جاريَ العزيز،
كيفَ بإمكاننا إذاً أن نُنهي دوّامةَ التجاهُلِ تِلكْ ؟
مما لا شكّ فيهِ بأنّ الحدودَ والمستوطناتِ وقضيّة القدس جميعُها قضايا شائكة لا بدّ من ايجادٍ حلّ لها ، إلا أنهُ من الضروريّ جداً أن نُدركَ بأن هذهِ القضايا هيَ مُجرّدُ تبعاتٍ ملموسةٍ لقضايا أخرى غير مَلموسةٍ تُحرّكُ هذا الصراع ، بدايةً بالمخاوفِ اليهوديّة المُتواصِلة ، مروراً بصراعِ اليهودِ المُستمرّ من أجل البقاء وإثباتِ حقّهِم في الوجود ، وصولاً إلى ذاكرتِنا التاريخية وشرعيّة روايتِنا وقصِصنا الوطنية كأمةٍ يهوديّة. إنّه لمنَ الضروريّ أيضاً أن نُدركَ بأن جميع التنازُلاتِ والصّيغ السياسيّةِ والخطوطِ العشوائيّةِ على الخرائط لن تتمكّنَ من طمأنةِ مخاوفِ الشعوبِ أو إزالةِ هواجِسِها أيّاً كانَت تلك الصيغُ والتنازُلاتُ والخرائط. وعدا عن هذا كلّه ،يتوجّبُ علينا أن نعترفَ ونُقِرّ بحقيقةِ الأسبابِ والتجاربِ التي تجعلُ من حلّ الدولتين حلّاً مؤلِماً لكلا الشعبينِ الإسرائيليّ والفلسطينيّ على حدٍ سواء.

ولأكونَ صريحاً معَك يا جاريَ العزيز ، فإنّني أحلمُ بذلكَ اليوم الذي ننجحُ فيه باقتِسامِ الأرضِ فيما بيننا، إلّا أنّني وفي خضمّ تلكَ الحاجةِ والرغبةِ لتحقيقِ حلّ الدولتين ، فإنني أشعرُ وكأنّ قلبي يتمزّقُ كلّما تذكّرتُ بأنّ أرضَنا الحبيبة التي بالكادِ تظهرُ على الخارطة سيتمُ تَقطيعُها وتجزئتُها إلى دولَتين، تلكَ القطعةُ الصغيرةُ من الأرض التي تمتدّ من نهرِ الأردن إلى البحر الأبيض المتوسّط بما فيها دولةُ إسرائيلُ والضفة الغربية وقطاع غزة والتي بالكاد تبلغُ مساحتها 11,000 ميلاً مربّعاً.

إنني لا أخفي عليكَ يا جاريَ العزيزُ حالة البأس الشديد التي ستحلّ بُنا جراء ذلكَ الألمِ العميقِ الذي سنفرضهُ على أنفسِنا كأمةٍ يهوديّة نتيجةً لحلّ الدولتين ، إذ كيفَ بإمكانِنا التخلّي عن مدينةِ الخليل ؟ كيف سنَدوسَ على أحدِ أهم وأقوى المشاعرِ الدينيّة التي لطالما ربطَتنا بهذه المدينة عبر التاريخ اليهودي ؟ لقَد رضَخنا لقدَرِنا بالابتعادِ عن أرضِنا التاريخيّة وتقبّلناهُ في الماضي نظراً لما حلّ بنا من شتاتٍ ، لكن الأمر مُختلفٌ هذه المرة ، فها نحنُ نرسمُ دربَ شتاتِنا عن تلكَ الأرضِ بأيدينا وبمحضِ إرادتِنا ، بالتالي كيفَ سنتمكّنُ من تحمّلُ مرارةِ ذلك القرار الأليم هذه المرة؟

وبالطبع فإنني أتفهّمُ بأنّ تخلينا عن جزءٍ من أرضِنا التاريخيّة سيكونُ له ُ مقابل ، وهوَالوصولُ إلى دولةٍ يهوديّةٍ ذاتُ قيمٍ ديمقراطيّة في سبيلِ أن يعمّ السلامُ على هذهِ الأرض ، إلا أنني ومن ناحيةٍ عاطفية أشعرُ تجاه حلّ الدولتين بنفس الشعور الذي يراودُ المستوطنين تجاه ذلكَ الحلّ: إنّهُ شعورُ الانسانِ الذي يقومُ بِتشويهِ نفسِهِ بنفسِهِ.

من ناحيةٍ أخرى، فإنني لا أخفي تأثريَ العميقَ بحجمِ النجاحِ الذي حقّقتهُ الحركةُ الاستيطانيّة في إعادةِ إحياءِ الأماكن التي سكنتها قبائلُ يهودا والسامرة قديماً ، حيثُ يولدُ وينشأ ويترعرعُ الأبناءُ والأحفادُ في المُجتمعاتِ اليهوديّة التي تمّ إعادةُ إحيائِها في مستوطناتِ تشيلو وعوفر وبيت إيل وكريات أربع ، في الأراضي التي تحتوي على معالمِ الطفولةِ التي عاشَتها أمّتنا اليهوديّة سابِقاً ، حيثُ يرى الإسرائيليونَ الذين يقطنونَ تلكَ المستوطناتِ وجودهُم على هذه الأرض تصحيحاً لأخطاءِ التاريخِ اليهوديّ كَردٍ – حتى وإن فاتَ أوانهُ – على الغزو الرومانيّ لهذه الأرض بشكلٍ خاص، وعلى كلّ من حاولَ القضاءَ على الأمةِ اليهوديّة بشكلٍ عام. إنّ هؤلاءِ الإسرائيليين من مؤيّدي الحركة الاستيطانيّة يُثمّنونَ عالياً تواجُدَهُم على هذه الأرض كإثباتٍ على تاريخيّةِ أصولهِم المُتجذّرةِ فيها.

وخلالَ القرنِ المُنصرم ، تَعرّضَتْ آلافُ المُجتمعاتِ اليهوديّة التي عاشَت في أوروبا والعالمِ الإسلاميّ للدمار، بالتالي، هل يعقلُ أن نقومَ نحنُ اليهودُ بأنفُسِنا بعد كلّ ما حلّ بنا من دمارٍ بتدمير مُجتمعاتِنا اليهوديّةِ التي أقمناها على أرضِ إسرائيلَ ؟ تلكَ القرى والتجمّعاتِ اليهوديّة التي تغمرُها الحياةُ الطبيعيّة اليهوديّة من جديد..

ولأكونَ صريحاً معكَ يا جاريَ العزيزُ ، فإنني أتحدثُ بالنيابةِ عن نفسي فقط فيما يخصّ حلّ الدولتين ، إذ كيفَ بإمكاني أن أقنعَ عشراتِ الآلافَ من إخوتي اليهود الذي يستوطنونَ الضفّة الغربيّة بتركِ منازلِهِم ومدارسهِم ومواقعَ عملهِم في سبيلِ الوصولِ إلى هذهِ الغاية؟

