الشتاء عندنا قارس وقاسي، هذا العام وصلت درجات الحرارة 45 تحت الصفر، الثلوج ترسم لوحات جميلة وهي تعتلي الأشجار وتغلف فروعها وتغطي المنازل والمباني، أما الثلج في الشوارع فهو مُرعب فيما يُسببه من كوارث للمُشاه وحوادث للسيارات، ناهيك عن الشمس التي تحجب وجهها الجميل وأشعتها الدافئة عن الناس فيصابون بالأمراض بسبب نقص فيتاين دي، هذا الجو الرمادي يصيب الناس بالإكتئاب، فيجتمعون مع بعضهم في الغالب خارج المنازل، يتسامرون ويأكلون ويشربون لكي يخرجوا من حالة الكآبة بسبب هذا الطقس القاسي.

في إحدى هذه اللقاءات، طرح أحدهُم سؤالًا على الحاضرين؛ ما الذي تُفضله الغِنى أم البركة؟

إنفجر الحاضرين في الضحك وكأن الرجُل جاء بنكته أخرجتهم من جو الكآبة وأجسادهم امتلأت بحرارة ضحكاتهم، وبدأ كل منهم يلقي بتعليقاته اللطيفة.

يا أخ إنت ما سمعتش أن الفلوس تُنعش النفوس، طبعا الفلوس ياعم، خلي الواحد يتحين وجيوبه تمتلئ بالمصاري ويحس بالدفء بدلًا من هذا الصقيع!

قُلْ لي يا أخ، البركة دى حصرفها مِن اين وفي إيه؟!
يا عَمْ روح إدي البركة بتاعتك، للنُساك والرهبان الذين تركوا العالم ويعيشون في البراري والكهوف يمكن يعرفوا يستخدموها!

ياعم بس إنت لآيمني على الأخضر والأحمر والبيتكوين وأقعد إنت أحرس البركة أحسن تطير من إيدك!

يا حبيبي معاك قرش تساوي قرش وممعاكش ما تساويش، معاك فلوس تشتري حتي النفوس، الناس تضرب لك تعظيم سلام حتي لو إنت جاهل وأغبى رجل في العالم!

طيب لو واحد فقير وغلبان وهدومه مقطعه وقالوا لك ان الراجل ده بركة حيكون رد فعلك ايه؟!
أكيد ستضحك بسخرية وتقول لو كان كذلك كان نفع نفسه ولا هو باب النجار مخلع!

طيب قل لنا مامعنى البركة وهل لها تفسير في القواميس العالمية؟!

توالت النِكات والقفشات والتعليقات مصحوبة بالضحكات العالية، مما لفت نظر رواد المحل فبدءوا يضحكون على ضحكات المجموعة وهم لا يعلمون أن هذه المجموعة تُناقش موضوعًا حيويًا جدًا في حياة الناس مهما اختلفت ثقافتهم ومواطنهم ومعتقداتهم.

رفعت أصبعي مثل تلميذ يستأذن الأستاذ في السؤال أو الجواب، نظروا إلي بتوجس وقالوا في صوت واحد عايزة توعظينا؟!

قلت لهم عندي حكاية لطيفة، أنها أسطورة ولا تنتمي إلي الحقيقة إلا في مغزاها، قالوا ما فيش مانع نسمع ولكن عُض قلبي ولا تَعُض جيبي وقهقهوا!

رجل صياد سمك فقير، جلس يصطاد والفِكر رِكِب دِماغُة بسبب حالة الفقر المُدقع الذي يعيشه هو وأسرته.
كان يتمنى أنهُ يكون عنده أسطول صيد زي المعلم بطرس على سن ورمح اللي لما كبر في العمر والأيمان أصبح صياد نفوس. كان يتمنى أنهُ يكون عنده شبكة صيد يرميها على وش الميه يلم بيها مجموعة أسماك مختلفة الأشكال والألوان ويقعد يتفرج عليهم وهم يتصارعون على الخروج من الشبكة وياروح ما بعدك روح!
للأسف كل اللي حيلته صنارة بسيطة أحيانا تكفي لإطعام الأسرة فقط وليس هناك فائض للبيع ولكن أهه مستورة والحمد لله.

فجأة ظهر للصياد ملاك، إنزعج وخاف، خير اللهُم إجعلُه خير، الملاك قال له؛ ماتخافش أنا ملاك جاي أعطيك هدية تأخذ الفلوس ولا البركة؟

يا حضرة الملاك أنا شرقان على الفلوس، أنا على الحديدة والحياة ضنك، مُش قادر أكفي المصاريف، البحر أحيانًا يُجود وأحيانًا لا، والبطون الجوعانة أأكلهم ايه، عندي ولد عنده المرض الخبيث في العظم، بيصرخ ليل ونهار والعلاج غالي حتي دواء التسكين مش قادر أشتريه، والبت مش قادر أجهزها علشان تتستر وتبقى في ظل راجل، والولية عندها سكر من حزنها على حالنا، قلبي بيبكي وهي الدموع حتحِل مشاكل، اكيد الفلوس هي الحل!

