كثيراً مانسمعهم يقولون: ياهلا بالطَّش والرَّش، عند الترحيب بلقاء شخصٍ ما، ويظنُّ كثيرون أنَّ هاتين الكلمتين عاميَّتان، وهما ليستا كذلك، بل هما عربيَّتان صحيحتان كما في المعاجم اللغويَّة، وهما متلازمتان في الاستعمال اللغويّ:
1). فـ(الطَّشّ// ط ش ش) كما في المعاجم: المطر، والمطر الضعيف خاصة
2). و(الرّشّ// ر ش ش): أوَّل المطر ويكون خفيفاً، وهما في الأصلّ اسما صوتٍ لبدْء نزول المطر، فهكذا يكون صوت المطر عند نزوله على الأرض.
ثم استعملوا الكلمتين للترحيب بالشخص مجازاً، أو للفرح بقدومه؛ لأنَّ الناس يفرحون بالمطر ويتفاءلون بنزوله، فصاروا يستعملونهما للترحيب بالضيف أو الزائر، مجازاً أو تشبيهاً لمن يحبونه، بالمطر الذي هو الطش والرش الحقيقيَّان.
قال في الصحاح: الطَشُّ والطَشيشُ: المطر الضعيف، وهو فوقَ الرذاذِ. قال رؤبة: وَلا جَدا وَبْلِكَ بالطَشيشِ *** وقد طَشَتِ السماءُ وأطَشَّتْ. وأرض مَطْشوشَةٌ.
وفي اللسان:
والطُّشَّةُ داءٌ يُصِيب الناس كالزُّكام، قال وفي حديث بعضهم في الخَزَاة(1) يَشْرَبُها أَكايس الصِّبْيانِ (أبناء علية القوم) للطُّشَّةِ. قال ابن سيده: أَرى ذلك لأَنَّ أُنوفَهم تَطِشّ من هذا الداء، وقال: حكاه الهروي في الغربين عن ابن قتيبة. وفي التهذيب الطُّشَاشُ داءُ من الأَدْواء يقال طُشَّ فهو مَطشُوشٌ كأَنه زُكِم قال والمعروف فيه طُشِئَ، قلت فما بال المعاجم الطبية المتداولة قد عميت عن هذا المصطلح الفصيح؟
لمَ لا يسمون الزكام الجاف زكاما؟؟؟ والزكام المترافق مع سيلان الأنف طشّا ً أو طُشة أو طُشْئا ً؟؟؟!!!
قلت: وفي البادية الشامية عموما وحوران خصوصا ً، يقولون لمن يكون ترتيبه الأخير( الطشّ) أو (الطشَّــة)، فاذا ما كان عدد طلاب الفصل الدراسي عشرين مثلا، فإنَّ الطالب العشرين( الأخير) لا يقال له الأخير بل يُسمَّى الطشة، ولربَّ متسائل عن وجه المشاكلة بين (الطش// المطر الضعيف) و( الطشة/ ذي الترتيب الأخير) و(الطشة/ الزكام المترافق مع السيلان) فأقول بتوفيق الله تعالى:
المشاكلة أنها كلها تشير إلى الضعف:
المطر الضعيف ، والطالب الضعيف ، والإنسان الضعيف من المرض.
وتقول العرب: أَرْضٌ مَطْشُوشَة ومَطْلُولَةٌ ومِنَ الرَّذاذِ مَرْذُوذَة وقالَ الأَصْمَعِيّ: لا يُقَالُ مُرَذَّةٌ ولا مَرْذُوذَةٌ ولكِنْ يُقَالُ : مُرَذٌّ عَلَيْهَا . والطَّشَاشُ مِنَ المَطَرِ كالرَّشَاشِ.
وعلى ذكر الأصمعي أذكر له هذه الحكاية التراثية ذات الطش والرش، ومن المفيد أن أبدأها بالتعريف بصاحبها أو صاحبنا الأصمعي.
الأصمعي:
هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع الباهلي (121 هـ – 216 هـ// 740 – 831 م) راوية العرب، وأحد أئمة العلم باللغة وفقهها ودلالاتها ، وهو يعدُّ من أئمة الشعر وعلماء البلدان.