في الواقع ، فقدَ حظيَ الجيلُ الذي أنتمي لهُ بامتيازٍ عظيمٍ يتمثّلُ بالعودةِ إلى الأرضِ التي لطالمَا تمنّى اليهودُ العودة إليها والسكنَ فيها طوالَ مئاتِ السنين التي أمضاها في الشتات. في الوقت نفسِهِ ، فقد حظيَ ذلكَ الجيلُ من المستوطنينَ الذين يقطنونَ في الضفة الغربيّة بامتيازٍ أعظمَ ، وهوَ العودة إلى تلالِ يهودا والسامرة ، بالتالي فإن اقتلاعَنا وطردَنا لأنفسِنا من تلك التلال والهضاب سيكونُ بمثابةِ ألمٍ تاريخيّ شديدٍ للأمةِ اليهوديّة.
كذلكَ يا جاريَ العزيز فإنني أتفهَم رفضَك وانزعاجكَ العميقَين عند سماعِكَ لكلمةِ ” إسرائيلَ ” بالتحديد، كونهُ الشعورُ نفسهُ الذي ينتابُني عندما أسمعُ كلمةَ ” فلسطين “. وخلافاً لبقيّة أخوتي اليهود ، فإنني لا أشعرُ بأيّ انزعاجٍ من رؤيةِ الخرائطِ المُعلّقةِ في صفوفِ المدارسِ وعلى جدرانِ المكاتب الفلسطينيّة والتي لا تتضمنُ أي وجودِ لكلمة إسرائيل . إنني لا أشعرُ بذلكَ الانزعاج لسببٍ بسيط ، وهوَ أن خارطتي العاطفيّة لا تحتوي على كلمةِ فلسطين ، إذ كيفَ يُفرَضُ ذلكَ الاسمُ الغريبُ على أرضي التي أعشقُها؟ إنني وبكل بساطةٍ أتعاملُ مع كلمةِ ” فلسطين” على أنّها إجحافٌ لغويّ بالنسبةِ لي ، تماماً كما يحصلُ لك عندما تستيقظُ صباح أحدِ الأيام لتجدَ بأن اسمكَ الذي تحملهُ منذ طفولتِك لم يَعُد مُلككَ بعد الآن ، وبأنّكَ مُجبرٌ على تقبّلٍ اسمٍ جديدٍ وهويةٍ غريبةٍ.

وبطبيعةِ الحال ، يحاولُ الدبلوماسيّونَ الأوروبيّونَ تحقيقَ السلامِ بيننا من خلال العديدِ من المساعي التي تبرزُ من خلالِها نواياهُم الحسنة ، إلا أنّهُم في خضمّ تلكَ المساعي عاجزونَ عن إدراكَ هذه الحقيقة المهمّة: وهيَ أنّ تقسيمَ الأرضِ ليسَ حلّاً مثالياً بقدرِ ما هوَ انتهاكٌ لطموحاتِ كلا الشعبين واستئصالٌ لقطعةٍ نفيسةٍ من الأرضِ بالنسبة لهُما، إذ كيفَ تكونُ دولةُ إسرائيلَ بدونِ الخليل؟ وكيفَ تقومُ دولةٌ فلسطينيّة بدونِ يافا؟ إنّهُ لأمرٌ من سابعِ المُستحيلات من وجهةِ نظر الجهتين ، إلا أنني من ناحيةٍ أخرى لا أرى أيّ بديلٍ معقولٍ عن اقتِسامِ الأرض فيما بيننا.

في الوقت ذاتِه ، ومهما حاولَ كلّ طرفٍ من الأطرافِ إزالةَ الطرف الآخر من الوجودِ على الخارطة فإن إسرائيل وفلسطين مُستمرّتانِ موجودتان سواءاً تقبّلنا هذه الحقيقة أم لم نتقبّلها ، فأنا وأنتَ يا جاريَ العزيزُ قد ورَثنا أرضاً هيَ في الحقيقةِ أرضان – على الأقلّ من الناحية النظرية – : ففي المساحةِ الممتدّة من البحر إلى النهر تتربّعُ إسرائيلُ وفلسطينُ ، إذ تكمنُ المأساةُ في أنّ هذين الكيانينِ يحتّلانِ نفسَ المساحة مع بعضهِما البعض. ولأكونَ واضحاً معك أكثرَ يا جاريَ العزيز ، لو قلتَ لي بأنّ حيفا هيَ ملكُ لكَ فإنني سأقول لك : إنني أتفهّم من وجهةِ نظركَ بأن حيفا هي ملكٌ لك ، لكن عليكَ أن تتفهّم من وجهةِ نظري بأنّ الخليلَ هيَ ملكٌ لي، وهُنا تكمنُ المُشكلة!

بالتالي ، واستناداً إلى الفشل الذريعِ في الوصولِ إلى اتفاقيّات سلامٍ تقودُ إلى حلّ الدولتين ، آخذينَ بعين الاعتبار الرفضَ العاطفيّ من قبلِ كلا الشعبين لهذا الحل ، فإن تبنّي حلّ الدولةِ الواحدة التي – بطريقةٍ أو بأخرى – سيحكمُها الإسرائيليّون والفلسطينيّونَ بشكلٍ مُشتركٍ قد يكونُ مُغرياً إلى حدٍ ما ، إلا أنّ أولئكَ الذين يروّجونَ لهذا الحلّ يبدونَ لي وكأنهُم يضلّلونَ غيرَهُم ويوهمونَ أنفسَهُم بذلك الحلّ. بنظري ، فإنّهُ لا يوجدُ خيارٌ أسوأ من حلّ الدولتينِ سوى حلّ الدولةِ الواحدة الذي يعني بنهايةِ المطافِ أنّ هذه الدولة ستقضي على نفسِها بنفسها.

إنّهُ لمِنَ المُستحيلِ أن يتشاركَ شعبانِ أمضيا قرابة المئة سنةٍ في قتالِ بعضهما البعض في صراعٍ وجوديّ عملاً وديّا مشتركاً داخلَ حكومةٍ واحدة ، كما أنّ الصراعَ القائمَ بيننا حاليّاً سيكونُ غيضاً من فيضِ الصراعِ الذي سينشبُ بيننا مُستقبلاً نتيجةً لتنافُسنا على وسائلِ القوّة داخل تلك الدولة ” الواحدة ” ، في حين أنّ النموذجَ اليوغسلافيّ هو خيرُ مثالٍ على عواقبِ فشل حلّ الدولة الواحدة والذي أدّى بالنهايةِ إلى تفكّكِ الدولةِ إلى قوى وأحزابَ دينيّة وعِرقيّة تحاربُ بعضها بعضاً في صراعٍ دمويّ لربّما يَكونُ أشدّ ضراوةً من الصراعِ القائم بيننا.

إنّ حلّ الدولةِ الواحدةِ باختصارٍ شديدٍ من شأنهِ أن يحوّل حياةَ كلا الشعبين وأحلامهُما إلى كابوسٍ مرعب ، كما من شأنهِ أن يحرمَ كلا الشعبينِ من أحد أهمّ مقوّمات العدالة التي يرغبُ الشعبان في الوصول إليها ، وهيَ حقّ تقرير المصيرِ ، ذلكَ الحقّ الذي يُشعرُنا بأننا نمتلكُ مُطلقَ الحريّة فوقَ أرض وطننا التي تخضعُ لسيادتِنا.

كذلكَ يا جاريَ العزيزُ فإنني أودّ أن تُدركَ وتتفهّمَ حاجتي الشديدة للعيشِ في دولةٍ يهوديّة ، لا دولةٍ لليهودِ فقط ، إنني أرغبُ في الحياةِ بدولةٍ تظهرُ في ملامحها العامة على أنّها دولةٌ ذات طابعٍ يهوديّ وثقافةٍ يهوديّة ، دولةٌ تلبّي احتياجاتِ الأمةِ اليهوديّة وتطبّقُ قيَمَها وتمارسُ تقاليدَها ، دولةٌ تجمعُ اليهودَ من الشرقِ والغربِ متوحّدينَ مع بعضهِم البعض كي يبدأوا فصلاً جديداً من فصولِ الحضارة اليهودية. إنني أحتاجُ دولةً يهوديّة على بقعةٍ من هذه الكوكبِ بحيثُ يبدأ موسمُ أعيادِها انطلاقاً من رأسِ السنةِ اليهوديّة ، فيما تشدو فيها محطّاتُ الإذاعة بالأغاني العبريّة الحديثة ، دولةٌ يُدرّسُ التاريخُ المبنيّ على التجربةِ اليهوديّة رسميّاً في مدارسِها. من ناحيةٍ أخرى ، هُناك أمرٌ في غايةِ الأهميّة يتوجّبُ عليكَ إدراكُهُ : حتّى لو تمّ تطبيقُ حلّ الدولتين فإن العربَ لن يغادروا دولةَ إٍسرائيل ، بل سيَبقى عددٌ كبير من العرب في دولتِنا كمواطنينَ إسرائيليينَ إلّا أنَهُم – بطبيعةِ الحالِ – سيظلّون أقليّة سكانيّة مُحترمةً في تلكَ الدولة اليهوديّة بشكلٍ لا يتناقضُ أبداً بين احتياجاتِ تلكَ الدولةِ ووجودِ العربِ فيها.

