هذا الأسبوع، سيتم إحياء “اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء” في إسرائيل – كما في أجزاء أخرى في العالم – في خضم موجة هائلة من الشهادات عن مضايقات جنسية منتشرة على نطاق واسع. النسخة المحلية من ظاهرة #أنا أيضا (#غام أني) التي تجتاح البلاد مكنت الكثيرات من الكشف عن تحرش – وحتى عنف صريح – أبقينه سرا مكبوتة لسنوات. وكنظيراتهن في العالم، كانت لهن أيضا الشجاعة في فضح المعتدين، وتفصيل الانتهاكات، وذكر أسماء والسعي إلى تحقيق العدل. وقد قوبلت رواياتهن بمزيج من الاستياء والتعاطف والتضامن وعدم التصديق والسخرية وحتى الازدراء. وفي كثير من الأحيان، تم تحويل الضحايا إلى معتديات، والتنديد بهن في كل شيء بدءا من اتهامهن بتأجيج مقاومة المرأة وصولا إلى نشر الأكاذيب الخطيرة عنهن.

وسط اهتمام وسائل الإعلام المستمر والنزاعات البارزة، لم يتم فعل الكثير لضمان معاقبة المتحرشين جنسيا على النحو المطلوب وتطور إجماع جديد ضد الانتهاكات القائمة على الجندر. يمكن تحقيق ذلك فقط في حال تم منح الأصوات التي تم رفعها الآن احتجاجا وألما الأدوات لتقديم المعتدين للعدالة وأن تصبح التعهدات بالحماية من العنف القائم على الجندر قاعدة لا يمكن انتهاكها. بمقدور النساء والرجال، من خلال العمل بالتنسيق معا، ضمان أن يقوم المجتمع الإسرائيلي هذه المرة بهذا التحول الذي طال انتظاره.

لقد كان التحرش الجنسي لسنوات عدة جزءا لا يتجزأ (وجزء مظلم) من الحياة الإسرائيلية. ولفترة طويلة جدا، كان الرأي العام على استعداد للتغاضي عن الفضائح الجنسية لإبطال حروباته (أبرزهم رحبعام “غاندي” زئيفي وموشيه ديان وعيزر فايتسمان) أو مسامحة ممثلين وفنانين مشهورين (موشيه إيفغي وإيال غولان)، وأساتذة جامعات وأدباء وسياسيين (أمثال حاييم رامون وسيلفان شالوم) وضباط كبار في الجيش والشرطة (أوفير بوخاريس أو غادي ريتمان). حتى عندما انتهت المزاعم ضد العظماء والأقوياء بتوجيه لوائح اتهام (رئيس الدولة موشيه كتساف، على سبيل المثال)، لم يتم فعل الكثير – على الرغم من تمرير قانون تطلعي ضد التحرش الجنسي قبل 20 عاما تقريبا – للقضاء بشكل فعلي على الظاهرة من خلال كشف المعتدين. بالتالي، في الوقت الذي تماطل فيه الشرطة في معالجة شكاوى ضد عدد من عناصرها (5 ضباط كبار اتُهموا بالتحرش في العامين الماضيين فقط)، فلقد أمر المفوض العام بنفسه بعدم التحقيق بأي اتهامات مجهولة الهوية أيا كانت في المستقبل.

مرة تلو الأخرى، تم توبيخ النساء اللواتي قررن الخروج والتحدث عن تجاربهن، ومن قامت بتقديم شكوى تعرضت لإذلال لا مبرر له، والكثيرات ممن احتفظن بالصدمة لأنفسهن لفترة طويلة وجدن أنهم جردن من حقهن في اللجوء إلى القانون. لم يتغير الكثير بعد اعتراف 90% من النائبات في الكنيست بتعرضهن للتحرش الجنسي. ولم يتم كذلك اتخاذ خطوات عندما تم الكشف عن أن 40% من النساء الإسرائيليات بين الأعمار 16-48 كن عرضة لعنف جنسي في مكان العمل، أو عندما قام الجيش الإسرائيلي بنشر معطيات أشارت إلى أن واحدة من بين كل ست جنديات تقدمت بشكوى عن تعرضها لتحرش جنسي خلال خدمتها الإلزامية.

آخر ما تم الكشف عنه ضد الشخصيات الإعلامية ألكس غلعادي وغابي غازيت وحاييم يافين وكثيرين آخرين هي مجرد غيض من فيض. في الواقع، هم استمرارية لهذه القائمة الغنية وسيئة السمعة التي تراكمت الأسماء فيها على مدى السنين. وستظل الرسالة هي نفسها طالما أنه سيُسمح للمتحرشين بمتابعة هروبهم من دون عقاب. وعندما ينجو المعتدين من العقاب أو يتم تخفيف أحكامهم، سيواصل آخرون في طريقهم، مع العلم بأنهم سينجون بفعلتهم – أو حتى إذلال المشتكيات ضدهم خلال العملية – بدعم من القوة التي يتمتعون بها، والأعراف والتقاليد الذكورية الشوفينية المسيطرة على المناخ العام وبمباركة من المؤسسة الدينية. إن التحرش الجنسي منتشر في إسرائيل تماما كعدم القدرة في التعامل مع مظاهره.