كان كثير التطواف في البوادي، يقتبس علومها ويتلقى أخبارها، ويتحف بها الخلفاء، فيكافأ عليها بالعطايا الوافرة. أخباره كثيرة جداً. وكان الرشيد يسميه (شيطان الشعر). قال الأخفش: ما رأينا أحداً أعلم بالشعر من الأصمعي. وقال أبو الطيب اللغوي: كان أتقن القوم للغة، وأعلمهم بالشعر، وأحضرهم حفظاً. وكان الأصمعي يقول: أحفظ عشرة آلاف أرجوزة. وللمستشرق الألماني “وليم أهلورد” كتاب سماه (الأصمعيات/ط) جمع فيه بعض القصائد التي تفرّد الأصمعي بروايتها. تصانيفه كثيرة، منها (الإبل-ط)، و(الأضداد-ط)، و(خلق الإنسان-ط)، و(المترادف-خ)، و(الفرق-ط) أي الفرق بين أسماء الأعضاء من الإنسان والحيوان.
قال: حماد بن إسحاق: سمعت أبي يقول: ما رأيت أحداً قط أعلم بالشعر من الأصمعي، ولا أحفظ لجيده، ولا أحضر جواباً منه، ولو قلت إنه لم يك مثله أحد، ما خفت كذبـــا.
وقد نقل أبو العيناء حديث كيسان، فقال: قال خلف الأحمر: ويلك الزم الأصمعيَّ ودعْ أبا عبيدة ، فإنه أفرس الرجلين بالشعر. وقال الأخفش: لم أدرك أحداً أعلم بالشعر من خلف الأحمر والأصمعي، وقال الرياشي فسألته أيهما أعلم؟ قال: الأصمعي، قلت لمَ؟ قال: لأنه كان أعلم بالنحو.
وقال إسحاق الموصلي: لم أرَ كالأصمعي يدعي شيئاً من العلم، فيكون أحداً أعلم منه. كما قال ابن الأعرابي: شهدت الأصمعي وقد أنشأ نحواً من مائتي بيت، ما فيها بيت عرفناه. ويقول ابن الأنباري: الأصمعي يد غراء في اللغة لا يعرف فيها مثله، وفي كثرة الرواية، وفعلاً كان غزير الرواية وكأنه ينضح من بحر.
وقال أبو الطيب اللغوي: كان أتقن القوم للغة وأعلمهم بالشعر، وكذلك ذكَــر السيوطي: وكان من أعلم الناس في فنه. ويذكر ابن المرزباني: وكان الأصمعي من أروى الناس للرجز، أما الأزهري فقال: وكان الأصمعي أذكى من أبي عبيدة وأحفظ للغريب منه، وكان أبو عبيدة أكثر رواية منه.
وأنا العبد الفقير لله تعالى، قد تتبعتُ الأصمعيَّ في كثير من رواياته فوجدت فيها الهزيل الهش، والغريب العجيب من القصص التي لا يمكن تصديقها بحال، بدءاً من قصيدة( صوت صفير البلبل) التي أشبعت الناس ضحكا ً وهي هزلية وسخيفة اللغة ولا يصدق أحد من البشر وذوي الحجا أنها من صناعة الأصمعي، فتأكدت أن كثيرا ما القصص والحكايات الهزلية والغرائب ألصِقت بهذا الرجل وهو منها بريء، نسبوا اليه ما لم يقله ولم يحدث معه، مثلما تفنن وَضّاعو الحديث بنسبة كثير منه إلى الصحابي الجليل ثعلبة، وهو بريء من هذه الأحاديث براءة الذئب من دم سيدنا يوسف عليه السلام، وبراءة الأصمعي من غرائب الأدب وعجائبه.
و(صوت صفير البلبل) أهزل من حكاية شيخنا الطنطاوي رحمه الله، إلا أنَّ الشيخ الطنطاوي امتلك الشجاعة الكافية لتفنيدها رغم أنه هو نفسه حكاها اذاعيّــا !