حقيقةً ، فقد اقتنعَ اليهودُ بنجاحهِم في إيجادِ ملاذٍ آمنٍ للشعبِ اليهوديّ في إسرائيل ، إلا أن قناعتنا تلكَ بدأت تَتَزَعزعُ بعضَ الشيء في ظلّ وجودِ آلافِ الصواريخِ الموجّهةِ إلى مراكز التجمّعات السكانيّة اليهوديّة الإسرائيليّة مؤخراً ، الأمرُ الذي جعلَنا نرى في إسرائيلَ ملاذاً آمناً لليهودِ بقدرِ كونِها ملاذاً آمناً لليهوديّة ، تلكَ الحضارة التي مضى عليها قرابة الأربعةِ آلافِ عام، فإسرائيلُ هيَ الدولةُ الوحيدةُ التي يمتلكُ فيها اليهودُ ضمانةَ عدم اندثارهِم من الوجودِ نتيجةً لصهرهِم في مجتمعٍ ذو أغلبيّة قوميّةٍ أو دينيّةٍ غيرِ يهوديّة مثلما حلّ باليهودِ في السابق.

ولأوضّح لكَ المغزى من كلاميَ يا جاري العزيزُ ، دعني أستذكرُ هذا الموقف الذي حدثَ عندما قامَ صديقٌ أمريكيّ مسلمٌ في أحدِ الأيامِ بزيارةِ إسرائيلَ متوجّهاً إلى الحائطِ الغربيّ ، ليجدَ نفسهُ مُحاطاً بحشدٍ من آلافِ المُصلّينَ اليهود ، فعلّق على زيارتهِ للحائطِ الغربيّ قائلاً : ” الآنَ فقط أدركتُ حاجةَ اليهودِ إلى دولةٍ ذات سيادةٍ يهوديّة ، فهُم يحتاجونَ دولةً تحمي حياةَ اليهود الدينيّة وتنظّمُ أمورَ حجيجِها اليهود ، تماماً كما نفعلُ نحنُ المسلمونَ في مكّة ” ، واصفاً المُصلّينَ في الحائط الغربيّ ” بالحجّاجِ اليهود “. حقيقةً ، فقَد وجدتُ في كلامِهِ هذا وُجهةَ نظرٍ إسلاميّةٍ نادراً ما أسمعُها حولَ أهميّة السيادةِ اليهوديّة على الأرض التي يعيشُ عليها اليهودُ.
ولو افترَضنا يا جاريَ العزيزُ أنكّ تملكُ مدينة يافا ، بينما أمتلكُ أنا مدينة الخليل ، فإن أمامَنا خياران اثنانِ لا ثالثَ لهُما : إما أن نقاتِلَ بعضنا بعضاً لمئة سنةٍ قادمة على أملِ أن يُهزمَ أحدُنا وينتصرَ الآخر ، أو أن نتقبّل الحلّ المطروحَ على الطاولة منذ بداياتِ هذا الصراع ، وهوَ اقتسامَ الأرض فيما بيننا. كذلكَ فإنه من الضروريّ جداً أن تُدركَ يا جاريَ العزيزُ بأنّنا لا نخونُ تاريخَنا إذا ما قبلنا بحلّ التقسيم ، بَل على العكسِ تماماً ، إن قبولنا بتقسيمِ هذهِ الأرض فيما بينَنا هو اعترافٌ وتسليمٌ من كلا الجانبين بحقيقةِ أنّ التاريخَ لم يمنحنا أي خيارٍ آخرَ سوى القبولِ بهذا الحلّ لإنهاءِ هذا الصراع.

وبالعودة قليلاً إلى الماضي ، فإنّكَ ستجدُ القادة الصهاينة الأكثر تشدّداً كديفيد بن غوريون ، والذي لا يقلّ في تشددّهِ عن التيار اليمينيّ المتشددّ في الحركة الصهيونيّة الذي يُطالبِ بسيادةٍ يهوديّة على كامل الأرض ، ستجدُ أنّه وافقَ على قرار التقسيم الذي صوّتَت عليه الأممُ المتحدة عام 1947م; حيثُ أدركَ بن غوريون بأنّ مواجهةَ الظروفَ الخاصّة التي أحاطَت بعودةِ اليهودِ إلى أرضِ إٍسرائيلَ بعد آلاف السنين من الشتات تتطلبُ شيئاً من التفهّمِ والاستعداد لتقديمِ التنازلاتِ من قبل الحركةِ الصهيونيّة ، تنازُلاتٍ قد تصِلُ إلى التفريطِ بالأرضِ التي سكنّناها وعِشنا في ربوعِها منذُ مئات السنين.
بالتالي ، كيفَ سنتمكّنُ من المضيّ قُدُماً في رسم خريطةِ كلّ دولةٍ من الدولتينِ آخذين بعين الاعتبار الأهميّة الجغرافيّة لكلٍ منطقةٍ من مناطق هذه الأرض لكلا الشعبين؟ برأيي ، ربّما تبدأ الخطوةُ الأولى بالاعترافِ بحبّنا كفلسطينيينَ وإسرائيليينَ لكاملِ تُرابِ هذه الأرض ، إلا أنّهُ يجبُ علينا أن نُتبعَ ذلك الاعترافَ بأمرٍ قاسٍ بعضَ الشيء: وهوَ التنازلُ عن ذلكَ العورِ بحبّنا لكاملِ هذهِ الأرض واستعدادَنا للقبولِ ببعضِها في سبيلِ الوصولِ إلى غايةٍ أكبَر وأسمى.

في الوقتِ ذاتِه يتوجّبُ على أيّ اتفاقيّة سلامٍ أن تُقرّ وتقبلَ بشرعيّة أولئكَ ” المتَطرّفينَ” في حبّهِم لكاملِ هذه الأرضِ مُطالبين بالسيادةِ الكاملةِ على كلّ ذرةٍ من ترابِها ، ذلكَ لأنّ المضيّ قدُماً في تلكَ الاتفاقيّاتِ يعدّ مُناقِضاً لمطالبِ هؤلاء وتطبيقاً عمليّاً مُجحفٌ بحقّ كلا الجانبينِ الفلسطينيّ والإسرائيليّ. إنّ التقسيمَ يا جاريَ العزيزُ هوَ اعترافٌ ضمنيّ بأننا سنضعُ حدوداً لأحلامِنا ، كونَ قرارَالتقسيمَ – فعلياً – لا يُمثّلُ تقسيماً للأرض فقط ، بل هو تقسيمٌ وتجزيءٌ للعدالةِ نفسِها بينَ جانبينِ محقّين كلّ الحقّ في ادعاءاتِهما بملكيّةِ هذه الأرض والوجودِ عليها.
ولنكونَ واقعيينَ أكثرَ يا جاريَ العزيز، لَن يتخلّى أيّ من الجانبين الفلسطينيّ أوالإسرائيليّ عن انتمائهِ العاطفيّ لكاملِ الأرض بعدَ تحقيقِ حلّ الدولتين ، إلّا أنّ التعبيرَ الواقعيّ عن الانتماءِ لكاملِ الأرضِ سيكونُ منقوصاً ، مواطنو دولةِ إسرائيلَ رغمِ انتمائهِم لكاملِ الأرض إلا أن تعبيرَهُم عن الانتماء للأرضِ سيقتصُر على الأرض التي ستخضعُ للسيادةِ الإسرائيليّة فقط ، وكذلكَ هوَ الحال بالنسبة لمواطني الدولة الفلسطينية والذينَ سيقتصرُ تعبيرهُم عن الانتماءِ للأرض التي ستخضعُ لسيادةِ الدولةِ الفلسطينيّة فقط ، الأمرُ الذي يعني أنّ كلّ طرفٍ من الطرفين سيمارسُ سيادتهُ الوطنيّة فعليّاً على جزءٍ من كاملِ هذه الأرض.
لذلكَ يا جاريَ العزيزُ يتوجّبُ علينا أن نُفرّقَ بين فكرةَ العدالةِ من الجانبِ النظريّ من جهة ، والتطبيقِ غير العادلِ لتلكَ الفكرة عملياً من جهةٍ أخرى ، كون هذه التفرقة تمثّلُ نتيجةٌ لاستحالةِ تلبيةِ كاملِ مطالبِ كلّ جانبٍ من الجانبين ، نظراً لأنّ تلبيةِ كاملِ المطالبِ لأي جانبٍ سيؤدي إلى دحضِ مطالبِ الجانبِ الآخر نهائيّاً. بالتالي ، فإن الإطارَ الأخلاقيّ لفكرةِ تقسيمِ الأرض بينَ الشعبين يتلخّصُ في هذه الفكرة : يجبُ على كلّ جانبٍ أن يفرضَ على نفسهِ قدَراً من “الإجحاف ” في سبيلِ حصولِ الجانبِ الآخرِ على قدرٍ من ” العدالة” .

