لنحاول أن نتذكّر بأن أحد “منجزات” فترة رئاسة “الإصلاحي” خاتمي هي ذات الفترة التي أحرز فيها برنامج الأسلحة النووية الإيراني أهمّ خطواته التنفيذية واللوجستية! وحتى الآن، لمِن الصعب ملاحظة أيّ انقسامٍ “نوويّ”، ذي مغزى، في أوساط رجال الدين الحاكمين، لا بل وبين الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني. إذن، فإن برامج التسلح والصواريخ البالستية، وحّدت، ولم تُفرّق، إيران، قيادةً وشعباً!

لقد احتاج الإيرانيون سنواتٍ طويلة لبناء منشآتهم النووية الأكثر حيوية، ضمن ظروف مثالية، وهي معروفة جداً للقاصي والدّاني: ناتانز، وأصفهان، وآراك، وطهران، وبوشهر. كما أن إيران أكبرُ بكثير من مجرّد كونها قوةً نوويةً محتمَلة: إنها بلدٌ ذو قاعدة إنتاجية عريضة، ولها تاريخٌ عريض في إخفاء وارداتها ونيّاتها في امتلاك النووي (والتي تعود إلى أيام الشاه). ومع ذلك، كان الحلّ المفضّل، أوروبياً، هو العقوبات؛ ومن ثم فكّها؛ والعرض على الإيرانيين تجارةً، واستثماراً، وطريقةً أكثر “أمناً” لحصولهم على طاقة نووية سلمية!

من الجدير ذكره بأن الفرنسيين والألمان والبريطانيين قد بدأوا أصلاً المحادثات النووية مع طهران، بعد كشف أمر المنشأة الإيرانية السرية الضخمة في ناتانز عام 2002، من قِبل مجموعة إيرانية معارضة، وهم كانوا أنفسهم (أي الأوروبيين) أقلّ معارضةً للأمريكيين في نبرتهم للإيرانيين، إبان عهد إدارة بوش الإبن؛ مما دفع إلى المفاوضات التي قادتها المجموعة الثلاثية الأوروبية، والتي تقضي بإعطاء الأوروبيين بعض المسؤولية في شؤون السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران. ومن الدقة القول بأن الأوروبيين لم يكونوا “مُهتاجين” جداً حول إيران نووية، والبعض منهم (ألمانيا وبريطانيا)، كانوا يعبّرون عن أملهم في أن تكون إدارة بوش “أوسع صدراً” و”أكثر مبادرةً” في حوافزها: كإلغاء جميع العقوبات “فوراً”، وعرض مغريات تجارية أخرى، والتحدث بصوتٍ أعلى—وبسخاءٍ أكبر—عن وضع حلّ نهائي لجميع المشاكل المتعلقة بديون إيران في عهد الشاه. أخيراً، وليس آخراً، كانت نظرة الأوروبيين بأنه يتعين على الولايات المتحدة عرض ضماناتٍ أمنية على رجال الدين (ويعني ذلك أنه كان يتعين على إدارة بوش الإبن بأن تتوقف عن استخدام أي لغة فجّة، أو محاسبية، أو مناوئة لرجال الدين؛ وأن تضمن قبول إيران في نوع من المنظمات الأمنية الإقليمية الجديدة، دون أن يؤدي ذلك، بالطبع، إلى استفزاز عرب الخليج، والوعد علناً بعدم غزو إيران)!

هنالك شيءٌ آخر ينبغي عدم إغفاله، إذ أنه حقيقة أكثر اتساقاً مع طبيعة زماننا: فإيران ذات قوميات متعددة، والفُرس (والمجموعات العرقية الصغيرة القريبة منهم لغوياً وثقافياً) لا يشكّلون سوى ما يزيد قليلاً على نصف السكان! فالكُرد في الشمال الغربي، والبلوش في الجنوب الشرقي، يكافحون لنيل استقلالهم للتخلّص من القمع الثقافي لحكامهم الفرس، ومن القمع الشيعي لمذهبهم السّني (هنالك مساجد سنية في روما، ولندن، وباريس، وتل أبيب، وواشنطن، ولكن لا يُسمَح بأيّ منها في طهران!). أفلا يستحق الكُرد والبلوش—على السواء—من الأوروبيين بعضاً من التعاطف؟!

وما هو أكثر من ذلك، هنالك أيضاً عربٌ في الجنوب الغربي من إيران، والذين كانوا يحتاجون لحماية طهران (عندما كانت إيران تحت سلطة حكام سنّة مستبدين)، ولكنهم يثورون الآن ضد الهيمنة “الفارسية”، ويرون أن وضعهم الطبيعي هو الاتحاد مع بني جلدتهم، عرب العراق، عبر الحدود مباشرةً. هؤلاء جميعاً “أقليات” يتواجدون على أطراف إيران الخارجية، ويشكّلون أقلّ من 10% من سكان إيران!

أما الأذريّون، فهم حالة مختلفة كلياً؛ فهم من الشيعة (وتاريخياً كان يسعدُهم التحالف مع الفُرس لحماية مذهبهم ضد تهديد تركيا العثمانية)، وهم الآن لم يعودوا بحاجة لحماية دينية، ويشكون، مرّ الشكوى، من القمع الفارسي للغتهم التركية المختلفة كلياً ولهويتهم الثقافية. هؤلاء ليسوا “أقلية” يمكن التنكيل بهم، ولم يستطع النظام، قبل تحديداً عقدٍ من الزمان حتى مجرد الوقوف في وجه المظاهرات الضخمة في تبريز التي تم فيها رفع لافتات تدعو إلى قيام أذربيجان مستقلة موحَّدة.

باستثناء الأذريين المستوعَبين في طهران، وأماكن أخرى في إيران ممّن يتكلمون الفارسية، والذين لا تعني الهوية المستقلة لهم سوى ذكريات عائلية أو حنين فولكلوري، هنالك على الأقل 20 مليون أذريّ غربَ إيران، لديهم إصرار متزايد على تأكيد هويتهم الوطنية، دون اللجوء إلى العنف، إن أمكن.

كل هذه “المجاميع” في إيران، والذين يزيد عددُهم عن سكان معظم الدول التي تنتمي للأمم المتحدة، ألا يستحقون من الأوروبيين الالتفات إليهم، ولو للحظة، بعد كل هذه السنوات من المباحثات النووية؟

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.