جاريَ العزيز ،
تُصادفُ اليومَ ذكرى يومِ القدس ، وهوَ يومٌ نحتفلُ بهِ بمناسبةِ توحيدِ مدينةِ القدس في السابع من حزيران عام 1967م بعد حربِ الأيام الستة، فيما الجوّ عاصفٌ مغبرٌّ َبريحٍ حارّةٍ جافّةٍ مصدرُها الصحراء ..
جرَت العادةُ في هذا اليوم أن يجتمعَ المقاتلونَ الإسرائيليّونَ القُدامى الذين شاركوا في تلكَ الحربِ، مُقاتلونَ من مُختلف ألوان الطيفِ الإسرائيليّ، من اليمينِ إلى اليسار، متديّنونَ وعلمانيّونَ، فيما يزورُ هؤلاء المُقاتلونَ القدامى النُصُبَ التذكاريّة الرخاميّة في شوارع القُدس الشرقية – حيثُ وقعَت تلكَ الحربُ – مُستذكرينَ رفاقَهُم الذين سَقطوا خلالَ حربِ الأيام الستة مُردّدينَ خلالَ زياراتهِم تلكَ آياتٍ من مزامير داوود.

وفي اليوم نفسهِ، تتوجّهُ مجموعاتٌ من الشبّانِ اليهودِ الذينَ ينتمونَ لليمينِ الإسرائيليّ إلى الأحياءِ العربيّة في القدس الشرقيّة للاحتفالِ بهذا اليوم بالرقصِ والغناءِ ابتهاجاً بتحقيقِ وحدةٍ يهوديّة لمدينةِ القدسِ تحتَ ظلّ السيادة الإسرائيليّة.

حقيقةً ،فقَد تقدّمَتْ العديدُ من المجموعاتِ والحركاتِ التي تدعو إلى التعايشِ بينَ اليهودِ والعربِ بالتماسٍ إلى المحكمةِ الإسرائيليّة العليا طالبينَ منها تغييرَ مَسار الاحتفالاتِ بِتجنّبَ الأحياء العربيّة خلال هذا اليوم، إلّا أنّ المحكمةَ العُليا أصدرَت قراراً رفضَت فيهِ التماسَهُم مُعلّلةً ذلكَ بأن هذه التظاهراتِ تندرجُ تحتَ إطار حريّة التعبير عن الرأي.

إنني أعتذرُ شخصيّاً كمواطنٍ إسرائيليّ يهوديّ عن هذا القرار المؤسفِ، كوننا نحتاجُ في بعضِ الأحيان إلى تخفيفِ وتعديلِ بعضِ النصوصِ والمباديء بما فيها النصوصُ الدينيّة المُقدّسة في سبيلِ مواءمَتها مع احتياجاتِ الآخرينَ واحتراماً ومراعاةً لمشاعرِهم. بنهاية المطاف ، فإن التحدّي المُتمثّلَ في تغيير بعض التقاليد والأمور التي نعتبرُها غيرَ قابلةٍ للتغيير سيساعدُ إلى حدٍ كبير في تغيير مُجرياتِ الصراع القائم بيننا إذا ما نجحنا في تجاوزه.

جاريَ العزيز ، لقَد كانَت أوّلُ مرةٍ تتّجهُ فيها أنظاري صوبَ إسرائيل خلالَ الأسابيع القليلةِ التي سبقَت حربَ الأيام الستة، تحديداً منتصفَ شهر أيّار من سنة 1967م، كانَت تتعرضُ إسرائيلُ وقتَها لتهديدٍ مباشرٍ بإزالَتها من الوجود، حيثُ كان القادةُ العربُ يستخدمونَ لغةَ الحديدِ والوعيدِ عند حديثهِم عن إسرائيل ، مهدّدينَ بالقضاء على اليهودِ والإلقاء بهِم في البحر آنذاك. في الوقتِ نفسِه، كنتُ أسمعُ حينها عبرَ شاشاتِ التلفاز المتظاهرينَ العربَ في القاهرة ودمشق حينَ كانوا يهتفون “الموتُ لليهودِ “، فيما كانوا يلوّحونَ بلافتاتٍ رُسمَ عليها عظامٌ وجماجمُ، وهذه كانَت أوّلُ صدمةٍ حقيقيّةٍ تعرّضتُ لها في تلكَ الفترة، إذ أدركتُ أنّ خطَرَ ارتكابَ مذابحَ جماعيّةٍ بِحقّ اليهودِ لا زالَ يلوحُ في الأفُق ، كما أنّ هذا التهديدَ لا زالَ قائِماً ولم ينتهِ بانتهاءِ المحرقةِ التي تعرّض لها اليهودُ في أوروبا.