إنني يا جاريَ العزيز أتطلّعُ بشغفٍ لرؤيةِ ذلكَ اليوم الذي نصلُ فيهِ إلى اتفاقيّة سلامٍ تلبّي طموحاتِ كلا الجانبين في السيادة على كامل أرضِ فلسطين وكامل أرض إسرائيل ، إلّا أنّ تحقيقَ السلامِ وتطبيقَ قدرٍ من العدالةِ المُجزّئةِ التي ستتضمنّها اتفاقيّة السلامِ تلك يعني بالضرورةِ تقديمَ تنازُلاتٍ مؤسفةً تُدمي أفئدةَ الجميع ; وهوَ أمرٌ بديهيّ جداً ، كونَ تمتّعَ أحدُ الجانبينِ بعدالةٍ مُطلقةٍ سيقفُ عائَقاً أمامَ تحقيقَ عدالةٍ مُطلقةٍ للجانبِ الآخر.

جاريَ العزيزُ ، لقد أمرَتني التوراة بالتزامٍ دينيّ صريح : “الْعَدْلَ الْعَدْلَ تَتَّبعُ، لِكَيْ تَحْيَا وَتَمْتَلِكَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ ” ; الأمرُ الذي دفعَ الكثيرَ من الحاخامات وأحبارَ اليهودِ للتساؤل : لماذا تكرّرَت كلمةُ العدلِ مرّتين ؟

حقيقةً ، فقَد صيغَت وتشكّلَت إجابتي على هذا السؤالِ من خلالِ تجربتي التي عِشتُها في خضمّ هذا الصراع ، وهيَ أنّ اتّباعَ العدالة في بعضِ الأحيانِ يتطلّبُ تلبيةَ المطالبِ العادلةِ لكلا الطرفين حتى لو اختصَما ، الأمرُ الذي يستوجبُ وجودَ نوعٍ من المقايضة فيما بيننا يا جاريَ العزيز ، مقايضةٌ قائمةٌ على هذا المبدأ: أفقدُ أنا مُخطّطيَ الذي يقضي بإقامةِ دولةِ إسرائيلَ العُظمى ، فيما تفقدُ أنتَ مخطّطكَ الذي يقضي بإقامةِ دولةِ فلسطينَ العُظمى . بعبارةٍ أخرى ، فإنّنّ خطّة التقسيم ستجعلُ مساحةَ أرضِنا تتلاشى بعضَ الشيء ، إذ ستقلّ مساحةُ دولةِ إسرائيلَ ومساحةُ دولةُ فلسطين أيضاً.

بنظري ، فإن تخلينا عن العدالةِ المُطلقةَ سيُخلّفُ وراءهُ عدالةُ أخرى أكثرُ إيلاماً ، إلا أنّها ورغمَ ألمِها ستكونُ ملائمةً لحدٍ ما لِكلا الجانبين ، وهيَ حقيقةٌ تُذكّرُني بما قالهُ المعلّمُ الحسيديّ مناحيم مِندِل : ” لا يوجدُ شيءٌ كاملٌ أكثر من القلبِ المُحطّم ” ، بيدَ أنّ وجهةِ نظرنا كيهودٍ تختلفُ بعضَ الشيء ; لا يوجدُ شيٌ على هذه الأرض سيُشعرُنا بمدى تحقّقُ العدالة الكاملةِ سوى إبطالُ قرار تقسيمِ الأرضِ بينَ الشعبين.

ومما لا شكّ فيه يا جاريَ العزيزُ بأن تعاملَ الفلسطينيينَ مع اليسارَ الإسرائيليّ العلمانيّ هوَ أمرٌ يسيرٌ جداً على الفلسطينيين ، نظراً لأنّ اليسار العلمانيّ غيرَ المُتديّنِ يُنكرُ الانتماءَ العاطفيّ لأرضِ يهودا والسامرة ، واصِفاً إياها “بالأراضي المُحتلّة ” ، لكن عليكَ أن تعلمَ جيّداً يا جاريَ العزيز بأنه سواءٌ في السرّاء أوالضرّاء فإنني أنا الشريكُ الذي تحتاجُهُ لإقامةِ السلام على هذه الأرض، لا اليسارَ العلمانيّ الإسرائيليّ ; تحديداً لِكوني أشعرُ بالإنتماءِ لكلّ ذرةٍ ترابٍ من ترابِ هذه الأرض وأأبى التخلّيَ عن أيّ جزءٍ منها ،أضف إلى ذلك سبباً مهمّا لكوني شريكاً موثوقاً بهِ ، وهوَ وجودُ نسبةٍ لا بأس بها منَ الرأي العامّ الإسرائيليّ تشاطُرني الشعورَ نفسهُ تجاهَ هذهِ الأرض ، إلّا أنّ أهمّ سببٍ يجعلُكَ تثقُ بي كشريكٍ للسلامِ هوَ أن وجهةَ نظري تعكسُ وجهةَ النظر الفلسطينيّة المتعلّقةَ بملكيّة هذه الأرض ، خاصةً وأن الغالبيّة العُظمى من الفلسطينيينَ الذينَ التقيتُ بهِم وتعرّفتُ عليهم يدّعونَ ملكيتهُم لكاملِ الأرضِ، لا جزءاً منها فقط. بنظري ، سوفَ يتحقّقُ السلامُ في اللحظةِ التي يتفهّمُ فيها كل جانبٍ أن الجانبَ الآخر قد قدّمَ تضحياتٍ وتنازلَ عن شيءٍ عزيزٍ عليه في سبيلِ تحقيق السلام ، الأمرُ الذي يجعلُ منّي إسرائيليّاً شريكاً حقيقيّاً لكَ على الجانبِ الآخر، شريكاً يبادِلُكَ الشعورَ نفسَهُ بالحزنِ والأسى على ما ضحّيتَ بهِ في سبيلِ قبولِكَ باقتسامِ هذهِ الأرض فيما بينَنا.

لقَد ارتكبَ اليسارُ الإسرائيليّ خطأً قاتِلاً بتخلّيهِ عن الانتماءِ العاطفيّ لأرضِ يهودا والسامرة ، أو كما أسميهِ أنا ” انسحاباً عاطفيّاً ” من تلكَ الأراضي ; الأمرُ الذي كانَت نتيجتُهُ إنكارِ حقّنا التاريخي في تلك الأراضي . وبطريقةٍ أو بأخرى ، هُناكَ جانبٌ هزليّ غيرَ منطقيّ من جوانبِ السياسةِ الإسرائيليّة ، جانبٌ يكادُ يكونُ بمثابةِ نمطٍ مُتكّرريُعيدُ نفسَه من حينٍ لآخر، وهوَ أنّ اليمينَ الإسرائيليّ ينفّذُ رؤيةَ اليسار الإسرائيليّ على أرض الواقع ! فعلى سبيلِ المثال لا الحصر ، فإن القادةَ الإسرائيليينَ الذينَ قاموا بانسحابٍ فعليّ من الأراضي التي احتُلتْ عقِبَ حربِ الأيام الستة كانوا قادة من اليمينَ الإسرائيليّ ، حيثُ انسحبَ مناحيم بيغن من صحراءِ سيناءِ عام 1982م ليكونَ بذلكَ أوّل زعيمٍ صهيونيّ يُزيلُ مستوطنةً إسرائيليّة ، كذلكَ الحال مع أرييل شارون الذي انسحبَ من غزة عام 2005 وقامَ بإخلاءِ المستوطناتِ الإسرائيليّة التي بناها بيدِه.

