ان غزة في فكرنا مجددا. بين تجديد الهجمات الصاروخية، وآخر اسطول محبط، تقرير مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بشأن حرب غزة في الصيف الماضي، الذكرى السنوية الأولى لتلك العملية هذا الأسبوع، الاحتفال بعشر سنوات للانسحاب الاسرائيلي من غزة ونشاط الدولة الاسلامية المكثف في سيناء مع تداعيات متعددة لهيمنة حماس في المنطقة، لا يمكن ان يكون ذلك مختلف.

ولكن ما لم يتم استغلال الانشغال الحالي مع غزة لنلقي نظرة فاحصة على نهج اسرائيل تجاه معضلة غزة، سيكشف الوضع ليكون نفسه – أو أسوأ. بعد سنوات من تكرار والقيام بنفس الأخطاء، على إسرائيل الآن مراجعة سياساتها أو تجهيز نفسها عبثا لتكرار التصرفات والاجراءات الماضية ودفع ثمن أكبر من قبل جميع الأطراف المعنية.

لقد تم التخطيط للانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من غزة عام 2005 لهلتخلص من مهمة الحفاظ على السيطرة على احد أكثر المناطق فقرا واكتظاظا في العالم عن طريق تحويل هذا ليكون عبئا على الفلسطينيين. الانسحاب، مع ذلك، لم يكن كاملا. واصلت إسرائيل السيطرة على جميع نقاط الوصول الى قطاع غزة. لم يتم إجراء أية ترتيبات لنقل السلطة، مما خلق فراغا سياسيا بحيث ملأته حماس على وجه السرعة – بحيث تم تأكيد هيمنتها ستة أشهر بعد فوزها الساحق في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في يناير 2006. كان الهدف من الحصار اللاحق على غزة والذي فرضته السلطات الإسرائيلية هو خلق موجة شعبية ضد النظام الأصولي. فإنه في نفس الوقت حافظ على الانقسام بين غزة والضفة الغربية وإدامة الأسطورة أن السلطة الفلسطينية غير قادرة على الإشراف على الأحداث في أراضيها المتشعبة، ولا يمكن اعتبارها شريك تفاوضي حيوي.

في ما أصبح بسرعة نبوءة شخصية, قلصت حماس اي معارضة داخلية بينما تدهورت الأوضاع الاقتصادية بسرعة. أمطر مناضليها الاهانات على إسرائيل وعلى حكومة محمود عباس بشكل مشابه، بينما عملوا على بناء قدراتها العسكرية بمساعدة من أسيادهم السوريون والإيرانيون. عندما اشتدت الهجمات الصاروخية على إسرائيل، بدأ رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت عملية “الرصاص المصبوب” في أواخر عام 2008. اخفض هذا الهجوم مؤقتا قدرات حماس العسكرية، ولكن – من خلال عدم تقديم أي بديل – لم يفعل شيئا لتقويض الدعم الشعبي. اثار تشديد الحصار براعات محلية (وأبرزها بناء الانفاق)، إلى جانب تزايد المحن الدولية بسبب الأزمة الإنسانية المتنامية اكثر من أي وقت مضى.

جولتين أخريتان، في عام 2012 (“عملية التصعيد على غزة”) و في 2014 (“الجرف الصامد”)، أديتا لفترات قصيرة لاحقة من الهدوء بين المواجهات بين مجموعات مسلحة وغير محددة. لا تزال أقسام غزة مدمرة تماما، لم يتحسن أمن المدنيين الإسرائيليين على الحدود مع قطاع غزة، وبقي كل من السكان مصدومين. شيء ما في تعامل إسرائيل بشؤون غزة بالتأكيد خاطئ.

إعادة تقييم شاملة للوعود التي وجهت كل حكومة إسرائيلية بشأن غزة خلال العقد الماضي قد نفيت منذ مدة. في المقام الأول، الافتراض أن عزل قطاع غزة من شأنه أن يؤدي إلى انتفاضة شعبية ضد حكام حماس فيها قد أثبت بطلانه مرارا وتكرارا. في الواقع، إن التضامن الذي أحدثته الضحية عززت التماهي مع المنظمة المتطرفة ضد عدوها الإسرائيلي المشترك. ثانيا، الفكرة ذات الصلة بأن زرع قوة متفوقة من شأنها أن تخلق خرقا بين نشطاء حماس اثبتت فشلها. استمرار معاناة قطاعات كبيرة من السكان أدت إلى خلق قاسم مشترك، بحيث بعيدا عن التخفيف من استخدام القوة، قد عزز العلاقة بين الضعف الشديد واللجوء الى العنف.

