نجد -وبعد قراءة البيان الأمريكي- الروسي المتلازم وقمة “أصدقاء سوريا”—أن الجانب الأمريكي (أي إدارة أوباما في أشهرها الأخيرة) يودّ من أوروبا تشديد العقوبات الاقتصادية على روسيا (في حال لم يكن هناك “حلحلة” روسية على الجبهة الأوكرانية). وعلينا، كمحلّلي سياسات، أن نبسّط للقارئ بعضاً من المسائل المعقدة، كأن نسأل هنا: وهل تشديد العقوبات الاقتصادية على روسيا سيكون ناجعاً أصلاً؟

سأُبرز هنا النتائج الهامة لأثر وفعالية العقوبات الاقتصادية لأكثر من مائة حالة تعمّقتُ فيها. وقد يحلو لخبراء القانون الدولي ولطلبة العلاقات الدولية اعتبار العقوبات الاقتصادية المحك الرئيس لردع سلوكيات الدول، دون معرفةٍ مسبقة عن أثرها الحقيقي، المُثبَت تاريخياً وبيانياً.

غالباً ما تفرض الدول، وبالتحديد القوى العظمى، عقوباتٍ اقتصادية، حتى وإن كانت احتمالية فرض أيّ تغيير في سياسة البلد المستهدَف ضئيلة؛ فغالباً ما يرى قادة العالم أن بدائل العقوبات الاقتصادية الأكثر وضوحاً غير مُرضية، فالتحرّك العسكري شديد المخاطر، والاحتجاج الدبلوماسي شديد الضّعف. إلا أن هذا لا يعني أن العقوبات الاقتصادية عديمة التكلفة. وبالإضافة إلى إظهار تصميم البلدان على فرض العقوبات الاقتصادية، قد يرغب السياسيون كذلك في اتخاذ موقفٍ ملائم أمام ناخبيهم المحليين؛ فمن الواضح تماماً، على سبيل المثال، أن العقوبات الأمريكية-الأوروبية-البريطانية ضد جنوب أفريقيا، وكذلك العقوبات الأمريكية-الأوروبية-اليابانية ضد الصين (في أعقاب مجزرة ساحة تينانمين) صُمّمت من حيث الأساس من أجل تهدئة الناخبين المحليين، وإبراز موقفٍ أخلاقي وتاريخي، وإرسال تحذيرٍ إلى المُنتهِكين المستقبليين للقانون الدولي.

يحاول البلد المُرسِل للعقوبات (أعني بتعبير “المُرسِل” البلدَ الذي يقوم بفرضها) إنزالَ تكاليفٍ بحقّ هدفها (أي البلد المُستهدَف منها)، وذلك من خلال طريقتين (أو مزيج منهما): العقوبات التجارية التي تحدّ من صادرات البلد المستهدَف أو تقييد وارداته؛ أو العقوبات المالية التي تعيق التمويل (بما في ذلك تقليص المنح والمساعدات).

ويتطلب الحُكم على فعالية العقوبات تصنيف الأهداف المختلفة المرجوّة، وتحليل نوع ونطاق العقوبة المختارة، ومن ثم تحديد الأثر الاقتصادي والسياسي على البلد المستهدَف. وفي حال كان لدى الحكومات التي تفرض عقوباتٍ أهداف متناقضة، فإن ذلك سيضعف العقوبات، ويجعلها عديمة الفائدة في النهاية. وفي هذه الحالات، فإن البلد أو مجموعة البلدان التي تفرض العقوبات لن تقوم بإرسال إشاراتٍ واضحة، ولن تمارس الكثير من الضغط على البلد المستهدَف. وعليه، فقد تفشل السياسة، وليس الأداة (العقوبات). عموماً، وبالاستناد إلى تحليل أكثر من مائة حالة من العقوبات الاقتصادية (إبتداءً من الحرب العالمية الأولى، ومروراً بالحظر المفروض على العراق من قبل الأمم المتحدة عام 1990)، تنزع العقوبات الاقتصادية إلى أن تكون ذات فعالية كبيرة (أي في تعديل سلوك البلد المستهدَف)، وفقاً للشروط التالية:

• عندما يكون الهدف من العقوبة بسيطاً نسبياً (مثل إطلاق سراح معتقلٍ سياسي).
• عندما يكون البلد المستهدَف أصغرَ بكثير، وأضعفَ اقتصادياً، من البلد الذي يفرض العقوبات، وأن يكون غيرَ مستقرّ سياسياً (كان متوسط اقتصاد البلدان المرسِلة للعقوبات في الحالات التي تمت دراستها أكبر بــــ187 مرة من متوسط اقتصاد البلدان المستهدَفة).
• عندما يكون المرسِل والمستهدَف يحتفظان بعلاقات وديّة تجاه بعضهما البعض، ويمارسان نشاطاً تجارياً متبادلاً وملحوظاً.
• عندما يتم فرضَ العقوبات بصورةٍ عاجلةٍ وحاسمةٍ لمضاعفة أثرها (كان متوسط التكلفة بالنسبة للبلد المستهدَف، كنسبةٍ من الناتج القومي الإجمالي، في حالات نجاح العقوبات، 2.4%، مقابل 1.0% في حالات الفشل؛ في الوقت الذي استمرت فيه العقوبات بمتوسط مدّة يبلغ حوالي 3 سنوات في حالات النجاح؛ مقابل 8 سنوات في حالات الفشل).
• عندما يتجنّب الطرف المرسِل التكلفة العالية لأثر العقوبات من تلقاء ذاته.

يتضح من النتائج الهامة أعلاه بأنه من النادر تحقيق عقوباتٍ اقتصاديةٍ فعّالة (أي من حيث فرض تغييرٍ جذري في سياسة البلد المستهدَف). ومع أن العقوبات الاقتصادية شكّلت أدواتٍ فعالة نسبياً للسياسة الدولية في العقدين الأوّلين اللذين تبعا الحرب العالمية الثانية، إلا أنها حققت أهدافها المعلنة لمجرّد نصف الحالات تقريباً. كما أن تطور الاقتصاد العالمي قد ضيّق من الظروف التي يمكن من خلالها تطبيق النفوذ الاقتصادي أحادي الجانب بصورةٍ فعالة. أما بالنسبة للعقوبات متعددة الأطراف، فيمثل ازدياد الاعتماد الاقتصادي المتبادَل سيفاً ذا حدّين: فهو يزيد من القوة الكامنة للعقوبات الاقتصادية (لأن البلدان تعتمد بصورةٍ متنامية على التجارة والتدفقات المالية الدولية)، ولكنها تعني أيضاً مصادرَ تزويدٍ أوسع، ووصولاً أكبر للأسواق؛ وبالتالي، فإن احتمالية وجود عددٍ أكبر من الدول المحايدة قد تقوّض من الأثر الاقتصادي لمسعى العقوبات ومراميها.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.