بالتالي يا جاريَ العزيز ، عليكَ أن تُدركَ جيّداً بأن اليسارَ الإسرائيليّ لا يستطيعُ أن يتخذَ أي قرارٍ بالقيامِ بانسحابٍ حقيقيّ من الأراضي الفلسطينيّة ; ذلكَ لأن الرأي العامّ الإسرائيليّ يثقُ باليمينِ لا باليسارِ الإسرائيليّ فيما يتعلّقُ بقضية أمنِ دولةِ إسرائيل . كذلكَ فإن الشعبَ الإسرائيليّ يرغبُ في أن يكونَ قرارُ التنازلِ عن أيّ مساحةٍ من الأرضِ نابعاً عن قناعةٍ تامّةٍ من قبل القيادة الإسرائيليّة ، حيثُ أقصدُ هُنا قيادةً إسرائيليةً تبكي بأسىً شديد على فقدانِ الأراضي التي تشكّلُ جوهرَ التاريخ اليهوديّ وبحرقةٍ شديدةٍ على أطلالِ التجمّعاتِ اليهوديّة في يهودا والسامرة ، أولئكَ همُ القادةُ الذينَ يُمكنُ الوثوقُ بهِم في خضمّ هذه الأحداثِ التي ستُدمي الأفئدةَ إذا ما تَحقّقَت يوماً ما.

إضافةً إلى ذلكَ ، عليكَ أن تُدركَ أيضاً بأنّ حلّ الدولتين واقتسامَ الأرضِ فيما بينَنا سيواجهُ عقبتين خطيرتين ، إحداهما على الجانب الإسرائيليّ والأخرى على الجانبِ الفلسطيني. فمنَ الجانبِ الإسرائيلي ، ستشكّلُ الحركةُ الإستيطانيّة اليهوديّة عائقاً هامّاً أمام حلّ الدولتين ، أما مطلبُ اللاجئينَ بالعودةِ إلى أراضيهِم في إسرائيلَ فهوَ العائقُ الذي يواجهُ حلّ الدولتين من الجانبِ الفلسطينيّ. من ناحيةٍ أخرى ، يُمكننا رؤية القاسمِ المُشتركِ : وهوَ تجاهلُ وجودِ سيادةٍ وطنيّةٍ للجانبِ الآخر على أيّ جزءٍ من هذه الأرض. فمن ناحيةٍ إسرائيليّة ، تسعى الحركةُ الإستيطانيّة إلى إغراقِ الضفة الغربيّة بالمستوطنين من أجلِ الوصولِ إلى مرحلةٍ يُصبحُ فيها الانسحابُ الإسرائيليّ من الضفة الغربيّة أمراً مُستحيلاً ، فيما إذا تمّ ربطُ عودةِ اللاجئينَ الفلسطينيينَ الذين ينحدرون من نسلِ لاجئي النكبة ، فإنّ القادة الفلسطينيينَ يسعونَ إلى إغراقِ دولةِ إسرائيل باولئكَ اللاجئين الفلسطينيين حتى تفقدَ إسرائيلَ أغلبيتها اليهوديّة ، الأمرُ الذي سيؤدي بنهايةِ المطاف إلى تلاشي ” يهوديّةِ” الدولةِ اليهوديّة.

إنني يا جاريَ العزيزُ أعارضُ وُجهةَ النظر المُتشائمةِ التي ترى أنّ الحركةَ الاستيطانيّة قد انتصرَت في الضفّة الغربية وأن الانسحابَ الإسرائيليّ من الضفةّ أصبح ضرباً من ضروبِ الخيال ، بل على العكس تماماً ، إنني أرى الانسحابَ الإسرائيليّ من الضفة الغربيّة أمراً مُمكناً وقابلاً للحدوث ; حيثُ اتّخذَت إسرائيلُ سابقاً قراراً مُماثِلاً بتفكيك المستوطناتِ الإسرائيليّة التي كانَت موجودةً في قطاع غزة. كذلكَ فإنّ مُعظمَ المستوطناتِ المُقامةِ في الضفة الغربية لا تبعُدُ كثيراً عن حدود عام 1967 ، بالتالي تتوافرُ امكانيّةٌ لقيام إسرائيلُ بضمّ تلكّ المستوطناتِ لدولةِ إسرائيلَ مقابلَ تبادلٍ للأراضي التي سيتمّ اقتطاعُها من مساحةِ دولة إسرائيلَ والتنازلُ عنها للفلسطينيينَ في المناطقِ المحاذية لحدودِ قطاع غزة والضفّةِ الغربيّة.

كذلكَ فإنّهُ يوجدُ طرحٌ آخر لحلّ مشكلةِ بعضِ المستوطناتِ وبعضِ المستوطنين الذين يستحيلُ اجتثاثُهُم من الضفة الغربيّة نظراً لتمسّكهِم الشديدِ بأرضِ يهودا والسامرة : وهوَ السماحُ لهُم بالبقاءِ في أراضٍ تخضعُ لسيادةِ الدولةِ الفلسطينيّة ومنحهِم الجنسيّة الفلسطينيّة ، إذ سيعيشُ مواطنون يهود مع المواطنينَ العربِ في دولةِ فلسطين ، تماماً كما يعيشُ المواطنونَ العربِ مع المواطنين اليهودِ في دولةِ إسرائيل. في الواقع يا جاريَ العزيز ، يُفضّلُ بعضُ المستوطنينَ العيشَ كأقليّة دينيّة وسكانيّة في الدولةِ الفلسطينيّة على أن يتمّ طردُهُم من يهودا والسامرة.

من جانبٍ آخر ، فإن الانسحابَ الإسرائيليّ من الضفةِ الغربيّة يتطلّبُ قيادةً قويّة قادرة على الإلتزامِ باتفاقيّةِ سلامٍ من جهة، وغالبيةً سكانيةً من المجتمع الإسرائيلي تدعمُ هذه الاتفاقيّة من جهة أخرى; إذ يتوجّبُ على القيادةِ الإسرائيليّةِ أن تُقنعَ تلكّ الفئة مِن المجتمع الإسرائيلي والتي لا زالت تُشكّكُ في نوايا الفلسطينيين ومدى جدّيتهِم في الإلتزام بتحقيق السلام بهذا الطرح، فيما يترتّبُ على القيادةِ الفلسطينيّة أن تساعدَ القيادة الإسرائيليّة في دحضِ تلك الشكوكِ من خلال إظهار مؤشراتٍ توحي باعترافٍ فلسطينيّ جادّ بالدولةِ اليهوديّة. ولنكونَ صريحينَ مع بعضِنا البعض، لا تتوافرُ أي من هذه الشروطِ لتطبيق تلكَ الاتفاقيّة حالياً ، إلا أننا وكما علّمتنا تجاربُ الشرق الأوسط ، فإن كل شيءٍ مُمكنٌ وقابلٌ للحدوث. بالتالي ، إن لم نستطِع الوصولَ إلى اتفاقيّة سلامٍ تلبّي طموحاتِ كلا الشعبين حاليّاً ، فإنّهُ يتوجّبُ علينا العملُ على الوصولِ إليها بشكلٍ مَرحليّ تدريجيّ.
كذلكَ فإنّ حقُّ عودةِ اللاجئينَ الفلسطينيينَ يُمثّلُ أحدَ أهمّ المُعضلاتِ في طريقِ الوصولِ إلى اتفاقيّة حلّ نهائيّ لهذا الصراع، أقصدُ عودةَ اللاجئينَ الفلسطينيين الذين ينحَدرونَ من نسل لاجئي نكبة سنة 1948 إلى أراضيهِم التي تمثّلُ أراضي دولةَ إسرائيلَ حالياً. لربّما يتبادرُ إلى ذهنِكَ سؤالٌ مُحيّرٌ يا جاريَ العزيز ، خاصةً بعد كتابتي عن الشوقِ والحنينِ لأرض الآباءِ والأجداد : هل يستطيعُ اليهود دونَ غيرهِم من الأممِ تفهّم شوقِ الشعبِ الفلسطينيّ ولَهفَة الفلسطينيينَ للعودةِ إلى أرضِ أجدادِهم التي هُجّروا منها؟ لقد أصرّ اليهودُ على العودةِ لأرضِ آبائهِم وأجدادهِم رغم ابتعادهِم عنها لآلاف السنين ، بالتالي كيفَ يُنكرُ أولئكَ اليهودُ حقّ اللاجئينَ الفلسطينيينَ في العودةِ إلى أرضهِم التي مضى على تهجيرهِم منها قرابة سبعةِ عقودٍ من الزمن؟