أمّا الصّدمةُ الثانية التي تعرَضتُ لها حينها فكانَت عندما أغلقَ الرئيسُ المصريّ جمال عبد الناصر مضيقَ تيران، مُغلقاً بذلكَ الممرَ المائي الذي يصلُ جنوبيّ إسرائيل بقارة أوروبا، فيما قام بطردِ قواتِ حفظِ السّلامِ التابعةِ للأممِ المتحدةِ منَ الحدودِ الفاصلةِ بين مصرَ وإسرائيل، الأمرُ الذي جعلَني أتساءلُ بمنتهى الفضول : ما هيَ الغايةُ من وجودِ قواتِ حفظِ السلام الدوليّة إذا غادرَت الحدودَ في وقتٍ عصيبٍ كهذا الوقتِ بالتحديد؟ في الوقتِ نفسه، استجابَت الأممُ المتّحدةُ لمطلبِ جمال عبد الناصر بإزالةِ قواتِ حفظ السلام من تلكَ المنطقة بعدَ نقاشٍ محدودٍ حولَ هذا القرار في مجلسِ الأمن الدوليّ.

لاحقاً ، أحاطَت جيوشُ الدولُ العربيّة الثلاثة : سوريا ومصر والأردن بحدودِ إسرائيلَ ، مما دفعَ الجيشَ الإسرائيلي إلى إعلانِ حالةِ الاستنفار القُصوى واستدعاءِ مئاتِ الآلافِ من جنودِ الاحتياط للخدمة العسكريّة، الأمرُ الذي تسبّب بأزمةٍ اقتصاديةٍ في المجتمع الإسرائيلي الذي كان تعدادهُ قُرابةَ ثلاثة ملايين مواطنٍ في ذلك الوقت ، فيما أُرسِلَ الآلافَ من طلبةِ المدارس الثانويّةِ إلى الحدائقِ العامةِ لحفرِ وتجهيز القبورِ استعداداً لخسائرَ جسيمةٍ في الأرواح في صفوف ِ المدنيين الإسرائيليين.

وفي خضمّ ذلكَ التوتر الذي سادَ المنطقة وتلكَ التهديداتِ المُحيطةِ بدولةِ إسرائيل ، تعرّضَ رئيسُ هيئة أركان الجيش الإسرائيليّ آنذاك اسحاق رابين لانهيار عصبيّ نتيجةً انهماكِه الشديد في كيفيّة التعامل مع تلكَ التهديدات ، فيما تملّكَ الرعبُ قلوبَ اليهودِ حولَ العالم نتيجةً لهذا الخطر الوشيكِ والذي يُنذر باحتماليّةِ إزالةِ دولةِ إسرائيلَ منَ الوجود.

في الواقع ، لقَد اكتشفتُ خلالَ تلكَ الفترةِ أمراً مهمّاً عن ذاتي، وهوَ عدمُ قُدرَتي على الحياةِ في عالمٍ يخلو من دولةِ إسرائيل، وهيَ قناعةٌ لربّما تبدو لكَ غريبةً بعضَ الشيء يا جاريَ العزيز. لقد كنتُ ولداً صغيراً يبلغُ من العمر ثلاثةِ عشر عاماً و كنتُ أسكنُ في بروكلين آنذاك، فما سِرّ ذلكَ التشبّث القويّ بإسرائيل ؟! وما طبيعةُ تلكَ العلاقةِ التي تربطني بإسرائيلَ لدرجة استعدادي للتضحيّة بنفسيَ في سبيلِ بقائِها رغم أننّي لم أقُم بزيارتِها حتى؟!

