أرسل الشكل الجديد للإئتلاف الحكومي موجات صادمة في جميع أنحاء النظام السياسي الإسرائيلي، مع ردود فعل تتراوح ما بين تنبيه إلى غضب ومن مفاجأة إلى يأس تام.

قد تكون أحدث خطوة سياسية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مرحلة أخرى من التدهور السريع في النظام السياسي الإسرائيلي. أو على العكس من ذلك، بداية نقطة تحول من شأنها أن توقف الغوص إلى اعماق هاوية مظلمة. حيث يعتمد الكثير من ذلك على كيفية الدوران المتزايد من المواطنين القلقين من أجزاء كبيرة من الطيف السياسي، وعلى ردودهم وتصرفاتهم في الأيام والأشهر المقبلة. الخيار لهم: يمكنهم الوقوع في يأس وعدم القيام بأي شيء، أو يمكنهم الإتحاد ليسيروا في الطريق الطويل نحو إحياء ديمقراطي في إسرائيل. اختيار وضع استراتيجية للخروج (سواء ماديا او فكريا) يعني التخلي عن مستقبل إسرائيل؛ رفع صوت مشترك لمجتمع لائق وبذل جهود متضافرة لضمان تحقيقه يعطي الأمل لتغيير كبير على الطريق.

ليس هناك ما يثير الدهشة على الإطلاق في جولة الإشكالات السياسية الأخيرة المدبرة من قبل رئيس الوزراء. التعيين الوشيك لأفيغدور ليبرمان وزيرا للدفاع (والإطاحة اللاحقة ومن ثم استقالة سلفه موشيه يعلون)، هي مرحلة أخرى في عملية منهجية للتضحية بالقيم والمصالح الإسرائيلية الأساسية على مذبح المصالح السياسية .

على مدى السنوات القليلة الماضية، برز الدافع وراء السياسة الإسرائيلية من خلال ثلاث قوى رئيسية وهي: قلق نتنياهو المتزايد حول بقائه السياسي الشخصي؛ السيطرة الماهرة على الجهاز السياسي من قبل ممثلين عن مؤسسة المستوطنات (زئيف الكين، ياريف ليفين، نفتالي بينيت، اييليت شاكيد، وليبرمان نفسه)؛ وفشل المعارضة في البناء والسعي بشجاعة إلى بديل سياسي مقنع. لقد سيطر نهج عنصري ومليء بالكراهية عبر موجات الأثير على الشبكات الإجتماعية، مما مهد الطريق لتشريعات وسياسات زادت من ترسخ العقلية القومية.

خلال الأسابيع الماضية، انسابت الآثار الخبيثة لهذه الإتجاهات إلى الجيش الإسرائيلي في سلسلة من الحوادث التي سلطت الضوء على تفسيرات متباينة بشكل كبير من نتنياهو ويعالون بشأن قانون الأخلاق العسكري والآثار المترتبة عليه. وجاءت هذه المشاحنات إلى ذروتها في الخلاف العلني على حق المراتب العليا في الجيش (في هذه الحالة، نائب رئيس الأركان يئير جولان) على الإنخراط علنا ​​في الفكر النقدي. في حين سهل التوتر الذي أعقب ذلك انسحاب يعالون السياسي – فالتوتر في العلاقات المدنية العسكرية لم يبدد نتيجة لذلك – لكنه لم يكن سببا في حد ذاته لأحدث مناورة سياسية لنتنياهو. تم دفع قراره من خلال هاجسه للبقاء في منصبه.

اعتبرت خطوة نتنياهو كإشارة أخرى لإتقانه السياسي، وبالتالي ترسيخ سمعته باعتباره فنان مبدع من الطراز الأول – وإن كان مقادا مع جرعات كبيرة من السخرية السياسية الجامحة. تقول الحكمة التقليدية الناشئة أن رئيس الوزراء قد بدا منتصرا مرة أخرى. قد يكون ذلك صحيحا على المدى القصير جدا. وفي منظور أوسع، سيظهر أن نتنياهو هو الخاسر الأكبر من هذا التلاعب.

لقد تعاقد على كل ملف رئيسي بإستثناء وزارة الخارجية لأعضاء التحالف، وترك الدفاع والمالية والتربية والعدل والداخلية في أيدي شركائه الحاليين. لقد أثار غضب الكثيرين في حزبه (الليكود) الذين لا زالوا ملتزمين بمبادئ الليبرالية الخاصة بجابوتنسكي وبيغن، وبالتالي قلص قاعدته السياسية الخاصة. لقد جذب ازدراء عدد من الأحزاب التي كانت لا تزال على استعداد فحص امكانية التعاون معه في الأسبوع الماضي. لقد جعل نفسه أكثر عرضة للإتهامات بأنه يفتقر إلى أي عامود فقري ويلتوي بسهولة تحت الضغط. وإلى حد كبير، قام بمصادرة كل ما تبقى من مصداقيته في المجتمع الدولي.

