سيكون من الرائع أن يكون هناك اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين. لكن بالنسبة لأولئك الذين يريدون بقاء إسرائيل، فإن هذا ليس بالأمر الضروري في الواقع. لا تحتاج إلى اتفاق سلام مع كل من يقيم على وجه الأرض – ولا حتى مع الفلسطينيين.

ما هو ضروري لبقاء إسرائيل هو انفصال عن الفلسطينيين يتم تنفيذه بطريقة تقلل من المخاطر الأمنية وتتيح للفلسطينيين ما يكفي من الاستقلال والازدهار والكرامة لتهدئتهم. قد تمكن أيضا جميع الأطراف في العالم العربي، باستثناء العناصر الأكثر تطرفا، من استيعاب وجود إسرائيل، ليكون هذا بمثابة أمن حقيقي على المدى الطويل لإسرائيل.

لا يمكن لاقتراح ترامب أن يحقق السلام ولا أي تسوية من هذا القبيل، بل إنه يجر إسرائيل أكثر نحو مستقبل يحل محلها فيه كيان ثنائي القومية سيكون في البداية غير ديمقراطي، وفي النهاية لن يكون يهوديا، ولن يعرف يوم سلام واحد.

ذلك لأن الاقتراح لا يخلق انفصالا بين إسرائيل والفلسطينيين، بل أنه يخلق بدلا من ذلك، من خلال السماح لإسرائيل بضم جميع المستوطنات، ديناميكية دولة واحدة ويؤدي إلى واقع الدولة الواحدة.

يقول أنصار الضم إن الخطوة لن تضيف فلسطينيين إلى إسرائيل. لكن مع وجود المستوطنات في معظم أنحاء الضفة الغربية، فإن ضمها جميعا يخلق مثل هذا الخليط المثير للجدل بحيث يمكن لأي طفل أن يرى أن الخطوة لن تنجح كخطة تقسيم. إن جيوب بلدات فلسطينية لم يتم ضمها بشكل ملائم وتحيط بها إسرائيل من جميع الجوانب وتتصل ببعضها البعض من خلال جسور وأنفاق لا تُعتبر تقسيما.

تبدو الخريطة إلى حد كبير مثل البانتوستانات في نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، والتي أخذها القليلون على محمل الجد واختفت من الأرض. تبدو وكأنها خدعة لأخذ الأرض دون الشعب، وحيلة لحرمان الفلسطينيين من الحقوق.

ولكن عندما يصبح الانفصال مستحيلا، سيطالب الفلسطينيون بالتالي: سيقومون بحل السلطة الفلسطينية والمطالبة بضم الأرض بالكامل، بدون ألعاب ومع جنسية. ما الذي ستقوله إسرائيل، الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، بالضبط؟ أنها لا تريد الفلسطينيين، بعد أن ملأت أراضيهم ببلدات وقرى وطرق ومزارع ومصانع نبيذ وجامعة؟

بدون الضفة الغربية، تبلغ نسبة السكان اليهود في إسرائيل حوالي 80٪. مع الضفة الغربية، ستكون نسبتهم في إسرائيل ما بين 55 ٪ -60 ٪ فقط. لو لم ينسحب أريئيل شارون من غزة، كانت ستكون هناك بالفعل أغلبية عربية في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل. لا يزال من غير الواضح ما إذا كان بإمكان إسرائيل بالفعل إعفاء نفسها من غزة. ربما ترون المشكلة في ذلك.

في عملي السابق كمراسل أجنبي، قابلت ياسر عرفات وأجريت مقابلات معه مرات عديدة، وكذلك مع أحمد قريع وصائب عريقات وعدد لا يحصى من المسؤولين الآخرين. لا شك في أن الفلسطينيين لم يكونوا أبدا على عجلة من أمرهم في قبول عروض السلام الإسرائيلية التي اعتبروها غير كافية لأنه يمكن اعتبار الدولة ثنائية القومية خطة بديلة مقبولة للغاية. في روايتهم يشعرون أنه إذا كانت إسرائيل غبية بما يكفي لعدم قبول التقسيم الذي يمنحها 78٪ من فلسطين التاريخية (أي حدود ما قبل 1967)، عندها سيكون الفلسطينيون سعداء بمشاركة 100٪ من الأرض في ظروف متساوية.