ثالثا، الفكرة أن حماس يمكن أن تكون مهمشة دون تعزيز العناصر العلمانية للحركة الوطنية الفلسطينية (وخاصة حركة فتح) قد حصن حكم حماس في غزة (وربما في الضفة الغربية أيضا) بشكل غير مباشر، مما أدى إلى تفاقم الخلاف بين الفصائل المختلفة. في الواقع، مع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن رؤية إسرائيل ذات البعد الواحد لحماس حالها من استباق التهديدات الاكثر تطرفا التي يشكلها الجهاديون والسلفيون، ومؤخرا، ممثلين محليين للدولة الاسلامية.

أخيرا، ونتيجة لذلك، لقد ضاقت الخيارات الإسرائيلية. ان وضعنا التبجح جانبا، إنه يجعل من غير المنطقي تماما استعادة قطاع غزة: الثمن الانساني والمعنوي والدولي – والدفاعي على حدة – يخضع حماس لتكلفة عسكرية باهظة. ادى الخنق المصري الإسرائيلي المتزايد على غزة إلى تفاقم ما يعتبر بلا شك مأساة إنسانية هائلة. ومن الواضح أن الوقت قد حان لاستكشاف خيارات أقل قسرا وربما أكثر بناءة بكثير.

بالفعل هناك قدرا كبيرا من الحركة في هذا الاتجاه. وقد تم بالفعل كتب الكثير عن مبادرة ألمانية بوساطة مدعومة من قطر وتركيا، بشأن وقف إطلاق نار محتمل على المدى الطويل. هناك تقارير حول مناقشات مستمرة في القدس والقاهرة في الأشهر الأخيرة. وقد أعرب كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي علنا ​​عن دعمهم لنهج أكثر واقعية إتجاه غزة (الجنرال سامي ترجمان، رئيس القيادة الجنوبية، إلى جانب رئيس الاستخبارات العسكرية، الجنرال هيرزي هاليفي). وزير التربية والتعليم نفتالي بينيت، في انحراف حاد عن تصريحات سابقة، قد دعم علنا نشاط اسرائيلي لإعادة إعمار غزة. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء، مع إلحاح من جهاز الأمن العام، قاوم مثل هذه الخطوة، هناك دلائل تشير إلى أنه تم فتح الباب لإعادة النظر في ذلك.

سياسة إسرائيلية جديدة تجاه غزة، في تناقض صارخ مع النهج الماضي، يجب أن تبنى على اساس إعادة تأهيل المدنيين. يجب أن يكون محورها إزالة الحصار عن غزة، في افضل الاحتمالات ان يتم انفاذ ذلك من خلال إنشاء ميناء عائم باشراف دولي والذي سيمكن الحركة المباشرة للأشخاص والبضائع من وإلى القطاع (تقول بعض التقارير انه سيكون أول ميناء تحت رقابة الناتو).

تشمل الخطوات الأخرى إعادة إعمار الأحياء التي دمرت خلال أحدث العمليات الإسرائيلية (وخاصة خلال عملية “الجرف الصامد”) من خلال مدخلات إسرائيلية مباشرة وتشجيع استثمارات خارجية. تنفيذ خطط استيطانية جديدة تعد لتقديم بعض الأعمال لمقيمين قليلي الدخل من قطاع غزة. مقاربة أخرى للتعامل مع البطالة الساحقة (واليأس الذي يتماشى معها) هي استكشاف إمكانية تجديد فرص العمل داخل إسرائيل (تشكل في حد ذاتها عائقا أمام المقاومة العنيفة).

التحول إلى مثل هذا النهج يغذي آفاق التنمية وتوسيع آفاق لا تعتمد على معونات حماس من جهة واحدة ولا على الترويج للعنف من جهة أخرى. انه يقدم بديلا للدورة الجارية من النوبات المسلحة ويقدم حوافز كبيرة للحفاظ على القانون والنظام. على الرغم من أنه قد لا يقضي على حكم حماس، لديه ميزة إضافية تتمثل في تهميش السلطة، وربما وضع الأساس لإعادة التأهيل السياسي للبنية التحتية المؤسسية الفلسطينية الحرجة للغاية لترسيخ الحكم اليوم وقدرات الدولة في المستقبل. قبل كل شيء، استراتيجية منقحة قد تفعل أكثر بكثير لأمن إسرائيل (والفلسطينيين) من الإصرار العنيد على استمرار استخدام القوة والتي حتى الآن لم تسفر الا عن المزيد والمزيد من الدمار للطرفان.

الآن هو الوقت الملائم لكسر دوامة العنف والدمار والتطرف التي ميزت العلاقات بين اسرائيل وقطاع غزة. عن طريق تغيير المعالم لاستراتيجية إسرائيل في غزة وإدخال متغيرات جديدة، قد يكون من الممكن الشروع في الاتجاه الجديد الذي، من خلال اخراج الفلسطينيين من سكان غزة من سيطرة ميؤوس منها، قد تقوم بتوفير وسيلة لتخليص جميع الضليعين من براثن ما أصبح مستنقع غزة الاخذ بالتعمق.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.