بالرغم من انه لم يمضى وقت طويلًا على وصوله إلى سدة الحكم بالمملكة العربية السعودية إلا أن الملك “سلمان بن عبد العزيز” قام بالعديد من الإجراءات والخطوات على الصعيدين الداخلي والخارجي التي من الواضح انها لم تكن من قبيل الصدفة لأنها تحتاج إلى وقت طويل للترتيب لها وهذا أن دل على شيء يدل على أن الملك سلمان كان لديه خطة مسبقة لحين وصوله إلى الحكم الذى كان يبدو وشيك في الفترة الأخيرة نتيجة لتدهور صحة الملك الراحل ” عبدالله بن عبدالعزيز” التي شهدت الفترة الأخيرة من حكمه أحداثا مهمة كانت السعودية فيها لاعب أساسي.

وبالنسبة لتلك الإجراءات المتعلقة بالشأن الداخلي في المملكة فهي ليس موضوع حديثنا في هذا السياق وأن كان لا يمكن التقليل منه أو تجاهله لأن شكل الحكم الداخلي والشخصيات القائمة على أمره يساهم بشكل كبير في رسم السياسية الخارجية، وأن كان هذا أمر لا يعول عليه كثيراً في حالة الدول التي تدار بحكم الفرد الغير مبنى على الانتخابات والديمقراطية مثل المملكة العربية السعودية.

ففي الفترة الأخيرة من عهد الملك الراحل ” عبدالله بن عبد العزيز” صار تمدد جماعة الإخوان المسلمين ووصولها إلى الحكم في عدة دول عربية بعد ثورات الربيع العربي مثل تونس ومصر يمثل مصدر كبير للقلق ليس فقط للسعودية ولكن لأغلب حكام الخليج الذين يخشون على عروشهم كثيرا من تمتد هذه الثورات إلى بلدانهم التي تنعم بعائدات النفط وفى ظل حالة الانقسام التي تشهدها دول مجلس التعاون الخليجي مع قطر التي كانت ومازالت داعم أساسي لجماعة الإخوان وعلاقة قطر مع تركيا- أردوغان المنتمي لجماعة الإخوان والحالم بعودة الخلافة ( الاسلامية/ العثمانية) باستخدام جماعة الإخوان في المنطقة .
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى في ظل التمدد الإيراني/ الشيعي فوق مساحات واسعة من العالم العربي في (العراق، سوريا، لبنان، البحرين ومؤخرا في اليمن) مع السيطرة الغير متوقعة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش ” على مساحات لا يستهان بها ايضاُ صار الوضع في منتهى التعقيد بالنسبة للرياض مما دفع العاهل السعودي الراحل ” عبدالله بن عبد العزيز” إلى دعم السلطة العسكرية في مصر متمثلة في المجلس العسكري بقيادة الجنرال السيسي آنذاك للإطاحة بنظام الإخوان في صيف العام 2013 وكانت العلاقات بين البلدين تسير على ما يرام كما كان يبدو ولكن ثمة تغيرات شديدة حدثت في الموقف السعودي تجاه مصر صارت واضحة للجميع بعد وصول الملك سلمان إلى سدة الحكم وبعد التطورات الأخيرة في اليمن بسيطرة الحوثيين على سير الأمور هناك ودعم إيران المباشر لهم ورفضهم لقبول دعوة التفاوض في الرياض .

وبعد التقارب الحادث في المفاوضات بين إيران والغرب بخصوص برنامجها النووي بدأ الملك الجديد في البحث عن تكوين تحالف سنى لمواجهة المد الشيعي المتمثل في إيران، وبالبحث في المنطقة سنجد أن الدول السنية التي تمتلك جيوش فاعلة هي مصر وتركيا و لكن كيف لذلك أن يحدث بالرغم من الخلافات المصرية – التركية في ظل وجود نظام الإخوان على رأس السلطة في انقرة ورفقائهم من قيادات الإخوان في مصر في السجون وصادر ضد بعضهم أحكام بالإعدام في أكثر من قضية وهنا وضعت أنقرة شروطها لقبول مثل هذا التحالف متمثلا في محاولة السعودية الضغط على النظام المصري التعديل من وضع جماعة الإخوان المسلمين التي هي طبق للقانون المصري والسعودي ايضا جماعة إرهابية وإعادة دمجها في العملية السياسية بشكل أو باخر.