إنني يا جاريَ العزيزُ لا أنكرُ حقّك في العودة بأيّ شكلٍ من الأشكال ، لكنَ مشكلتي تكمنُ في الإجابةِ على هذا السؤال : العودةُ إلى أين؟ إنّ الغالبيةَ العُظمى من الإسرائيليينَ الذين يؤيّدونَ حلّ الدولتين يوافقونَ تماماً على عودةِ اللاجئينَ الفلسطينينَ إلى الأراضي التي ستخضعُ لِلسيادةِ الوطنيّةِ الفلسطينيّة مُستقبلاً، إلا أن اللاجئينَ الفلسطينيينَ يُطالِبونَ بالعودةِ إلى الأراضي التي تعتبرُ الآن جزءاً من دولةِ إسرائيل حاليّاً.

إننا يا جاريَ العزيزُ شعبانَ عاشا تجربةَ شتاتٍ طويلةٍ ومريرة تفرضُ علينا البحثَ عن سبلٍ لإنهائِها، ففي خمسينيات القرنِ المُنصرم ، أصدرَت دولةُ إسرائيلَ ” قانونَ العودة ” ; وهو قانونٌ يمنحُ الجنسيّة الإسرائيليّة تلقائيّاً لاي يهوديّ يُهاجرُ إلى إسرائيلَ قادماً من أي مكانٍ من العالم وتحتَ أيّ ظرف من الظروف ، وتبعاً لهذا القانونِ فقَد أصبحتُ مواطناً إسرائيليّاً يحملُ الجنسيّةَ الإسرائيليّة في اللحظةِ التي عدتُ فيها إلى إسرائيلَ عبر مطارِ بن غوريون وأعلنتُ نفسيَ ابناً بارّاً عائداً إلى أرضِ آبائهِ وأجدادِه. إنّ قانونَ العودةِ اليهوديّة يُشكّلُ أحدَ الأساسيّاتِ التي تقومُ عليها الدولةُ اليهوديّة ; كونهُ يُمثّلُ جانِباً هامّاً من جوانبِ المسؤولياتِ والإلتزاماتِ الأخلاقيّةِ للدولةِ اليهوديّة تجاهَ الأمّةِ اليهوديّة جمعاء ، كذلكَ فإنني على يقينٍ تامٍ بأنّ الدولةَ الفلسطينيّة القادمةَ ستُصدرُ قانوناً مُشابهاً لهذا القانونِ فورَ إقامتِها تعبيراً عن التزامِها الأخلاقيّ تجاهَ جميع اللاجئين الفلسطينيينَ في شتّى بقاعِ العالَم.

ويُصنّفُ قانونَ العودةِ إلى أرضِ إسرائيلَ على أنّهُ قانونٌ للهجرةِ ; إذ يحقّ لأي دولةٍ ذاتِ سيادةٍ أن تُصدر قوانينَ للهجرة، وهوَ بذلكَ – ومن منظورٍ واقعيّ – يختلفُ عن ” الحقّ في العودة ” الذي يتجاهلُ بشكلٍ صريحٍ سيادةَ أمةٍ محددةٍ على أرضٍ معينة من خلالِ إقحام جماعةٍ معيّنة داخلَ حدودِ تلكَ الدولةِ بهذه الطريقة.

ومما لا شكّ فيهِ بأنّ كلا الجانبين ، الإسرائيليّ والفلسطينيّ ، ينظُران باهتمامٍ بالغٍ إلى قضيّة ” العودة ” على أنَها أحدُ مقوّماتِ السيادةِ الوطنيةِ لكلا الشعبين ، فالحركةُ الاستيطانيّةُ تجسّدُ تعبيراً عن حقّ الجانبِ اليهوديّ في العودةِ إلى الأرضِ بأكملِها ، لمدينةِ الخليلِ لا لمدينة حيفا فقط ، وهوَ التجسيدُ المقابلُ لِحَقّ اللاجئينَ الفلسطينيينَ في العودةِ إلى مدينةِ حيفا ، لا لمدينةِ الخليل فقط.
بالتالي ، فإنّ مطالبةَ اللاجئينَ الفلسطينيينَ بالعودةِ إلى أراضيهِم التي تعتبرُ جزءاً من دولةِ إسرائيلَ حاليّاً تُعادِلُ مُطالبةَ الإسرائيليينَ بمواصلةِ بناءِ المستوطناتِ في الأراضي التي تعتبرُ جُزءاً من الدولةِ الفلسطينية. إنّهُ ” الحقّ ” الذي سيعملُ بلا شكٍ على تدميرَ إمكانيّاتِ الجانبِ الآخرِ من أجلِ بناءِ وطنٍ قابلٍ للحياة ، مما يعني أنّ التطبيقَ العمليّ لخطةِ تقسيمِ الأرضِ بينَ الشعبين يتطلّبُ من كلا الجانبينِ كبحَ جِماحِ مطالبهِما الشرعيّة بالحقّ في العودة لتقتَصرَ تلكَ العودةُ على الرجوعِ لبقعةِ الأرض التي يُمارسُ فيه كلُّ شعبٍ سيادتهُ الوطنية الفِعليّة على أرضِ الواقع.

جاريَ العزيز ، إن التطبيقَ العمليّ لتحقيقَ السلامِ يتطلّبُ ” تقليصاً ” مُتبادلاً على كلا الجانبين ، وما أقصدُهُ هُنا هو أن “يُقلّصَ” الجانبُ الإسرائيليّ رغبتهُ في بناءِ المستوطناتِ ، فيما ” يُقلّصُ ” الجانبُ الفلسطينيّ من رغبَتِهُ في حقّ العودة، وتلكَ هيَ التنازُلاتُ المُسبقةُ والمُتبادلةُ التي يجبُ أن تتحقّقَ من أجل الوصول إلى حلّ الدولتين ، إذ سيُحقّقُ اليهودُ حلمُ عودتهِم بالرجوعِ إلى دولةِ إسرائيلَ فقط ، لا لكاملِ الأرض ، بينما يُحقّقُ الفلسطينيون حلمَ عودتِهِم بالرجوع إلى الأرضِ الفلسطينيّة فقط ، لا لكاملِ الأرض. بالتالي فإنّ حلّ الدولتينِ قائمٌ على مقايضة حدود 1948 مقابلَ حدود 1967. بمعنىً آخر، أتنازلُ أنا عن الأراضي التي وقعَت تحت سيطرتي بعد حرب 1967 مقابلَ اعترافٍ منكَ بإسرائيلَ على حدود 1948، إضافة إلى ضماناتٍ جدّيةٍ بعدمِ نيّة أي طرفٍ من الأطراف التعدّي على سيادةِ الطرف الآخر ، لا عن طريقِ بناءِ ” المستوطناتِ ” في أراضي السيادةِ الفلسطينيّةِ ولا عن طريقِ ممارسةِ “حقّ العودة” إلى الأراضي التابعةِ للسيادةِ الإسرائيليّة.

