئات الآلاف من سكان المدينة، وقاطعا الكثير منهم من درب عملهم ومن المدارس, وعائلات باقية على الجانب الخطأ من الجدار.

مع ذلك، كما هو الحال في باربرا توكمان في مسيرة الحمقى, خطط سياسية قصيرة النظر تؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج عكسية. أمل مخططي الجدار (الجيش الإسرائيلي وادارة شارون) بتطويق اكبر قدر من أراضي القدس الشرقية مع اقل عدد ممكن من السكان العرب. كانت هذه خطوة أخرى للسياسة الديموغرافية الرسمية للحكومة الإسرائيلية: منذ عام 1967، لقد حاولت وفشلت باستمرار لضمان أغلبية يهودية في المدينة. في الواقع، كان للجدار نتيجتان غير مرغوب بهما. الأولى, هجرة جماعية إلى القدس من قبل الفلسطينيين الذين بقوا خارج الجدار. ما يقدر بنحو 50،000-100،000 شخص دخلوا الأجزاء الأكثر إهمالا من المدينة، مما خلق أزمة سكن شديدة في الأحياء العربية – ضربة جديدة للسياسة الديموغرافية الفاشلة للحكومة الإسرائيلية في القدس. كانت النتيجة الثانية, تحول جغرافي لأنشطة الحياة اليومية. عزز الجدار التقسيم المادي الوظيفي بين القدس الشرقية والضفة الغربية، مما قاد العديد من الفلسطينيين للتطلع غربا إلى الأجزاء اليهودية في المدينة للأنشطة اليومية. الذهاب إلى العمل، التجارة أو الدراسة في رام الله أو بيت لحم اصبحوا امكانية خطيرة. لم يرغب بان “يحاصر” خلف الحدود المستقبلية.

فجأة، أصبحت جميع التطورات الجديدة الكبيرة في القدس الغربية نقطة جذب رئيسية للفلسطينيين. مثل الضيوف غير المرغوب فيهم، لقد بدأوا في الوصول إلى مراكز التسوق والحدائق العامة والسكك الحديدية الخفيفة وأماكن العمل. تظهر الأبحاث أنه في عام 2011، ما يقارب 40 في المئة من القوى العاملة في القدس الشرقية كانوا موظفين في القدس الغربية. أصبحت بعض القطاعات الاقتصادية تعتمد إلى حد كبير على العمال الفلسطينيين، مثل السياحة، النقل، البناء، وتجارة التجزئة والصحة. حتى في مجال الإسكان، بدأت علامات جديدة على وجود اتجاه كبير بالتجسد: بدأ الفلسطينيين من الانتقال من القدس الشرقية إلى الأحياء التي بنيت في البداية لليهود في القدس الشرقية، بما في ذلك التلة الفرنسية، بسجات زئيف ونيفي يعقوب. في العقد الماضي، استقر المئات من هذه الأسر في الشقق التي تم بيعها لهم من قبل يهود الطبقة الوسطى الذين غادروا المدينة.

جلب صيف 2014 بعض هذه العمليات إلى توقف مؤقت. للمرة الأولى، فقط التواجد في القدس الغربية كان يعتبر أن يكون خطر جسدي للعديد من الفلسطينيين. ولكن الواقع في القدس لا يحمل أي بدائل. اليوم, يمثل الفلسطينيين أكثر من 37 في المئة من سكان المدينة، وبحلول عام 2035 من المتوقع أن يصل العدد إلى 50 في المئة. إن التراجع المستمر في القدس الشرقية والذكرى السنوية العاشرة لحاجز الدفاع يواصل دفع الفلسطينيين إلى القدس الغربية.

هذا الواقع الغير متوقع يحمل في طياته تهديدات وفرص. في جميع الفسح العامة أو التجارية تقريبا في القدس الغربية، يتم إنشاء مساحات جديدة مشتركة حيث يقيم اليهود والفلسطينيون معا كمقيمين, كعملاء وكزملاء. يرى البعض في ذلك تهديدا لطبيعة القدس اليهودية. يشتبه في منظمات عنصرية مثل لهافا لتحريض عصابات من الشبان اليهود بمهاجمة العمال الفلسطينيين والمارة في الأحياء اليهودية. كما ويسبب الواقع الجديد أيضا إحباط واستياء بين العديد من الفلسطينيين، الذين يتعرضون يوميا إلى الأحياء الغنية اليهودية والشك والخوف الذان يواجهوهما في الجانب اليهودي.

في الوقت نفسه، يعزز هذا التكامل الجديد القسري أيضا فرصا لعقد لقاءات إيجابية ولاعتراف متبادل من قبل الطرفين، حيث اعتاد كلاهما على كره بعضهم البعض والعيش بعيدا. مع مرور الوقت، قد يؤدي هذا إلى مزيد من التمكين السياسي والاجتماعي للمجتمع الفلسطيني وتعزيز اتفاقات سياسية جديدة في المستقبل. ان هذه عملية التي، خلافا لما حدث في الماضي، تأتي من الأسفل إلى أعلى، مما يؤدي الى أن تكون القدس- بحكم القانون، ما قد أصبح فعليا بحكم الأمر الواقع – ثنائية القومية.

تم نشر هذه المقالة بالأصل باللغة العبرية في هعوكيتس.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.