الملاك قال له؛ ما تزعلش خذ هذه صرة فيها 100 جنية مِن الذهب وذَهب.

الصياد افتكر انهُ بيحلم، ما صدقش عينيه وودانه ولكن الصرة مازالت في ايده، قام على عجلة يلم الصنارة ويلبس البرطوش في رجله علشان يروح، الصرة وقعت في الميه، زعل ومشى حزين وقال؛ هوه كده المنحوس منحوس ولو علقوا على بابه فانوس!

في اليوم الثاني في نفس المكان، ظهر له الملاك، وليسه الصياد حيحكي له علي اللي حصل بالأمس، قال له؛ ماتزعلش خذ هذه صرة ثانية فيها 100 جنية مِن الذهب وذَهب.

الصياد حضن الصُرة وترك الصنارة والبرطوش على الشاطئ وجري على بيته وقال؛ أنا سأخبئ الفلوس في مكان أمين لغاية ما نفكر حنعمل ايه بالفلوس وأخفى الصرة في جوال الدقيق، ودخل ينام، وشوية خبطت جارتهم، قالت جاء لي ضيوف وعايزه أعمل لهم فطير، زوجة الصياد أعطتها الجوال وشوية الراجل صحي من النوم وعرف ذلك، وضع وجهه في الحائط وبكي حظه.

قال يارب الملآك ما يجيش ولكن الملاك جاء وأعطاه الصرة الثالثة وذهب، قال سأدعو الجيران والأحباب ونعمل عزومة، فأشترى لحمة، وفجأة لمحه نسر خطف اللحمة ومعاها صرة الفلوس وطار، ظل الصياد يصرخ ويبكي ويحدف الطير بالطوب لكنه ارتفع عاليًا.

في اليوم التالي جاء الملاك وابتسم للصياد وقال له؛ مازلت تريد الفلوس؟!
قال له؛ لا أجرب البركة في هذة المرة، ضحك الملاك وتركه، الصياد استغرب أن الملاك لم يعطه شيئًا في هذه المرة.

في اليوم التالي ذهب يصطاد، فعلقت الصرة الأولي في الصنارة، وذهب الي المنزل وإذ بالجارة رجعت جوال الدقيق لم تسخدم الدقيق، قام يفتش فيه فوجد الصرة الثانية، قال اشكرك يارب، ثم تشاور مع زوجته لعمل حفلة ليدعو فيها الأحباء والأصدقاء، اشتري اللحم ومستلزمات الحفل، أمسك بالفأس وقطع فرع شجرة لعمل الشواء، وإذ الفرع كان به عش النسر فوجد الصرة الثالثة، فرح و قال؛ فعلًا بركة الرب تغني ولا يزيد معها تعب.

في الواقع لا نستطيع المُقارنه أو المُفاضلة بين الغنى والبركة لعدة أسباب:

الغنى شئ مادي ملموس يمكن تقديره بالمقاييس المادية، أما البركة فهي شئ معنوي لا يمكن تقديرها بالمقاييس المادية.
الغنى ضروري في حياة الناس لكي تستمر الحياة فهم يريدون أن يدفعوا الفواتير وشراء مايلزمهم للبقاء في الحياة.
البركة ضرورية ويقدرها الذين يؤمنون بها فقط وقد يلمسها الشخص الذي عنده بركة وقد يلمسها الآخرون.
الغنى له مكان في القواميس العالمية أما البركة فليس لها مكان في القواميس العالمية.
الغنى ظاهر أما البركة فهي مخفية.
العالم في كل مكان يلهثون وراء المال فيتطاحنون ويقتلون بعضهم البعض حتى أقرب الناس إليهم.
الغنى نأخذه من العالم ومن الرب أيضًا ويكون ظاهرًا ويلمسه الآخرون.
البركة تُعطى للشخص من يد الرب فقط ولذا تقول كلمة الرب؛ بركة الرب تغنى ولا يزيد معها تعب.
قد يكون الشخص عنده مال وأيضًا بركة، ولكن ربما لا يعلمها الشخص نفسه.

نُصلي أن يُعطيكم الرب حسب سؤل قلوبكم، فالرب يقول؛ للآن لم تطلبوا شيئًا، فهو يريد ان يُعطينا ما نسأل أو نطلب، وأيضًا يكون ذلك على حسب مشيئته.
الرب يُبارككُم ويباركني.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.