لقد كانَ من البديهيّ أن يَشعرَ اليهودُ بأنّ بقاءَهُم مهدّدٌ في حالِ زوالِ دولةِ إسرائيل، ولأكونَ دقيقاً أكثر، لَن يختفيَ اليهودُ من الوجودِ إذا ما حدثَ ذلك، كما أنّ المُجتمعاتِ اليهوديّة في العالمِ ستواصلُ بقاءَها أيضاً حتى لو زالَت دولةُ إسرائيلُ من الوجود، لكنّ ما سيختفي من الوجودِ هوَ الحافزُ الذي يُعطيهِم أملاً عظيماً للمضيّ قُدماً في هذه الحياة، ستختفي ثقةُ اليهودِ بأنفسِهِم، ستختفي قدرةُ اليهودِ على تحقيقِ الحُلمِ التاريخيّ لأمّتهِم، سيَختفي إيمانُ اليهودِ العميقُ بالقصّة اليهوديّة، كلّ هذا سيتبدّدُ فيما لو زالَت دولةُ إسرائيلُ من الوجود! حتى حنينُنا لأرضِ إسرائيلَ الذي لطالَما هوّنَ علينا عناءَنا في الشتات سيتحوّل إلى أضحوكةٍ سخيفة: هَل صَبَرنا وعانينا وانتَظرنا ألفَي سنةٍ في الشتاتِ مترقبّين قيامَ دولةِ إسرائيل لينتهي بنا المطافُ في كابوسٍ جديدٍ من كوابيسِ التاريخِ اليهوديّ ؟! وهَل جئنا كيهودٍ من كلّ بقاع العالم إلى أرضِ صهيونَ لنحقّقَ الخلاصَ اليهوديّ أم لنقضيَ على الأمّة اليهوديّة نهائيّاً ؟!

صحيحٌ بأن اليهودَ قد واصلوا البقاءَ رغمَ خسارتِهِم للسّيادةِ على أرضِ إسرائيلَ في السابقِ ، إلّا انّ الظروفَ كانَت مختلفة نوعاً ما، فعندما تمّ تدميرُ مملكةِ يهوذا سنة 70 قبل الميلاد ، كنّا حينَها لا نزالُ أمّةً مُلتزمةً دينياً، حيثُ عرَفنا حينها كيفَ نلملِمُ أجزاءنا المُبعثرةِ هُنا وهُناك، وعرَفنا جيّداً كيفَ نعيدُ بناءَ نمطٍ جديدٍ للحياةِ اليهوديّةِ، كوننا نعرفُ حقّ المعرفةِ كيف نُفسّرُ قدَرَنا من منظور عقيدتنا اليهوديّة. وفي مُفارقةٍ من مفارقاتِ التاريخ اليهوديّ ، فإنّ العقيدةَ التي كانَت سبباً للعقابِ الإلهي لليهود ، كانَت أيضاً سبباً في ثباتِ أجدادِنا ودافعاً لاستمراريّتهِم في البقاء ، إيماناً منهُم بأنّ الإلهَ الذي عاقبَهُم في يومٍ من الأيامِ سيُخلّصُهُم من العقابِ يوماً ما حينَ يُنهي اليهودُ فترة محكوميّتهِم في سجنِ الشتات. 

وعلى أيّ حال، فإننا نعيشُ اليومَ تبعاتِ فتراتِ الانكسار التي مرّت بها الأمّةُ اليهوديّة، مُستحضِرينَ الجزءَ الذي ساهمَت به العلمانيّة الغربيّة في حالةِ الانكسار تلك، أقصدُ ما تعرّضَ لهُ اليهودِ في الهولوكوست.

وعلى الرغم من نجاحِ اليهودِ في الحفاظِ على جزءٍ من عقيدتهِم بعد كلّ ما تعرّضوا له من ويلاتٍ خلالَ التاريخ المعاصر ، فإن بقايا العقيدةِ والإيمان التي حافظنا عليها سَتُفقدُ بالكاملِ إذا ما أزيلَت دولةُ إسرائيلَ من الوجودِ، كونَ دمار دولةِ إسرائيلَ سيكونُ بمثابةِ القشة التي قصمت ظهرَ البعير بالنسبة للأمةِ اليهوديّة. وبنظري ، قَد يتقبّلُ بعضُ اليهودِ وجودَ جولةٍ جديدة من العقابِ الإلهيّ ، إلّا أن هذا العِقابَ سيبدو قاسياً جداً لدرجةٍ لا تُحتمَلُ حتى من وجهةِ نظر اليهودِ المُتديّنينَ أنقُسهِم.