لن تعيد العواقب هذه سلالة نتنياهو من شارع بلفور من تلقاء نفسها – ولن تغير مسار السياسات أو السياسة الإسرائيلية. تتطلب تغييرات كهذه العمل على ثلاثة مستويات. الأول، والأكثر وضوحا، ينطوي على ترقيع ائتلاف قوى ديمقراطية مصممة على وقف الاتجاهات الوحشية المثيرة للقلق والتي تخيم بشكل متزايد على البلاد. الشخصيات الرئيسية في مجال تحالف كهذا تضم رجال شجعان من (الليكود) مثل بيني بيغن، جدعون ساعر، دان مريدور، ميخائيل إيتان، سيلفان شالوم، والآن موشيه يعالون؛ يائير لبيد وأتباعه في حزب (يش عتيد)؛ تسيبي ليفني وغيرها من قائمتها من أعضاء (الإتحاد الصهيوني)؛ الشخصيات الرئيسية في حزب (العمل) سابقا وحاليا (بما في ذلك شمعون بيريز وايهود باراك)؛ وبالطبع، حزب (ميرتس) والقائمة (العربية المشتركة). فهم يتمتعون بدعم كبير في المجتمع المدني المتنوع في إسرائيل.

هذه المجموعات – على الرغم من الإختلافات الشاسعة بينها – تشترك في بغضها الهائل للإدارة الحالية وقلقها العميق إزاء انهيار الديمقراطية في إسرائيل وكل ما تعنيه لمتانتها. في وسعهم، وخاصة إذا نجحوا في إقناع أعضاء الحلقة الأضعف في التحالف الناشئ – حزب (كولانو) بقيادة موشيه كحلون- للقفز من على متن السفينة، لقلب هيمنة نتنياهو. لكن الأهم من ذلك، يمكنهم التأكيد من جديد على قواعد اللعبة الديمقراطية وتجديد شرعية الإختلاف كمحرك رئيسي لحيوية إسرائيل المستمرة.

فمن الأسهل إشعال حركة من أجل التغيير من توفير بديل سياسي قابل للتطبيق، ولمستوى أكثر تعقيدا من العمل. في هذه اللحظة، حزب (العمل) في حالة فوضى تامة وينتظر اختيار زعيم جديد / قديم؛ حزب (يش عتيد) آخذ بالإرتفاع في استطلاعات الرأي، ولكن سياساته غامضة؛ والعناصر الساخطة في (الليكود) ما زال عليها توحيد صفوفها. قد يكون هذا هو الوقت المناسب لإعادة ترتيب رئيسي للخريطة السياسية الحزبية. لكن مثل هذه الخطوة تتطلب أكثر من مجرد اتفاق على تدمير الدورة الحالية. فهي تتطلب بعض التوافق في الآراء بشأن القضايا الإجتماعية والإقتصادية والسياسية الموضوعية فضلا عن التوجهات المستقبلية. في الأشهر المقبلة، من الآمن المخاطرة بذلك بقدر ما من التركيز الذي سيوضع في هذه الجهود (على الرغم انه من غير المرجح رؤية تحول كلي للانقسامات السياسية الكبرى).

لهذا السبب، مستوى ثالث من النشاط يتطلب اهتماما خاصا في هذه المرحلة، مثل ذلك الذي قد يخاطب مصدرا أساسيا للإنقسامات الجارية في المجتمع الإسرائيلي: استمرار حكم إسرائيل على الفلسطينيين رغما عنهم. في أقل من أسبوعين، سوف يجتمع وزراء خارجية أساسيين في باريس لإستكشاف إمكانيات إحياء العملية الإسرائيلية-الفلسطينية النائمة – والتي من المحتمل أن تكون ضمن إطار إقليمي جديد. هناك وفي غيرها من المحافل التي تم الإجتماع فيها في الآونة الأخيرة وراء الكواليس، سيتم بحث أساليب جديدة لمعالجة تسوية دائمة (معظمهم من خلال اتفاق حل دولتين متجدد، على أساس إقليمي). تستعد إدارة أوباما لوضع معايير واضحة في هذا الإتجاه قبل نهاية ولايتها.

جهد دولي كبير لتسوية النزاع – الذي تسلل الآن عميقا في قلب المجتمع الإسرائيلي، ويؤثر سلبا على قدرتها على البقاء – على وشك أن يبدأ. نجاح هذه المبادرات ليست مجرد مسألة لما حدث في الآونة الأخيرة من قبل ما يطلق عليه (وبشكل خاطئ) اسم “اليسار الراديكالي”. إنه في نهاية المطاف، الإهتمام الزائد لكل شخص يشعر بالقلق إزاء ما يجري في إسرائيل وفي الشرق الأوسط. التقدم على هذه الجبهة، إلى جانب صحوة القوى الديمقراطية في الداخل، يمكن أن يغير المعلمات السياسية الحالية وأن يقدم آفاق جديدة والتي سوف تجعل تلك التغيرات السياسية اللازمة لوضع إسرائيل مرة أخرى على مسار الإدماج المحلي والتسامح وتجعلها آمنة في موقفها في المنطقة.

وهكذا، بدلا من الوقوع في جولة أخرى من العجز الجماعي، قد تقدم أحدث الإضطرابات السياسية محفزا لازما من شأنه حث الإسرائيليين لإطلاق تجديد سياسي طال انتظاره. ثباتهم والتزامهم وإيمانهم في الإرتباط الذي لا يتجزأ بين استقامة وسلامة المجتمع، لا زال من الممكن أن يحول التراجع والإنهيار النهائي.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.