في الواقع ، فقَد كانَ الرئيسُ الفلسطينيّ محمود عبّاس على وشكِ القيام بقفزةٍ مفاهيميّةٍ مهولةٍ في سبيل الوصول إلى حلّ الدولتين ، قفزةٍ مُفاجئةٍ لم نكُن نتوقع منهُ القيامَ بها أبداً ! ففي عام 2012 وخلال أحدِ المقابلاتِ الصحفيّة التي أجراها صحفيّ إسرائيليّ مع محمود عبّاس ، وجّهَ ذلكَ الصحفيّ سؤالاً للرئيسِ الفلسطينيّ يستفسرُ فيهِ عن ماهيّةِ الدولة الفلسطينيةِ ومفهومِها بالنسبة له ، فأجاب عبّاس قائلاً : ” فلسطين بالنسبة لي هيَ دولةٌ قائمةٌ على حدودُ 1967 وعاصمتُها القدسُ الشرقيّة ، هكذا تبدو بالنسبةِ ليَ الآن وستظلّ هكذا إلى الأبد ، هذه فلسطينُ بالنسبة لي.. صحيحٌ بأنني لاجيءٌ فلسطينيّ إلا أنني أعيشُ حاليّاً في رام الله ..” .
واصلَ الصحفيّ الإسرائيليّ طرحَ الأسئلةِ قائلاً : ” لكنّ التلفزيونَ الرسميّ لدولةِ فلسطين يتحدّثُ عن مدينة عكا والرملة ويافا – وهيَ مدنٌ داخلَ حدود 67 – على أنّها فلسطين أيضاً ” ، فأجاب عبّاس : ” إنني أؤمنُ بأنّ الضفةَ الغربيّةَ وقطاع غزة هيَ فلسطين ، أما باقي المناطقُ فهي إسرائيل.. “. تابعَ الصحفيّ الإسرائيليّ : ” وماذا بالنسبةِ لبلدةِ صفد التي تقع في شمال إسرائيل التي فرّت منها عائلتُك يا سيّد عباس سنة 1948 ؟ ” ، أجابَ عباس : ” يحقّ ليَ رؤيةُ قريةِ صفد ، لكن ليسَ من حقّي أن أسكُنَ فيها ..”.

حقيقةً ، فقد شعرتُ عقبَ سماعِ تصريحاتِ عبّاس بصدمةٍ غريبةٍ جعلَتني أستعيدُ الأملِ الذي سيُبدّدُ حالةَ الركودِ والإحباطِ التي سيطرت عليّ منذ اندلاعِ الانتفاضةِ الثانية، فها أنا أشهدُ اللحظةُ التي طالَ انتظارها ، لحظةٌ وجودِ تقدّمٍ مفاهيميٍ من الجانبِ الفلسطينيّ تجاه َحلّ الدولتين ، وها هوَ محمود عباس يُتحدّثُ بمنتهى الوضوحِ عن رغبتهِ الصريحةِ في حلّ الدولتين بأسلوبٍ خطابيّ مؤثّر ، بَل من أشد الأساليبِ تأثيراً ; كونهُ يُقحمُ جانبهُ الشخصيّ كلاجيءٍ فلسطينيّ في صياغةِ ذلكَ الحلّ ! ها أنا أخيراً أسمعُ خطاباً واضحاً يخلو من الازدواجيّة والحيلِ والألاعيب : حدود 1967 مقابلَ حدودِ 1948.

لكن في وقتٍ لاحقٍ تراجعَ الرئيسُ الفلسطينيّ محمود عباسَ عن تصريحاتهِ خلالَ خطابٍ لهُ أمامَ حشدٍ من الفلسطينيين ، حيثُ صرّحَ بأنّ ما قالهُ آنذاك ” يعكسُ وجهة نظرهِ الشخصيّة ” ، مُردفاً بأنه ” لا يحقّ لأحدٍ أياً كانَ التنازلُ عن حقّ العودة” . حقيقةً ، إنني أرى بأن جميعَ الأطرافِ مذنبةٌ وتتحملُ مسؤولية فشلَ حلّ الدولتين ، ذلكَ لأن كلّ طرفٍ يُعلن على الملأ تبنّيه لحلّ الدولتين فيما يقومُ كل جانبٍ على أرضِ الواقع بالتقدّم تجاه ذلك الحلّ بكن باتجاهٍ طريقٍ مُعاكِس ; فالحكوماتُ الإسرائيليّة المُتعاقبةُ كانَت قد أعلنَت عن تبنّيها لحلّ الدولتين نظرياً ، إلا أنّ تلكَ الحكومات لَم تُظهر حسنَ النيّةِ بكلّ ما تعنيهِ الكلمةُ من معنى فيما يتعلّق بالتزامها بذلك الحل ، وهو ما يتضّحُ جليّاً من خلالِ ما كانَت تقومُ به على أرضِ الواقع من ممارساتٍ تغذّي الحركةَ الاستيطانيّة بهدف تعزيز ودعم التوسّع الاستيطاني في الضفة وغزة. أما من الجانبِ الفلسطينيّ ، فلطالما أكّدَ الشعبُ الفلسطينيّ على رسالتِه الثابتةِ الواضحة كوضوح الشمس: وهيّ أنّ الوصولَ إلى حلّ الدولتين هو مجرّدُ تكتيكُ فلسطينيّ يهدفُ في نهايةِ المطاف للوصولِ إلى الدولةِ الفلسطينيّة الواحدة.

وعلى أيّ حال ، فقد رفضَت القيادةُ الفلسطينيّةُ كلّ خطةٍ سلامٍ كانت تُطرحُ عليها خلال العقدين المُنصرمين نتيجةً لمطالبِ القيادةِ الفلسطينيّة المُتزمّتة فيما يخصّ قضيّة عودة اللاجئينَ الفلسطينيين ; تلَكَ الشروطُ التي تعني بالنسبة ليَ كإسرائيليّ بإنهُ يتوجّبُ عليّ أن أقومَ بالانتحارِ كشرطٍ مُسبقٍ لقبولِ القيادةِ الفلسطينيةِ بأيّ خطةِ سلامٍ تُطرحُ عليها !

وها أنا أنظرُ يا جاريَ العزيزُ إلى منطقةِ عناتا ومخيّم شعفاط للاجئينَ الفلسطينيين، كونهُ واحداً من المخيّماتِ الفلسطينيّةِ التي أستطيعُ رؤيتَها من شرفةِ منزلي. والمُلفتُ للنظر في هذا المخيّمِ هو البناءُ المُتواصلُ للبيوتِ والعماراتِ السكنيّة خلافاً لما يحدثُ في مخيّماتِ اللاجئينَ الفلسطينيينَ في قطاع غزة ، تلكَ المخيّماتُ التي تمنعُ الحكومةُ الفلسطينيّة أي أعمالٍ من شأنها تحسينُ الظروفِ المعيشيّة وتطويرَ مقوّماتِ الحياةِ الأساسيّة للاجئينَ الفلسطينيينَ الذينَ يقطنونَ هذه المخيّمات ; إذ على الأقل يُسمحُ لسكّان مخيم شعفاط بالتشييد والبناء داخلَ حدودِ هذا المخيّم . إنني أرى عماراتٍ سكنيّةٍ تفوقُ في ارتفاعِها ارتفاعَ الجدار ، كما أرى حبالَ الغسيلِ المُعلّقةَ خارجِ بعض الشقق السكنية ، في حين يبدو وكاّن العديدَ من تلكَ الشققَ السكنيّةَ خاليةٌ من أيّ سكانٍ حتى الآن.