ومن غرائب الأصمعي فيما يتعلق ببحثنا هنا عن الرشِّ، قال الأصمعي:
دعاني بعض العرب الكرام الي قِرى (طعام ) فخرجت معه الي البرية فأتوا بباطية ( منسف/ صحن كبير)(2) وعليها السمن غارق فجلسنا للأكل واذا بأعرابي ينسف الارض نسفا حتي جلس من غير نداء فجعل يأكل والسمن يسيل على كراعه فقلت: لأضحكن الحاضرين عليه ، وأنشدت من عندي شعرا ً:
كأنك أثلة في ارض هش*** أتاها وابل من بعد رش
فالتفت إليَّ بعين مبحلقة وقال : الكلام انثي والجواب ذكر. وأنت:
كأنك بعرة في است كبش*** مدلاة وذاك الكبش يمشي
فقلت له : هل تعرف شيئا من الشعر أو ترويه ! فقال : كيف لا اقول الشعر وأنا أمه وأبوه ! فقلت له: ان عندي قافية تحتاج الي غطاء فقال: هات ما عندك . فغطست في بحور الأشعار فما وجدت قافيةً أصعب من الواو الساكنة المفتوحُ ما قبلها، فقلت :
قوم بنجد قد عهدناهم*** سقاهم الله من النو
قلت: نو ! ماذا فقال :
نوٌّ تلألأ في دجى ليلةٍ *** حالكـــة مظلمـة لـــوْ
فقلت له : لو ماذا؟ فقال:
لو ســار فيها فارس لانثني*** علي بســـاط الارض منطوّْ
فقلت له: منطو ماذا؟ فقال:
منطو الكشح هضيم الحشا*** كالباز ينقضُّ من الجــوّْ
فقلت له: جو ماذا؟ فقال:
جو السما والريح تعلو به*** اشتم ريح الارض فاعْـلَــو
فقلت له: فاعلو ماذا ؟! فقال:
فاعلو لما عيل من صبره*** فصار نجوى القـوم ينعَـوْ
فقلت ينعو ماذا ؟! فقال:
ينعو رجال للقنا شرعت*** كفيت ما لاقوا وما يلقوْ!
قال فعلمت انه لاشيء بعد القنا: ولكن أردت أن اثقل عليه فقلت: ويلقوا ماذا ؟! فقال:
ان كنت ما تفهم ما قلته*** فأنت عنـــدي رجلٌ بَــوْ
فقلت له البو ماذا ؟! فقال:
البو ســلخ قد حشي جلده يا ألف قرنان تقوم أو…؟
فقلت له او ماذا! فقال:
او اضرب الرأس بصوَّانةٍ*** تقول من ضربتهــا قَــوْ
فخفت ان اقول قو ماذا ؟! فيضربني بالصوَّانة على رأسي!!!.
ولا أدري أهيَ صحيحة النسب للأصمعي أم ابتدعها من بنات أفكاره ليضحك الأدباء والخلفاء، ويدلل على فقهه العميق في اللغة وجذورها واشتقاقاتها ودلالاتها، والله أعلم!
حاشية:
(1)- الخزاة أظنها من الخَزِيزُ: وهو العَوْسَجُ الذي يُجعل على رؤوس الحيطان ليمنع التَّسَلُّقَ من قبل اللصوص.
وخَزَّ الحائطَ يَخُزُّه خَزًّا: وضع عليه شوكاً لئلا يطلع عليه. وقال ابن الأَعرابي: الضَّرِيعُ العَوْسَج الرَّطْب، فإِذا جفَّ فهو عَوْسج، فإِذا زاد جُفوفه فهو الخَزِيزُ.
والخَزّ: تغريز العوسج على رؤوس الحيطان.
وفلان خَزَّ حائطه أَي وضع فيه الشوك لئلا يُتَسَلَّق من قبل اللصوص.
وعليه أقول على سبيل الظن أنَّ الخزاة زهر شوك يعمل منه شرابا يداوى به المصابون بالزكام، أو هو الخزامـى، الذي كانت تسميه العرب بالضرم؟ لست أدري، والله أعلم.
(2)- والباطِيَةُ كما جاء في اللسان(مادة: ب ط ا): إناء قيل هو معرَّب، وهو النَّاجُوذُ؛ قال الشاعر:
قَرَّبُوا عُوداً وباطِيةً، *** فَبِذا أَدْرَكْتُ حاجَتِيَهْ
وقال ابن سيده: الباطِيَةُ النَّاجُودُ؛ قال: وأَنشد أَبو حنيفة:
إنما لِقْحَتُنا باطيةٌ *** جَوْنَةٌ يَتْبَعُها بِرْزِينُها
وقال في التهذيب: الباطِيةُ من الزجاج أي كأس أو قِـدْر عظيمة تُمْلأ من الشراب وتوضع بين الشَّرْبِ يَغْـرِفُونَ منها ويَشرَبون، إذا وُضِعَ فيها القَدَحُ سَحَّتْ به ورَقَصَتْ من عِظَمِها وكثرة ما فيها من الشراب؛ وإياها أَراد حَسَّان بقوله:
بزُجاجةٍ رَقَصَتْ بما في قَعْرِها، *** رَقْص القَلُوصِ براكبٍ مُسْتَعْجِلِ

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.