في هذه الأيام، انشغلت وسائل الإعلام الإسرائيلية تماما في نفسها- أو بتعبير أدق، في سيل من المبادرات التي تهدف رسميا إلى تغيير مكانتها وتقييد استقلاليتها. مصالح إقتصادية وشخصية وسياسية وطائفية وأخرى شعبية متعددة على المحك: لدرجة أنه حتى المستهلك الأكثر لهفة في حيرة لفهم تفاصيل السياسات المقترحة، ناهيك عن تقييم الآثار المترتبة عليها. هذا بالضبط ما يسعى إليه مفوض وسائل الإعلام الإسرائيلية في نهاية المطاف، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شاغل منصب وزير الإتصالات أيضا. عن طريق زرع البلبلة في هذا المجال الناقد والخصم، سيضع نفسه في مكان يكسب فيه المزيد من السيطرة على مدى المحتوى ونبرة الخطاب العام في البلاد

في الأسبوعين الماضيين فقط، غمر الإسرائيليين داخل مجموعة كبيرة من التدابير المتعلقة بوسائل الإعلام. كان أبرزها الإفتتاح المقرر لهيئة الإذاعة الإسرائيلية التي أنشئت حديثا، والتي من المقرر أن تحل محل سلطة الإذاعة الإسرائيلية مترامية الأطراف، والتي عفا عنها الزمن منذ 1 أكتوبر. في الواقع، يترك تأخير القرار المئات من العمال في طي النسيان، ويمكنه أن يكلف ملايين الشواقل، ومن المحتمل أن يشكل خطرا إضافيا على الصحافة المهنية في البلاد.

وفي الوقت نفسه، سعى رئيس الوزراء (مجبرا على تخليص نفسه من التعامل مباشرة مع هذه المسألة من قبل النائب العام) بواسطة مساعديه السياسيين، إلى إقامة سلسلة من التغييرات في شبكة الكنيست ” قناة 99″. بالإضافة إلى وضع ضوابط جديدة تحد من انتقادات السلطة التشريعية، ومنح سلطة تنظيمية لأحد المختارين سياسيا. مع وجود خطط موضوعة للسماح بالتنافس على ملكية القناة لأي منفذ إنتاج للأنباء، مما يفتح الباب أمام احتمال شرائها من قبل حليف نتنياهو الوثيق، شاؤول الوفيتش. من خلف الكواليس، يشغل مكتب رئيس الوزراء أيضا دورا فعالا في محاولة فاشلة لتمرير مشروع قانون يحظر نشر محتويات ترويجية في الصحافة (والذي أفشل في اللحظة الأخيرة من قبل شركائه، محذرين من أن مثل هذا القانون، والذي يهدف في المقام الأول ضد عدوه الشخصي، يديعوت أحرونوت، من شأنه أن يؤثر سلبا على الدخل المكتسب من صحفهم الخاصة).

مع ذلك، إن تلك التحركات، مجرد عينة صغيرة من المكائد الرسمية في ما يمثل تحولا مترامي الأطراف في مجال وسائل الإعلام، الأمر الذي ينامي الشكوك حول حقيقة تعزيز سيطرة رئيس الوزراء المباشرة. ومن الجدير بالذكر أن (الإتفاقيات الإئتلافية تتضمن بندا يجبر جميع الشركاء لدعم نتنياهو بشأن مسائل وسائل الإعلام ). وتشمل تحت ستار من التوسع والتنوع، والعبث بتنازلات الشركات، والسماح لقناة الإرث اليهودي “قناة 20” ببث أخبار عامة، تعيين خادم سياسي، وجلب منافسين جدد دون قيود تنظيمية……

في حينه، يشمل تدخل الحكومة الحالية في الوسائل الإعلامية المطبوعة والرقمية، غزوات متزايدة على المضمون. المثال الأكثر وضوحا على ذلك، هو طلب وزيرة الثقافة ميري ريجيف بالتحقيق في بث برنامج عن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، في سياق محاضرة “جامعية على الهواء” عبر إذاعة الجيش الإسرائيلي “جالي تساهال”. الأمر الذي أدى بها إلى توبيخ مدير المحطة، يارون ديكل، الذي عينه وزير الدفاع المثبت حديثا افيغدور ليبرمان. وقد لعب وزراء الحكومة أيضا دورا رئيسيا، إلى جانب بعض من زملائهم، في الدعوة إلى تفكيك وحدة البث الجليلة – وإن كانت شاذة. وقد وضع التحالف في مجمله خطوات، لم تحدد بعد بشكل كامل، لفرض التنظيم المتزايد على وسائل الإعلام الإجتماعية – وخاصة الفيسبوك وتويتر.

في بيئة وسائل الإعلام الإسرائيلية المحتدمة، ليس من السهل دائما تحديد المصالح المتنافسة أو التمييز بين الفاعلين ودوافع المتنافسين. ولكن الإختباء المستمر في الشؤون المتعلقة بوسائل الإعلام يدل على الأهمية المتزايدة التي تعزى إلى إخضاع الصحافة في جميع أشكالها المعاصرة. عندما تكون طريقة عرض الأحداث، والصور المرتبطة بها، والمشاعر التي تثيرها في كثير من الأحيان (إن لم يكن دائما) أهم من السياسات التي جمعت بينهم، يصبح عقد مقاليد نشر المعلومات ضروري للحفاظ على السلطة، مع إسكات المعارضين وإضعاف الخصوم.