وبالعودةِ يا جاريَ العزيزُ إلى مُجرياتِ حربِ الأيّامِ الستة، فقَد استيقظتُ صباحَ الخامسِ من حزيران سنة 1967م لأجدَ أبي يصولُ ويجولُ حولَ المذياع في المطبخ : لقَد دقّت طبولُ الحرب ! بدايةً، شنّت المُقاتلاتُ الإسرائيليّةُ هجوماً استباقياً دمّرَت خلالهُ جميع المُقاتِلاتِ التي امتلكتها القوّاتُ الجويّة المُصرية بينما كانَت في مُدرّجاتِها على الأرض ، وهوَ أمرٌ لَم نسمَع به حينها، إلا أننا عرفنا بهِ في وقتٍ لاحق.

في الوقتِ نفسه ، أرسَلَتْ إسرائيلُ رسالةً إلى الملكِ الأردنيّ – الملِك حُسين – مفادُها : لا تشنّ حرباً علينا لكي لا نشنّ حرباً عليك ، إلّا أنّ وحداتٍ تابعةٍ للجيشِ الأردنيّ في القدس الشرقيّةِ شنّت قصفاً مدفعيّاً على الأحياءِ اليهوديّةِ في القدسِ الغربيّةِ ، مما دفع بكتيبةٍ من وحدةِ المظليينَ الإسرائيليينَ للقيامِ بعمليةِ إنزالٍ فوق مدينة القدس. وخلالَ ساعاتٍ معدودةٍ نجحَت القواتُ الإسرائيليّة في اجتيازِ حقلِ الألغام الذي كانَ يشكّل منطقة عازلة تفصلُ بين أماكنِ تواجدِ القواتِ الإسرائيليّة والقواتِ الأردنيّة آنذاك ، فاجتازوا الجدارَ الشائكَ وهاجموا مواقعَ الجيش الأردنيّ.

في الواقع ، لقد كانَ الهدفُ من تلكَ العمليّة ايقافَ القصفِ الأردنيّ على الأحياءِ اليهوديّةِ في القدس الغربيّةِ من جهة، وتوفيرَ حمايةٍ للقواتِ الإسرائيليّةِ التي كانَت تطوّقُ جبلَ المشارفِ في القدس الشرقيّةِ من جهةٍ ثانية، بينَما لم يَمتَلِك جيشُ الدفاع الإسرائيليّ أي نوايا مُسبقة لاحتلالِ البلدة القديمة في القدس حتى في اللحظةِ التي قامت بها قواتُ المظليينَ الإسرائيليّة بعمليّة الإنزالِ والإحاطةِ بأسوار القدس، إذ كانَت القيادةُ الإسرائيليّة مُتردّدةً جداً في اتخاذ القرارٍ باقتحام البلدةِ القديمة على الرغمِ من وجودِ أكثر الأماكنِ قدسيّة بالنسبةِ للديانة اليهوديّةِ بداخلِها، هذا الموقعُ الدينيّ الذي حُظرَ علينا دخولُهُ كيهود منذ أن سيطرَ عليهِ الجيشُ الأردنيّ سنة 1948م.

وبعدَ مُباحثاتٍ مُطوّلةُ، صدرَ قرارٌ عن الكابينيت الإسرائيليّ صباحَ يوم السابع من حزيران باقتحام القدسِ الشرقيةِ، فيما لم تُنفّذ القيادةُ الإسرائيليّة ذلكَ القرارَ انتظاراً لردّ الملك حُسين بعدَ أن أرسلَت له القيادة الإسرائيليّة نداءاً للمرة الأخيرة عرضَت عليه انسحابَ قواتِ المظلّيين من القدسِ الشرقيّةِ مقابلَ فرضٍ للتهدئة بينَ الجانبين، إلا أن الملك حُسين تجاهلَ ذلكَ المُقترَح، مما دفعَ بقوّاتِ المظليينَ الإسرائيليّة إلى اقتحام البلدةِ القديمةِ من باب الأسباط ، متجّهين إلى اليسار حيثُ يقعُ الحرمُ الشريف ، أو بحسبِ تسميتنا لتلك المنطقة بجبلِ الهيكل، فيما واصلوا التقدّمَ حتى نجحوا في الوصولِ إلى الحائطِ الغربيّ.

