عندما عقد مؤتمر مدريد عام 1994م في اسبانيا، تفاؤل البعض وتشاؤم البعض الآخر حيث كان هدف المؤتمر جمع الأطراف المتصارعة وخاصة إسرائيل و م.ت.ف على طاولة مفاوضات تحت إشراف ورعاية دولية، وفعلاً تم عقد المؤتمر وسط حملة إعلامية غير مسبوقة وتصوير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أنه قاب قوسين أو أدنى من الحل، وفي هذه الأجواء البروتوكولية والحضور الدولي تم الاتفاق على مبادئ عامة لحل الصراع، وفي تلك الفترة كان يرئس الوفد الإسرائيلي إسحق شاميير، حيث كان عضواً بارزاً في معسكر الليكود وتبوء مناصب قيادية فيه، وفي لقاء صحفي معه حول أهمية المؤتمر في حل الصراع أكد أنه أتى إلى المؤتمر ليس للتفاوض وإنما لإطالة أمد المفاوضات سواء امتدت عشر سنوات أو عشرين سنة، فالموقف الأيديولوجي لحزب الليكود من الأراضي المحتلة هي أرض إسرائيل التاريخية أي أرض الآباء والأجداد. وموقف شامير هذا كان يعكس موقف حزب الليكود الحاكم والذي تسلم السلطة في الانقلاب السياسي في إسرائيل عام 1977م،
وفي عهد الليكود نشطت حركة “غوش امونيم” الاستيطانية ونشطت الحركة الاستيطانية في جميع الأراضي المحتلة بالمزيد من فتح الطرق الالتفافيه و مصادرة الأراضي، ويتطلع حزب الليكود إلى سكان الأراضي المحتلة على أنهم مواطنون عرب يسكنون في أرض إسرائيل، وهذا المفهوم ينفي ضمنياً أية حقوق تاريخية للعرب في فلسطين، ومنذ ذلك الحين ما زال حزب الليكود مدعوماً من اليمين القومي المتطرف مسيطراً على الحياة السياسية في إسرائيل.

ما بعد مؤتمر مدريد تم توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993م، ما بين إسرائيل وم.ت.ف ومنذ ذلك الحين حتى هذه اللحظة ما زالت المفاوضات ما بين الطرفين لم تنتهي بعد، وأحياناً تعقد تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبي أحياناً أخرى أو كليهما، أو متوقفة كما يحصل الآن.

حزب الليكود برئاسة نتنياهو لم يغير من أفكاره أو مبادئه في اعتبار الأراضي المحتلة هي أرض الآباء والأجداد، بل كرس الوجود الاستيطاني بالمزيد من مصادرة الأراضي وبناء الشقق السكنية بحجة التوسع السكاني والنمو الطبيعي لسكان المستوطنات ضارباً بذلك عرض الحائط بكافة الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين، في عدم تغيير الوضع القائم.

كل احتلال في العالم له ثمن، وعبر التاريخ لا يوجد احتلال بدون مقاومة ولكن شكل المقاومة يختلف من بلد إلى آخر، إن تجربة نيلسون مانديلا تستحق الدراسة والتفحص، حول كيفية الخروج من المأزق ما بين البيض والسود، فكان للنضال السلمي مفهومه السياسي والعملي في تحديد مسار الأحداث بجنوب إفريقيا، فقد انتصر البيض على أنفسهم وتخلصوا من عبء استعمارهم للسود وبالمقابل حظي السود بالحرية والاستقلال بعد صراع دام عشرات السنوات من العنف المستمر والمتبادل. و الآن تنعم جنوب أفريقيا بالهدوء والسلام والاستقرار ولنا عبره في هذه الأرض مما حدث في جنوب أفريقيا .

الرأي العام الإسرائيلي وبكل أسف يتجه نحو اليمين وتعميق الشرخ في الصراع فبدلاً من لغة التعايش والتفاهم على هذه الأرض يدعم اتجاهات يمنية متطرفة تؤجج روح الصراع ولا تطفي جذوته، فإسرائيل رغم أنها دوله ديمقراطية إلا أن صحافتها تخضع للرقابة الحكومية. والصحافة الإسرائيلية ليس لها لغة واضحة تجاه ما يجري في المناطق المحتلة، فهي تتحدث بلغة التحريض أحياناً أو تغرق في العموميات دون التحدث عن الأسباب والمسببات.