وبدات حملة من قبل بعض الكتاب والصحف السعودية لتذكير مصر بفضل السعودية على مصر وبأن السعودية هي الرافعة لمصر في أزمتها الأخيرة وبدات الرياض في استخدام الضغوط المباشرة على القاهرة والتلويح بوقف المساعدات المالية واشكال الدعم الأخرى من مواد بترولية حتى تنصاع مصر لرغبات الرياض وتحقق المصالحة المنشودة ونسيت الرياض بأن لولا سقوط الإخوان في مصر لصارت جزء من الخلافة ( الإسلامية / العثمانية) بقيادة أردوغان.
ولكن من الواضح أن خوف الرياض من أن تكون جزء من( خلافة أبو بكر البغدادي خليفة الدولة الإسلامية في العراق والشام ) أو أن تصبح جزء من (الإمبراطورية الإيرانية التي تحدث عنها ” على يونسي” مستشار الرئيس الإيراني الذى قال عنها بأن عاصمتها بغداد في إشارة إلى إمبراطورية إيرانية – شيعية تمتد لتلتهم أراضي دول الخليج الفارسي أكبر من خوفها من أن تكون جزء من خلافة أردوغان).

وفى ظل وضع داخلي في مصر شبه منهار اقتصادياً وامنياً وجد النظام المصري الحالي نفسه في موقف لا يحسد عليه فهو مازال يتطلع إلى مليارات السعودية والخليج التي قال عنها السيسي في أحد تسريباته “أنها زي الرز” وهو لفظ بالعامية المصرية يشير إلى كثرة الشيء لدرجة عدم القدرة على إحصائه، وتحت ضغط الوصول إلى تسوية مع جماعة الإخوان الذى سيعرض النظام الحالي إلى فقد الشرعية لدى مؤيديه، فبدأ المشهد اكثر تعقيدا وبدأت الالة الإعلامية المصرية الموجهة في الهجوم على الرياض والتأكيد على عدم التبعية لها ورأينا السيسي في خطاب رسمي في الاحتفال بأحد المناسبات الوطنية هذا الأسبوع يتطرق إلى المؤتمر الاقتصادي الذى عُقد في 13-15 من شهر مارس في شرم الشيخ والذى كان يطمع فيه بمساندة السعودية في التأثير على المستثمرين الأجانب لتوجيه بعض استثماراتهم إلى مصر .

سمعنا السيسي يتحدث قبلها بعدة أيام عن مطالبة المصريين بتحمل الأوضاع الحالية وأن يعتمد المصريين على انفسهم حتى لو وصل الأمر إلى أن يمتنعوا عن الطعام والشراب ، ووجه الشكر إلى الدول التي وقفت بجوار مصر في ظروفها الصعبة ذاكر دولة الأمارات دون الإشارة إلى السعودية على عكس ما كان يحدث أبان فترة الملك الراحل ” عبدالله بن عبد العزيز”، وبدأ الإعلام المقرب من النظام المصري الحديث عن فكرة لما لا يمكن فتح قنوات من الاتصال والتعاون مع طهران مقارنة بعلاقة القاهرة مع تل أبيب حتى وأن كان ذلك ضد رغبة السعودية رداَ على التحالف السعودي- التركي ومحاولات فرض الإرادة السعودية على مصر، (وبالرغم من مشاركة السعودية بعد ذلك في المؤتمر الاقتصادي ومساهمتها ب 4 مليارات دولار ما بين ودائع واستثمارات إلا هذا لا يعنى أن الأمور عادت بين البلدين على ما يرام) .

ومن الواضح أن ذلك بدأ بالفعل فبعد الاعلان عن المصالحة بين مصر وحركة حماس بواسطة حركة الجهاد الإسلامية المقربة من طهران، هذا غير استضافة القاهرة لوفد من الحوثيين مطلع الشهر الجاري، والتحركات المصرية على الصعيد السوري في محاولة لخلق فرص للمصالحة يكون النظام السوري جزء منها .
وفى الختام أود ان أذكر بأن السعودية على مر علاقته بمصر وهى تحاول السيطرة على مصر وازاحتها من المشهد، ولكن هل ستقدر مصر الحفاظ على ما تبقى لها من دورها الإقليمي ومحاولة استعادة ما فقد منه بالرغم من كل المشكلات التي تواجها في ظل علاقة غير مستقرة مع الغرب وشبه منعدمة فعلياَ مع الولايات المتحدة؟؟.
والسؤال الاخر إلى الرياض والجالسين فيها هل اذا نجحتوا في الوصول إلى قيادة المنطقة ستقدرون على قياداتها أم ستكون تلك هي نهاية المنطقة ونهايتكم؟؟.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.