حتى الآن لم تنجح المحاولات للتصدي للإساءات الجنسية المتفشية ليس فقط في أعلى السلم، ولكن في جميع دوائر المجتمع الإسرائيلي. الآن، مع وجود وعي كبير بصورة استثنائية وفي الوقت الذي لم تعد فيه إدعاءات الجهل قابلة للتصديق، فمن غير الممكن تجنب مواجهة هذه الآفة. الخطوة الأولى هي تشجيع الضحايا على الخروج والتحدث. في الوقت الحالي، يتم رفض الكثير من شكاوى التحرش الجنسي بسبب التقادم. تمديد فترة التقادم لعشرين عام أو أكثر ستكون بمثابة قطع شوط طويل نحو تسليط الضوء على عدد أكبر من الحوادث – حتى عندما تصبح القدرة على إثبات الإدعاءات في بعض الحالات أكثر تعقيدا.

الخطوة الثانية هي ضمان حماية أكبر لم يمتلكن الشجاعة الكافية في تقديم شكوى (بحسب معطيات نشرها مركز مساعدة ضحايا العنف الجنسي، بالكاد 13% فقط من الضحايا يقمن بتقديم شكاوى). من تقوم بذلك، تجد نفسها تحت رقابة مكثفة من قبل الشرطة والنيابة العامة. كثيرا ما يتم إعطاء هؤلاء النساء الشعور بأنهن المسؤولات عن أوضاعهن ويتم اخضاعهن لاستجواب مضاد محرج واتهامي عادة في المحاكم. بالطبع هناك حاجة لإجراء إصلاح كامل لمبنى الأنظمة المسؤولة عن تلقي شكاوى التحرش الجنسي والتحقيق فيها وللمبادئ التوجيهية التي تعمل بحسبها.

الخطوة الثالثة تتعلق بادخال تغييرات على التشريعات. في الوقت الحالي، على الرغم من أن الاعتداءات القائمة على الجندر لم تعد تتطلب أدلة داعمة، فمن الممكن استخدام الوسائل القانونية للتقليل من شأن المشتكيات والتقليل من أهمية مزاعمهن. في الأسبوع الماضي فقط أمرت المحكمة ساري غولان، وهي ضحية رئيسية في قضية اغتصاب ضد تاجر العقارات والشخصية المعروفة ألون كاستيل، بتسليم ملفاتها النفسية لمحامي الدفاع. وقامت جمعية أطباء النفس وكبير أطباء النفس في وزارة الصحة بنشر بيان مشترك اعترضا فيه على أمر المحكمة معتبرين أنه “يقوض أساس العلاج البناء”. ومن المقرر استئناف المحاكمة غدا. من دون حظر واضح على مثل هذه الطلبات في القانون، فإن النتيجة قد تثني نساء أخريات عن تقديم شكاوى. في الواقع، قد يصل ذلك مرة أخرى إلى حد إسكات النساء اللواتي يقمن بممارسة حقوقهن المكتشفه حديثا من خلال حشد الإرادة الكافية للكشف عن المعتدين عليهن.

المرحلة الرابعة بعد ذلك يجب أن تؤدي إلى مزيد من التغيير ليس فقط في قواعد الإثبات وكيفية سير الإجراءات المتعلقة بالتحرش الجنسي، ولكن أيضا في العقوبات التي تنطوي عليها. أدت العديد من الصفقات مع الإدعاء والأحكام بتأدية “خدمة مجتمعية” إلى إدامة السلوك غير اللائق وتكميم أفواه من يعانين من مضايقات. بإمكان أحكام متسقة وشديدة أن تبعث برسالة مختلفة تماما.

وأخيرا، يمكن للانفراج الحقيقي أن يحدث فقط عندما يقبل جميع الإسرائيليين، رجالا ونساء على حد سواء، بحقيقة أن التحرش الجنسي هو قضية مجتمعية تتطلب ردا جماعيا قطعيا. يستحق من كان ضحية لجرائم جنسية – من جميع الألوان والأصول ونواحي الحياة والأجناس – يستحق أن يحظى بالحماية ورؤية تهميش المعتدين عليهم. يعني ذلك تحرك أرباب العمل بسرعة في قضايا تتعلق بالتحرش في مكان العمل، وبأن تولي الجامعات اهتماما بشكاوى طلاب وأعضاء مبتدئين في الهيئة التدريسية، وبأن تتعامل الشرطة بفعالية مع التهم الموجهة ضد الرؤساء، وبأن تكافأ النساء في الجيش على التحدث ضد قادة سمحوا لأنفسهم بحريات لا توصف، وحماية الصحافيين والممثلين من مطالب بتقديم رشاوى جنسية.

إن الحديث بصورة شكلية ضد التحرش القائم على الجنس لا يلبي متطلبات الحد الأدنى إذا لم يتحمل أحد المسؤولية في ابعاد الجناة. تماما كما مكنهم المجتمع من التصرف بهذه الطريقة في الماضي، فلديه القوة والقدرة على كبحهم في المستقبل من خلال وضع وتطبيق معايير جديدة في هذا المجال. ينبغي أن يدرك كل من يخرج بنداء استغاثة بأن ندائه يأتي مع موافقة مجتمعية لمحاولة فرض عقاب على من تسبب بألمهم.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.