ولقد سمعنا بالفعل تلميحات إلى ذلك في تصريحات أدلى بها محمود عباس وآخرون في الأيام الأخيرة. في القاهرة في نهاية هذا الأسبوع، هدد عباس بقطع التعاون الأمني وجميع العلاقات وقال إن على إسرائيل “تحمل المسؤولية كقوة احتلال”.

لقد كان خيار التقسيم متعسرا منذ قبول الإسرائيليين بالرواية التي تقول إن الفلسطينيين رفضوا الصفقات المعقولة التي اقترحها إيهود باراك أولا عام 2001 ثم إيهود أولمرت عام 2008 (مبدئيا، أوافق أنهم فعلوا ذلك وأنهم ارتبكوا خطأ). يعتمد ما تبقى من أمل التقسيم على احتمال أن تتمكن كتلة يسار الوسط والأحزاب العربية من الفوز قريبا بالانتخابات. قد تكون انتخابات 2 مارس القادمة في إسرائيل هي الأمل الأخير، لأن الأمور تسير بسرعة وهناك عنصرين في هذه الكتلة لا يمكن الاعتماد عليهما:

· مواطنو إسرائيل العرب: إنهم يفضلون التقسيم في الوقت الحالي لأنهم يعتبرون ذلك عدلا لإخوانهم الفلسطينيين. لكن في حين أن هذا الخيار يساعد الصهيونية أيضا إلا أنه لا يكسبهم امتنانا في صفوف ضيقي الأفق من الإسرائيليين. لكن عندما يطلب الفلسطينيون المواطنة، فإن الكثير من العرب وربما معظم الإسرائيليين سوف يدعمون طلبهم، مما سيغير الديناميكية. لا تتفاجئوا إذا صوتوا لصالح اليمين المتطرف الإسرائيلي يوما ما؛ لن يكون ذلك قرارا غبيا بالضرورة.

· اليسار الحقيقي: لطالما كان هناك بعض اليهود الإسرائيليين المثاليين الذين عارضوا الصهيونية باعتبارها قومية بشكل مفرط، وفضلوا “دولة لجميع مواطنيها” دون منح حقوق هجرة خاصة لليهود. اليوم، معظم “اليساريين” في إسرائيل هم مجرد صهاينة عقلانيون وهم أشخاص محترمون بشكل عام. عندما يصبح التقسيم مستحيلا، فإن الكثيرين من بين أفراد هذه المجموعة سوف يرون أنه في حين أن دولة ثنائية القومية وغير صهيونية قد تكون أمرا مؤسفا لكنهم لن يقبلوا بأن تكون دولة أبرتهايد.

إن اقتراح ترامب بعيد كل البعد عن “صفقة القرن”، وهي التسمية التي تبناها صحافيون إسرائيليون جهلة. إنها وثيقة أحادية الجانب تتبنى موقف معسكر اليمين الإسرائيلي، وتشكل إهانة للفلسطينيين ولا يمكن لأي شخص منصف القبول بها.

أعتقد أن الخطة تضع بعض الأمور في نصابها الصحيح: القدس لا يمكن تقسيمها فعليا، ولا يمكن لأحفاد اللاجئين العودة إلى ما هي إسرائيل اليوم. لكن إذا أمكن دفع الفلسطينيين نحو التطبيق العملي في مثل هذه القضايا، فلن يكون ذلك عن طريق فرضها عليهم أو إذلالهم، وإنما من خلال الإبداع والاحترام والحوار والتعويض السخي.

ليست هناك حاجة للتفكير بشكل تهكمي للاعتقاد في أن الغرض الحقيقي من عرض الأسبوع الماضي كان مساعدة بنيامين نتنياهو في صناديق الاقتراع، فالتوقيت واضح وجلي بشكل مذهل. قد ينجح هذا المخطط الصغير، لكنه سيف ذو حدين: في أحد أعظم ألغاز التاريخ الحديث، سيكون هذا الرجل اللامع على خلاف ذلك ومن دون قصد­­ متعهد دفن المشروع الصهيوني الذي دافع عنه بشراسة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.