حقيقةً ، فأنا لا أعلمُ إن كان هنالِكَ أي يهوديّ على قيدِ الحياةِ – بغضّ النظر عن مدى تديّنه – لم يتأثّر بمشهدِ قواتِ المظليينَ الإسرائيليينَ المُرهقينَ وهُم يميلونَ برؤوسهِم داخلَ الشقوقِ الموجودةِ في الحائظ الغربيّ، تلكّ الشقوقُ التي كانت قِبلةَ صلواتِنا عندما كنّا في الشتاتِ. لقد تجسّدَت عظمةُ ذلكَ المشهدِ في إحدى الصور التي تمّ التقاطُها لمجموعةٍ من جنوِد وحدة المظلّيينَ فيما كانوا يضعونَ أيديهِم على أكتافِ بعضهِم البعض أثناء وقوفهِم في ساحةِ الحائطِ الغربيّ، بينما كانَت تتجهُ نظراتهُم لأعلى ذلكَ الحائظِ . وعلى الرغمِ من تحقيقهِم أعظمَ انتصارٍ عسكريّ في التاريخِ اليهوديّ، إلّا أنّه لم تظهرعلى وجوهِهِم اليافعة ملامحُ الانتصار بقدر ما ظهرَت عليها ملامحُ الورعِ والرهبة، تماماً كتلكَ الملامحِ التي تظهرُ على وجوهِ الحجيج بعد تأديتهِم مناسك الحجّ، إذ لم يجسّد هؤلاءُ الجنودُ عنفوانَ الانتصار وتحقيق سيادة الدولة اليهوديّة بقدرِ ما جسّدوا في تلكَ اللحظةِ آمالَ أمةٍ عريقةٍ بأكملِها.

وبعد مضيّ أسابيع قليلةٍ على انتهاءِ الحربِ، توجّهنا أنا وأبي لزيارةِ إسرائيلَ، إذ كانَت تلكَ هيَ المرةُ الأولى التي نزورُ فيها إسرائيل، فنحنُ ببساطةٍ لم نعدُ نطيقُ الابتعادَ عنها لمدّة أطَوَل. وخلالَ تلكَ الزيارةِ وقعتُ في حبّ تلك البلاد، وقعتُ في حبّ مناظِرها الخلّابةِ وتنوّع تضاريسِها، ما بينَ صحراءَ وجبلٍ وساحِل ، فيما بدا لي وكأن هذه البقعةَ الصغيرةَ من الأرضِ تختزلُ تضاريسَ كوكبِ الأرضِ بأكمله.

ولأكونَ دقيقاً أكثر ، فقَد سحَرني بالدرجةِ الأولى مشهدٌ آخر: إنهُ مشهدُ التعدّديّةِ اليهوديّةِ وتنوّعُ المجتمعاتِ اليهوديّة في إسرائيل. لقد تملّكتني سعادةٌ غامرةٌ حينَ التقيتُ بيهودِ المغربِ والعراقِ والهندِ وغيرِهِم، الأمرُ الذي عمّقَ من درايتي بتلكَ التعدّديّة العجيبة التي تجتمعُ في هويّة الشعبِ اليهوديّ، خاصةً وأنني لم أحظَ بفرصةٍ من قبلُ للإلتقاءِ بيهودٍ من مجتمعاتٍ يهوديّة أخرى، كوني نشأتُ وترعرتُ في أحد أحياء بروكلين التي تعيشُ بها طائفةُ يهوديّة واحدة، وهيَ طائفةُ اليهودِ الذين تنحدرُ أصولهُم من الامبراطورية النمساويّة المجَريّة.

