يطل علينا بين نهاية أسبوع وآخر مقدم برنامج قناة الجزيرة “الاتجاة المعاكس” الدكتور فيصل القاسم بنداءات متكررة يطالب فيها أبناء طائفة الدروز في سوريا بشكل عام وفي محافظة السويداء بشكل خاص بالتمرد ضد النظام المركزي في دمشق، واتخاذ دور أكثر فعال مع قوى المعارضة من أجل إسقاطه.

نداءات القاسم لم تسفر عن تغيير جذري في سياسة السكوت التي تبنتها الأغلبية الساحقة من أبناء الطائفة والمحافظة والتي انعكست حتى الآن من خلال استمرارية رجال الدولة والقانون في تلبية مهامهم الرسمية، في حين تبنَّت الأغلبية الساحقة احترام قوانين الدولة، وعدم المسّ بأي أذى لأيّة مجموعة في الصراع لا على أساس مذهبي ولا قومي.

القاسم من جهته يبرر موقفه هذا بناءً على مقوّمين أساسيين، يعود الأوّل منهما على تقييم لتجربة أبناء الطائفة والمحافظة في السنوات الماضية مع النظام، ويركز فيه حول ما خلفه نظام عائلة الأسد من فقر اقتصادي وهيمنة سياسية وتخلّف علمي في المناطق المزعومة، الأمر الذي أدى بالكثير من أبناء الطائفة إلى الهجرة إلى دول الخليج وجنوب أمريكا، في حين –وبكلماته- بقيت السويداء ” بيت للعُجَّز وغير القادرين على السفر”.

أما المقوم الثاني فهو مبني على تحليل شخصي وتوقعات حول تصرف النظام في سناريوهات مستقبلية وتوقعاته بأن النظام المركزي في دمشق سوف يتخلى عن دروز سوريا وأهل السويداء في حال ضاقت به الأمور ووصل إلى مرحلة العجز في تقديم حماية المناطق البعيدة للعاصمة، أو بعبارة أوضح: تلك المناطق غير المأهولة بالأقلية العلوية.

ليس لدي الكثير من المبرارت لاتخاذ موقف يناهض القاسم فيما لولا نقطة الانطلاق بيننا كانت واحدة، ولكن هنالك اختلاف جذري بيننا حول نقطة الانطلاق الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على كيفية شرح نفس المقومات أعلاه وتقيم أبعادهم على مصير المجموعة. ففي حين يضع القاسم نصب عينه تغيير النظام المركزي في دمشق كهدف أسمى، الأمر الذي يحث على تقديم كل التضحيات من أجله، أرى أنا أنّ حفاظ المجموعة على البقاء كأقلية ثقافية-دينية هو الهدف الأسمى وفوق جميع الاعتبارات.

نقطة الانطلاق الأخيرة والمبنية على مبدأ “حفظ البقاء” لا تشكك في مصداقية ادعاءات معارضين للنظام حول تقصير النظام المركزي من تقديم الكفاية للمواطنين السوريين بشكل عام وللمناطق الدرزية بشكل خاص في الماضي، وتأثير ذلك على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الحالي في هذه المناطق، ولكن مبرارت من هذا القبيل تكاد تتجمد حين يكون الحديث عن خطر داهم أمام مجموعات إرهابية متطرفة تهدد كيان المجموعة وتكفر وجودها بل تحلل ذبحها أيضاً.

نقطة الانطلاق المبنية على مبدأ “حفظ البقاء” لا تتجاهل إمكانية تخلي النظام عن أبناء الطائفة في المستقبل وفي حالة فقد السيطرة، ولكنها تقيم الاستراتيجية المناسبة بناء على الإمكانيات المتاحة لا لأنها غير مطلعة على سناريوهات مختلفة. من بين الأسئلة التي يجب الإجابة عليها قبل تخلي أبناء هذه الأقلية عن النظام المركزي في دمشق هو حول نوعية القوى العسكرية التي ستدعمهم؟ وهوية القوى العظمى التي سترسل قواتها؟ وكيفية وصول الإمدادات الاقتصادية والمعونات لهذه المناطق؟

بناء على ما ذكر يصبح واضحاً بأن تقييم الوضع لما حدث في الماضي وما سيحدث في المستقبل يأخذ طابعاً مختلفاً إذا كانت نقطة الانطلاق هي “المحافظة على البقاء” ، لأنه بالرغم من القهر اتجاه تصرفات النظام في الماضي، فإنه أرحم من سيناريوهات القوى المعارضة الحالية وقوى التكفير. وبالرغم من ضعفه كحليف أمين يبقى الحليف الأضمن والأكثر موالاة من غيرة.

ومن هذا المنطلق، تبقى سياسة السكوت التي اتّبعتها الأغلبية الساحقة من أبناء الطائفة وأبناء المحافظة هي “الاتجاة الصحيح” والأكثر نجاعة من أجل “الحفاظ على البقاء” في وطنهم وأرضهم في ظل هذه الظروف الصعبة. وعلى المدى القريب عليها أن تتجلى من خلال استمرارية تأدية الموظفين الرسميين والعاملين في سلك الدولة من أبناء الطائفة والمحافظة مهامهم اتجاه الدولة بشكل شريف، والتزام الأغلبية الساحقة بالقانون وأمن الدولة. في حين عدم التحدي بشكل فردي أو كمجموعة مذهبية بل أيضاً احترام آراء قوى معارضة يحاول جزء منها إعادة اللعبة السياسية في سوريا.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.