من السائد في إقليمنا العربي الإصرارُ على تشكيلِ مجالس حكماء، ولجان خبراء، ودوائر مستشارين نافذي البصيرة (وكأن وقائع الحاضر أو حقائق الماضي حُبلى بالكمال!)، ممّن سيأتون إلينا بمهمّاتٍ خارقة، فوق بشرية، ويضعون مستقبلَ “الأمة” ضمن غياهب عبقريتهم التي عزّ مثيلها في التاريخ. ومع ذلك، لا زلنا نتسائل: هل من الصحيح أن الخراب الاقتصادي والاجتماعي، والذي طرأ على الشعوب العربية، ما هو إلا من نسج خيالهم الواسع، ومعرفتهم العلمية اللامحدودة؟

لنا هنا في هذا ملاذٌ أخير قد يشير إلى استحالة كمالهم، وهو الوصف الدقيق الذي قدمه للبشرية، وببساطة متناهية، السير إدموند ويتاكر، الفيزيائي وعالم الرياضيات، باعتبار الحالة أعلاه: المبدأ الواهِن. ومع كل هذا، وبسبب إرضائها للغرور الإنساني لدى معشر خبرائنا وحكمائنا، فإن الحالة إياها لا تزال تُستخدَم على الدوام، وحتى من قِبل صناع القرار (والذين يعرف أغلبهم بأنها حالة مبنية على خيال واهن، وليست سليماً إطلاقاً). ومع أن القليل من أمثالنا (ممن يعملون على تحليل السياسات العامة والقرارات السيادية والاقتصادية)، لا يزال يقول إن الأسلوب السيادي والحكومي أعلاه سيؤدي، في كثير من الجوانب الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إلى نتائج غير مرحّب بها، إلا أن السائد في عالمنا العربي، هو الاعتقاد بأن لجيش الحكماء والخبراء قدراتٍ لامتناهية، رافضين الاعتراف، أو حتى، كأضعف الإيمان، الإدراك، بأن هنالك حدوداً لا يمكنهم تحقيقها بعبقريتهم الفذّة. ومع كل هذا وذاك، فإن نتيجة السماح لأنفسنا بأن نُخدَع بالمبدأ الواهن، كان دوماً مردّها القيود المفروضة على الفرد العربي في معظم مجالات الحياة، واستحالة تمكينه من استغلال كامل قواه.

من اللافت أن وجهة نظر محبّي خطط الخبراء والحكماء، هي أن المؤسسات الإنسانية، والاقتصادية، والسياسية، قد أُنشئت لهدفٍ ما، وأنه يتوجب علينا دائماً إعادة تصميم المجتمع، بحيث تصبح جميع أفعالنا مميزة كلياً، وبأهداف معروفة مسبقاً؛ وبأننا، بالمحصلة، مَدينون لهم بنجاعة المؤسسات، وإلى تصميمها المسبَق، وأن مثل هذا التصميم، وحده، قد جعلها مفيدة لأهدافنا. ذلكم هو بعينه الزيفُ الباطل الذي نعيشه؛ وجهة نظر متجذرة أصلاً في قابلية محفورة، وبالعمق، في العقل العربي الذي يفسّر جميع مظاهر الترتيب، والانتظام، والتشبيه الأنثروبولوجي للإنسان بالله، كنتيجة لتصميمِ وعقلِ مفكّرين عظام؛ في الوقت الذي كان فيه الفرد في عالم الغرب قد قطع شوطاً بعيداً في تحرير نفسه من هذا الاعتقاد السطحي، لا بل وتجاوزه تجاوزاً تاماً، مما جعله يرفض القبول بأي شيء كحقيقة تامة، مسلّم بها، ولا بالأفعال والتدابير (حكوميةً كانت أم مجتمعية)، إن لم يمكن التدليل عليها بحقائق قابلة للقياس والتشكيك، في آن معاً. وبالتالي، فإن كل ما حققه الإنسان الغربي من نجاحات، لهو نتاج من تفكيره العقلي، لا من عبقرية حكمائه أو مخطّطي حياته، ولم تتبلور أصلاً بسببهم.