حقيقةً ، لقد قسّمنا الشتاتُ إلى أشلاءَ مُتناثرة مُتبعثرة في كلّ مكان، إلّا أننا نشهدُ في تلكَ اللحظة المستحيلَ وهوَ يُصبحُ مُمكناً، بغضّ النظر عن مدى الغرابةِ والصدماتِ والمصاعبِ التي مرّ بها ذلكَ المُستحيل قبلَ تحقّقه، إلا أننا نجَحنا بنهايةِ المطافِ في لملمةِ تلكَ الأشلاءِ في جسمٍ يهوديّ موحّدٍ مرةً أخرى.

كذلكَ فإنني لا أخفي عليكَ يا جاريَ العزيز كيفَ تملّكني حبّ الإسرائيليينَ بشِدّة، فأحببتُ جُرأتهُم ودماثةُ أخلاقهِم ، لقَد كانوا على استعدادٍ لتحقيق أفضل ما يُمكنُ تحقيقه مهما بلغَت الظروف من سوءٍ ورغمَ كلّ ما فُرِضَ عليهم من مصاعبَ وعقباتٍ على مرّ التاريخ ، وهُنا أتسذكرُ قريبي الذي يُدعى يوسي هوَ الآخر، إذ عاشَ يوسي في منطقةٍ محاذيةٍ لشاطيء بحيرةِ طبريا ، فيما نشأ وتعلّم السباحةَ هُناكَ على الرغمِ من خضوعِ تلكَ المنطقة لتهديد بقصفِ مُحتملٍ في أيّ وقتٍ من القوّاتِ السوريّةِ التي كانَت متمركزةً على مُرتفعاتِ الجولانِ حينَها ، يوسي الذي تقبّلَ حقيقة انضمامهِ إلى صفوفِ الجيشِ الإسرائيليّ لأداءِ الخدمةِ العسركيةِ والقتالِ في صفوفهِ بكلّ رحابةِ صدر.

من جهةٍ أخرى ، فأنا لم أتظاهر بالعمى تجاهَ ما رأيتهُ من عيوبٍ موجودةٍ في الشخصيّة الإسرائيليّة ، حيثُ رأيت وقاحةَ الإٍسرائيليين ورأيتُ الجانبَ العاميّ غير المهذّبِ من حياتهِم ، ورأيتُ الماديّة التافهة في أمّةٍ لطالما غلبَ عليها الفقر ، إلا أنّ هذهِ الأمورَ كانت مجرّد تفاصيلَ جانبيّة ، فحبّي لإسرائيلَ والإسرائيليينَ كانَ حبّاً مُطلقاً دونَ قيدٍ أو شرطٍ . لقَد عزمتُ أمري وحسمتُ قراريَ خلالَ زيارتي في فصلِ الصيف ذاك ، قرّرتُ أن أهاجرَ إلى دولةِ إسرائيلَ تحتَ أي ظرف ومهما بلغَت التحديّاتُ التي سأواجهُها أنا أو دولتي إسرائيل.

ومَرة أخرى يا جاريَ العزيز ، فإنني أستذكُركَ وسطَ احتفالي بانتصار اليهودِ منتصفِ شهر حزيران في حربِ الأيامِ الستةِ ، فيما أراكَ في مخيّلتي إنساناً حزيناً كئيباً يجلسُ وسط حفلِ زفاف. أستذكِرُك بينَما تتراءى إلى مخيّلتي مشاهدُ قِطعِ القماشِ البيضاءَ وهيَ معلّقةً على البيوتِ الفلسطينيةِ بعدَ انتهاءِ الحربِ ، ومشاهدُ أناسٍ كبارٍ في السنّ تبدو عليهِم ملامحُ البؤسِ بينما يمتطونَ الحمير التي تسيرُ ببطءٍ شديدٍ في شوارع القدس. أستذكرُ أيضاً مشاهدَ أطفالٍ صغار بلا أي شعرٍ على رؤوسهِم حتى لا يغزوها القملُ ، فيما كانَ أولئكَ الأطفالُ يبيعون مجسّماتٍ لجِمالٍ خشبيّة وزجاجاتِ صودا فارغةٍ موجودٌ بداخلها رملٌ ملونٌ وبطاقاتٌ بريديّة مطبوعٌ عليها صورُ موشي ديّانِ كتذكارٍ لهزيمة العرب. وما يدريكَ يا جاريَ العزيز ، لعلّكَ تكونُ أحدَ هؤلاءِ الأطفال الذينَ حُفرَت وجوهِهِم في ذاكرتي . لقَد حاولتُ كثيراً أن أنسى تلكَ الوجوه ، حاولتُ كبتَ شفقتي عليها ، مُذكّراً نفسي بأننا بالكادِ نجَحنا في الإفلاتِ من إبادةٍ مُحقّقة كانَت ستُرتكبُ بحقّنا خلالَ تلكَ الحربَ.