إسرائيل كدولة ديمقراطية وحرية الرأي و التعبير مكفولة للجميع فيها، فالأحزاب الدينية والمتطرفين وجدوا ضالتهم في حرف مسار الأحداث باتجاه معتقداتهم العقائدية المتطرفة وهم متفقون في أن الأحداث التي تجري في الأراضي المحتلة يرجع سببها إلى التحريض الذي تمارسه السلطة وأجهزة إعلامها بينما الاحتلال لا يتذكرونه، فهذا الكلام مجافي للحقيقه وفيه تعميم وبعيد عن الواقع.

الشرارة الأولى انطلقت في الفترة الأخيرة من القدس والتي هي تخضع إدارياً وسياسياً وأمنياً إلى الحكومة الإسرائيلية، فسكانها رغم أنهم مواطنون إسرائيليون يتعرضون إلى ضغوطات بشتى الوسائل والأساليب. والمضايقة عليهم مستمره بهدف ترحيلهم، فسكان القدس الشرقية لهم نمط حياة وتعامل خاص بهم يختلف عن سكان القدس الغربية من قبل إسرائيل دولة و مؤسسات. بلدية القدس لا تقدم لهم خدمات بمستوى الخدمات التي تقدمها لسكانها في القدس الغربية وبنفس الوقت تفرض عليهم ضرائب مالية باهظة.

إن دخول المتدينين إلى باحات الحرم القدسي الشريف وإحراق عائلة دوابشة هي من أشعلت فتيل الأحداث في الأراضي المحتلة، ومما زاد الطين بله تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي تعليقاً على حادثة حرق عائلة دوابشة، إن إسرائيل تعرف الفاعلين لكنها لم تعتقلهم، إسرائيل كدولة محتلة تملك كل مقومات القوة، وبالمقابل ماذا يملك الفلسطينيون؟ سوى الصراخ والتوجه إلى المنابر العربية والدولية ! والتي لاتسمن ولا تغني من جوع .

فالصبي الذي يرمي الحجارة على السيارات أو الذي يحمل سكيناً أو حجراً مورست عليه ضغوطات اجتماعية وسياسية واقتصادية، فهم يعبرون أولا عن عدم رضاهم عن الواقع الاجتماعي الذي يعيشونه، فالمضايقات والاهانات والفقر وانعدام حرية الحركة لديهم تؤجج وتذكي فيهم روح العداوة والبغضاء وخاصة عندما يتطلعون إلى أقرانهم من الجيران اليهود الذين يتمتعون بكل أنواع الرفاهية، فالعنف غير مبرر سواء أكان من الجانب الإسرائيلي أو الفلسطيني، ولكن على إسرائيل أن تدرك أنها تحكم شعب آخر له ثقافته وتقاليده، فعندما تدرك إسرائيل ذلك تكون قد خطت الخطوة الأولى نحو الحل، فالعالم المتحضر اليوم يعتبر الاحتلال هو مصدر العنف فحكومات إسرائيل لا تبحث عن حلول سياسية بل تدير صراع وفق رؤية أممية.

حل الدولتين هو المخرج الوحيد

المصالحة ما بين الشعبين يجب أن تبدأ بعزل المتطرفين من كلا الجانبين، فالحاخامات الذين يدعون إلى تدمير الأقصى وطرد المسلمين من ساحات الحرم هؤلاء متطرفون قوميون، ويجب على إسرائيل أن لا تنجر وراء اتجاهاتهم الفكرية نحو الصراع القومي الديني، وعلى الشعب الإسرائيلي أن يدرك أن التحرر من السيطرة على شعب آخر هو أسهل الطرق للوصول إلى الحلول السياسية لكل مشاكل المنطقة، وفيها يكون التعايش بين الشعبين مبني على المساواة والتعامل الندي ما بين دولتين، دولة إسرائيل ودولة فلسطين.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.