عمليا, لا يوجد اليوم أي فاصل بين الحقائق السياسية المعقدة وكيفية وصفها، دون وجود ضمانات على استقلالية وسائل الإعلام. ويمكن أن تصبح بمثابة ذراع طويلة لمن هم في السلطة من خلال عدة طرق. أولها، الصحافة (في كل أشكالها الإلكترونية والمطبوعة) لا تعرض الحقائق فحسب، بل تشمل إطارات لما هو مهم، وما يمكن أن يكون من المفيد تجاهله في هذه الحقبة من فيض المعلومات. على سبيل المثال، أي صحافي سائد مدقق في إسرائيل قد يكون مضطرا لمتابعة الأحداث وراء الخط الأخضر أو المحافظة على ما يصل إلى التاريخ حول التغييرات في الشرق الأوسط. كلما كانت مصادر المعلومات أكثر مركزية، كلما أصبحت أكثر ليونة.

ثانيا، من خلال التعليق ومقالات الرأي ووسائل الإعلام يوجه القراء والمشاهدين حول كيفية تفسير تيارات الأحداث وكيفية التفكير في العمليات الناشئة. لقد تم تكرار أفكار مماثلة في مجموعة متنوعة من الأشكال لسنوات. فهي أداة هامة من الدهاء كما للسيطرة المباشرة على الفكر، والتي لا يمكن مواجهتها إلا من خلال ضمان وجود سوق نشط ومتعدد الأفكار. وهكذا، على مدى سنوات تم تعليم الجمهور الإسرائيلي رؤية إيران كأنها التهديد الستراتيجي الأكثر أهمية، على الرغم من محاولة الخبراء عبثا للتحدث ضد عرض المخاوف الجيو استراتيجية من خلال عدسة ضيقة الأفق ومبهمة. اليوم، لقد ارتقى التحريض الى قاعدة تمثالية مماثلة، مما يغني عن الحاجة إلى استكشاف أسباب أخرى لأحدث موجة من العنف العشوائي واستكشاف سبل ملموسة للحد منها.

ثالثا، التلاعب في وسائل الإعلام من شأنه أن يعزز القدرة على نقل الصور التي تجسد مكانات داخلية ومواقف معينة. التكرار المستمر للتحفظات حول ولاء المواطنين العرب في إسرائيل في وسائل الإعلام الرسمية – مدعوما من قبل الشبكات الإجتماعية – هو مثال على ذلك (لا يزال من الصعب أن ننسى نداء نتنياهو يوم الإنتخابات لمؤيدي حزب الليكود على الخروج والتصويت حيث “يتجه العرب إلى صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة على متن حافلات ممولة من قبل منظمات يسارية”). يمتد بناء ونشر هذه الصور النمطية الآن لطالبي اللجوء، إلى منظمات حقوق الإنسان، لبعض الأحزاب السياسية، وبطريقة مؤذية للطرفين، لمختلف المجموعات العرقية في المجتمع الإسرائيلي. توثيق تلك الصور يؤثر على مدى رؤية الناس بعضهم بعضا ومشاعرهم.

وأخيرا، منذ تشكل الخطاب العام من خلال وسائل الإعلام إلى حد كبير، زاد تركيزه في أيدي عدد قليل من الناس. وأكثر من ذلك، زادت وتيرة القدرة على تشكيل خطاب عام مخصص وهادف. يتم تقديم جزء من هذه العملية من خلال اختيار وتكرار الكلمات الرئيسية ودحض أخريات، منها: ( “يهودا والسامرة” قد حلت محل “الأراضي المحتلة” أو “الضفة الغربية”؛ “المتسللين” بديلا عن “اللاجئين”، و”ارض اسرائيل” أصبحت مرادفا لـ”دولة إسرائيل”؛ و”الشعب” حالت بدل “المواطنين”). يتحقق جزء من الخطاب عن طريق ترسيم دقيق لما مسموح به وما هو غير ذلك. انتقاد الجيش الإسرائيلي لا يزال يعتبر تجاوز للحدود (ولا سيما عندما يتم من قبل جماعات الحقوق المدنية)؛ كما أيضا الإختلاف مع السياسات الرسمية، وخاصة إذا بثت في الخارج. من ناحية أخرى، تم اظهار تسامح هائل ازاء مطالب الصلاة في الحرم القدسي الشريف، أو لتهميش مسيرات المثليين في بعض المدن. من خلال امتلاك تأثير على وسائل الإعلام، من الممكن ترسيم معالم خطاب جائز، وروايات تبلغها والمضمون الذي قد تحتويه. اإابتعاد عن هذه الحدود تدعو بالضرورة للترهيب، نزع الشرعية وحتى للنبذ النشط.

وبالتالي فإن وسائل الإعلام مهمة، أكثر مما ترغب بالإعتراف تلك الغير صبورة مع تفاصيل محاولات مختلفة لتنظيمه. يعتبر هيكلها ونمط ملكيتها دليل يقين على الإنفتاح والتنوع في سوق الأفكار في أي بلد معطى. هذا هو السبب أن التدفق الحر للمعلومات والآراء هو واحدا من المعالم الأكثر أهمية للديمقراطيات القوية. والتدخل المستمر في شبكات المعلومات الإسرائيلية العاصفة والجهود الجارية للسيطرة على مخرجاتها لا يتحدى فقط المناقشة المثمرة، لكنه ايضا يمنع الإبتكار ويتناقض مع اخلاقيات إسرائيل الضرورية لوجودها وبقائها.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.