إن التوجه التصميمي لدى حكمائنا وخبرائنا يؤدي إلى استنتاجاتٍ خاطئة؛ فالعبقرية التامة، في الفكر والفعل، تستدعي معرفةً تامة لجميع الحقائق ذات العلاقة. وما يجب أن يعيه معشر الخبراء هو أن يحفظوا في عقولهم، النيّرة، حقيقةَ وحتميةَ جهلِ الإنسان لمعظم الحقائق المعينة، التي تقرّر أفعالَ جميع أعضاء المجتمع البشري. ومع ذلك، فإن ذلك الجهل الذي لا مندوحة عنه، لمعظم المفردات والجزئيات التي تدخل في نظام المجتمع الكبير، لهو مصدرُ المشكلة الرئيسة لجميع النظم السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. فأن نتحدث عن مجتمعٍ يعرف صانع القرار فيه (أو أيّ عضوٍ من أعضاء مجالس سياساته) جلّ الحقائق المحدَّدة، هو الجهلُ بحدّ ذاته.

عندما يتفاعل الملايين من البشر، وحيث تقوم أسس الحضارة، هناك تشتّتٌ للمعرفة، على حقيقة أن كل عضو في المجتمع لا يستطيع أن يحصل إلا على جزء يسير من المعرفة المتاحة لدى الجميع، وبالتالي، فإن كلّ واحد منا يجهل معظم الحقائق التي يستند إليها عمل المجتمع. وفي المجتمعات المتقدمة، الذي يهمّها ليس مقدار المعرفة التي يستطيع الفرد اكتسابها بقدر ما هي الفائدة الأعظم التي يجنيها من المعرفة المتوفرة لدى الآخرين؛ وهو السبب وراء قدرته على انتهاج آفاق أوسع من الأهداف. والحقيقة هي أنه يمكن أن يكون، في عالم الغرب، فردٌ “متمدّن” جاهلاً جداً، بل أكثر جهلاً من كثير من الخبراء، ومع ذلك، يستفيد استفادةً عظمى من الحضارة التي يعيش في ظلالها!

إن الخطأ الدافع للتصميميين، والمخطّطين، والعباقرة بين ظهرانينا، هو ميلهم إلى إرساء وجهات نظرهم على ما نسميه “الخداع الإجمالي”، أي على وهمٍ خاطئ بأن جميع الحقائق ذات العلاقة معروفة لدى عقلٍ واحد من العقول، وأن بالإمكان، على أساس معرفة مفردات المعرفة، بناء نظام اجتماعي مرغوبٍ فيه! وفي بعض الحالات، يتم التعبير عن هذا الوهم بسطحية واضحة من قبل المتحمّسين لإقامة مجتمع يخطّط لإقامته مجلسُ حكماء أو لجنةُ خبراء، كما هي الحال عندما يحلم أحدهم بتطوير “فن التفكير المتزامن”: أي القدرة على حشد عددٍ من القضايا المترابطة في آن معاً، وجمعها في صورة واحدة بين الخصائص الكمية والنوعية لتلك الظواهر، بينما هو نفسُه غيرُ واعٍ مطلقاً لحقيقة أن هذا الحلم يترك جانباً النقطةَ المركزية التي يتطلبها أيّ جهدٍ نحو فهم أو تكوين أيّما مجتمع: ألا وهي عدم قدرتنا على جمع كل المعلومات والمعطيات التي تدخل في تكوين المجتمع في إطارٍ جامعٍ واحد.

ومع كل ما ذكر أعلاه، أعزائي القراء، فإن جميع أولئك المفتونين بالخطط الجميلة، وبعبقرية صناع القرار المعهودة، والتي تنتج عن مثل ذلك التوجّه (ربما بسبب أنه يبدو منتظماً، وأنيقاً، ومرئياً)، لا بل السواد الأعظم من أعضاء مجتمعاتنا، هم في الحقيقة ضحايا “الخداع الإجمالي”، ناسين، أو متناسين، أن تلك الخطط تدين بوضوحها الأخّاذ إلى تجاهل المخطّط نفسه لجميع الحقائق التي يجهلها هو نفسُه! وفي مسك الختام، على كلّ خبيرٍ، وحكيمٍ، ومخطّط سياسات، جاءنا من وادي عبقر، أن يدرِكَ نصيحةَ أبي نوّاس من العصر العباسي: ((فقُلْ لمَنْ يدَّعي في العِلمِ فلسفةً؛ حفِظْتَ شيئاً، وغابَتْ عنكَ أشياءُ))!

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.