من ناحيةٍ نظريّة ، تعد تلكَ المنطقةُ جزءاً من المناطق التابعة لبلديّة القدس ; حيثُ يقومُ عمّالُ النظافةِ التابعينَ لبلديّة القدسِ بِجمع النفايات من هذه منطقة ، في حين يشعرُ رجالُ الدفاع المدني أو عمّالُ شركةِ الاتصالات بالخوف من دخول هذا المخيم أذا ما دعت الحاجةُ لوجودهِم فيه. من ناحيةٍ أخرى ، فإن منطقة عناتا لا تخضعُ لسيادةِ الحكومةِ الفلسطينيّة ; الأمرُ الذي يُشعرُ سكّان تلك المنطقة بأنّهُم يسكنونَ منطقةً هي أشبهُ بمنطقةٍ حدوديّة فاصلةِ بين دولتين ، منطقةُ تتفشّى فيها الجريمةُ وتنتشرُ فيها المخدّراتُ ، وهوَ الأمرُ نفسهُ الذي يجعلُ من سكانِ عناتا ضحايا لفشلِ التوصّلِ إلى أيّ خطةِ سلام بين الجانبين. ولكن ، ورغم المآسي التي تشهدُها منطقة عناتا ، إلّا أنّها لم تَعُد مخيّماً للاجئينَ الفلسطينيين ، فسكّانُ عناتا لن ” يعودوا” إلى أيّ مكانٍ آخر في حال قيام دولةٍ فلسطينيّة مُستقلةٍ ; كونهُم سيصبحونَ مواطنينَ من مواطني الدولةِ الفلسطينيّة القادمة.
وعلى أيّ حال ، فإنّ القيادةَ الفلسطينيّة تصرُ على وصفِ منطقةِ عناتا بأنّها مخيمٌ للاجئينَ الفلسطينيين ، فيما ينشأ جيلٌ فلسطينيّ يتلوهُ الآخر محاطاً بوهمِ العودةِ إلى أطلالِ البيوتِ الإسرائيليّة المدمّرة. من جانبٍ آخر ، فإن المُجتمعَ الدوليّ متواطيءٌ أيضاً في استمرار ” تضليل ” تلكَ الأجيال ; ففي خمسينيّاتِ القرنِ المنصرم قرّرت الأمم المتحدة إنشاءَ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ” الأونروا ” ، حيثَ كانَ هذا القرار استجابةً للتقاربِ بين مصالحِ الدول الإسلاميّةِ والمعسكر الشيوعيّ ودولِ عدم الانحياز، فيما تُموّلُ الأونروا اللاجئينَ الفلسطينيينَ في المخيّماتِ الفلسطينيّة بمنهجيّةٍ لا تفرّق بين لاجئي مخيّماتِ الضفةِ الغربية ولاجئي مخيّماتِ لبنان.

ولنكونَ صريحينَ مع بعضنا البعض يا جاريَ العزيز ، فإن الأونروا هيَ المنظمةُ الوحيدةُ المنبثقةُ عن هيئة الأممِ المتحدةِ والمُخصصةُ لخدمةِ قضيّةِ لجوءٍ واحدةٍ دون غيرها من قضايا اللجوءِ في العالم ، أضِف إلى ذلكَ أن قضيّةَ اللجوءِ الفلسطينيّ هيَ قضيّة اللجوء الوحيدةُ في العالم التي تنتقلُ فيها صفةُ اللجوءِ بالوراثة ، أي من جيلٍ لآخر ، حتى لو كان الجيلُ الأوّل من اللاجئينَ الفلسطينيينَ يسكنُ في فلسطين نفسها !

ونتيجةً لهذا ، فقد كانَ الدعمُ الماليّ الذي سخّرهُ المُجتمعُ الدوليّ لقضيّةَ اللاجئينَ الفلسطينيين من خلال الأونروا أكثرَ بكثيرٍ من الدعم الماليّ الذي تلقّتهُ أي قضيّة لجوءٍ أخرى في العالم ، لتكونَ نتيجةُ هذا التمويلِ مزيداً من الغضبِ والحقد والبؤس بينَ صفوفِ الفلسطينيين. أما بالنسبةِ للاجئينَ الفلسطينيين في العالم العربيّ ، فإننا إذا ما استثنينا دولةَ الأردن التي منحَت اللاجئينَ الفلسطينيين جنسيّة أردنيّة ، سنجدُ بأنّ الدولَ العربيّة كانت ولا زالت تعاملُ اللاجئينَ الفلسطينيين كبشرٍ بلا هويّة ، فيما حرصَت تلكَ الدولُ على إبقاءِ اللاجئينَ الفلسطينيينَ داخلَ مخيّمات اللجوء حتى يومِنا هذا ، في محاولةٍ من تلكَ الدول العربيّة لتسييسِ قضيّة اللاجئين الفلسطينيين ومعاناتِهِم لاستخدامها كورقةٍ ضغطٍ دائمةٍ ضدّ إسرائيل.

وفي الوقتِ الذي تتلقّى فيه الأونروا هذا الدعمَ الماليّ السخيّ يا جاريَ العزيز ، فإننا نجدُ العديدَ من المنظماتِ الإنسانيّةِ التي تبحثُ عن قدرٍ من الاهتمامِ والدعم الماليّ العاجل ، تلكَ المنظماتُ التي ترعى قرابة الستين مليون لاجيءٍ- على الأقٌل – حولَ العالم ، فيما تعودُ أسبابُ تهجير أولئكَ اللاجئينَ إلى الكوارثِ التي حلّت ببعض دولِ الشرق الأوسط ; الأمرُ الذي يجعلُ من الصفةِ الخاصِةِ الذي مُنحَت للاجئين الفلسطينيينَ أمراً يصعبُ التعاملُ معهُ في ظلّ الظروف القاسيةِ التي حلّت بالمنطقة مؤخّراً. وعدا عن ذلك كلّه ، فإنّ المُعارضةَ الإسرائيليّة الدائمةَ لعودةِ اللاجئينَ الفلسطينيين إلى أراضٍ تعتبرُ جزءاً من دولةِ إسرائيلَ يزيدُ من الأمور تعقيداً ويجعلُ من قضيّةِ اللجوءِ الفلسطينيّ مُعضلّة في طريقِ طموحاتِ الشعب الفلسطينيّ في إقامةِ دولته ذاتِ السيادة الوطنيّة الفلسطينيّة المُستقلّة.

أخيراً وليسَ آخراً ، فإنني يا جاريَ العزيزُ أعرِفُ الشعبَ الإسرائيليَ تمام المعرفة ، هذا الشعبُ الذي إذا ما شعرَ بإن تحقيقَ السلام هوَ أمرٌ ممكنُ الوصولُ إليهِ ، فأنّ الغالبيةَ العُظمى من المُجتمع الإسرائيلي ستدعُم الانسحابَ الإسرائيليّ الكاملَ من الأراضي الفلسطينية ، تماماً كما حدثَ عندما دعمَت غالبيةُ المُجتمعِ الإسرائيليّ الانسحابَ الإسرائيليّ الكامِلَ من صحراءِ سيناء عام 1982، وهوَ الأمرُ نفسهُ الذي حدثَ قُبيلَ انطلاق مباحثات أوسلو للسلام عام 1993 .

من جهةٍ أخرى ، إذا ما أرَدنا إقناعَ المُجتمعِ الإسرائيليّ بضرورةِ الإقدامِ على هذه المجازفةِ المخطيرةِ والمتمثّلةِ بالانسحابِ من الأراضي الفلسطينيّة في ظلّ ما نشهدهُ من ظروفٍ شرقِ أوسطيةٍ غير مُستقرة ، فإنّنا نرغبُ كإسرائيليينَ في سماعِ صوتِ جيرانِنا الفلسطينينَ وهمّ يعبّرونَ لنا بصراحةٍ تامّةٍ عن أنّ الرفضَ الفلسطينيّ لحقّ إسرائيلَ في الوجودِ قد انتهى أخيراً ، ذلكَ الرفضُ الذي لم يعُد بمقدورنا احتمالهُ أبداً يا جاريَ العزيز ; كونَنا نرغبُ بشدّةٍ في رؤيةِ جيرانِنا على هذهِ الأرضِ وهُم مُقتنعونَ تماماً بأنّ دولةَ إِسرائيلَ هيَ دولةٌ قَد وُجدَتْ لِتبقى.

أنا أدعو كل فلسطيني بالإضافة إلى الآخرين من أنحاء العالم العربي والإسلامي أن تكتبوا لي, هنا او في صفحتي, ردا على أي مسألة أثيرت في هذا الكتاب وسأحاول أن أرد على كل رسالة بروح المشاركة, مهما كان التّحدي.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.