جاريَ العزيز ، أريدُك أن تتخيلَ حديثاً يدورُ بينَ مواطِنينِ إسرائيليّينِ فيسألُ أحدهُما الآخرُ: ماذا كانَ سيفعلُ بِنا العربُ لو انتصروا في هذه الحرب؟ لقد شاهدتُ في مخيمِ العريش للّاجئينَ الفلسطينيينَ بعضَ الرسوماتِ التي رسمَها الأطفالُ الفلسطينيّون في محاولةٍ منهُم لتخيّل انتصارهِم أثناء حربِ الأيّامِ الستة، حيثُ رسَموا على الجُدرانِ جنديّاً عربيّاً يُطلقُ النارَ باتّجاهِ يهوديّ مُتديّن، فيما رسموا مجموعةً من الجماجمِ وقَد وضعوا عليها نجمة داوود. وعلى الرغم من فظاعةِ هذه الرسوم، إلا أنّها لن تمسحَ من ذاكِرَتي وجوهَ الأطفالِ الفلسطينيينَ البائسينَ الذين بدت عليهِم ملامحُ الضياعِ في شوارعِ القدس الشرقيّةِ عقبَ انتهاء حرب الأيّامِ الستة، وكلّما أغمضتُ عيني فإنّ وجوهَهُم تتراءى ليَ وكأنهُم أماميَ الآن.

ونتيجةً لتلكَ المستجدّات على أرض الواقع والمتمثّلةِ بانتصار إسرائيلَ في حرب الأيام الستة، فقد تغيّرَت خريطة إسرائيلَ من خلال توسّعِها على ثلاثِ مراحل: بدايةً من التوسّع في الأرضِ التي تمّ شراؤُها خلالَ الفترة التي سبقَت قيام دولةِ إسرائيل، مروراً بالأرضِ التي تمّ السيطرةُ عليها عقبَ انتهاء حرب سنة 1948م ، وانتهاءاً بترسيمِ حدودِ دولة إسرائيلَ الجديدة عقبَ انتصار إسرائيلَ في حربِ الأيام الستةِ. لقَد تقبّلَ المُجتمعُ الدوليّ المرحلةَ الأولى والثانية من توسّع دولةِ إسرائيلَ ولم يُجادِل في مدى شرعيّتهما، إذ كانت المفاوضاتُ بين الجانبين الإسرائيليّ الفلسطينيّ تستندُ إلى حدودِ دولةِ إسرائيل سنة م1949، بيدَ أنّ المُجتمعَ الدوليَّ يُبدي تحفّظهُ على المرحلةِ الثالثةِ من مراحلِ التوسّع الإسرائيليّ، وهيَ مرحلةُ ضمّ إسرائيلَ لأراضي الضفّة الغربيةِ وقطاع غزة والتي لا زالَت موضِعَ نزاعٍ حتى الآن.

وبالعودةِ إلى تلكَ الفترة الزمنيّة، فقَد ظهرَت أوّلُ مستوطنةٍ يهوديّة في الضفة الغربية حينَها والتي كانتَ مستوطنة كفار عتصيون، تلكَ المستوطنةُ التي بُنيَت جنوبيّ القدس على الطريقِ الواصل بين القدس والخليل، والتي أقيمَت في شهر أيلول من سنة 1967م، أي بعدَ ثلاثةِ أشهر من انتهاءِ حربِ الأيّام الستة. لقَد بُنيَت تلكَ المستوطنة بدون أي نقاش حكوميّ أو قرارٍ من الكابينيت أو أي خطّة توسعيّة للسيطرة على الأرض، بل كانَت الأمورُ أبسطَ من ذلكَ بكثير; إذ توجّه مجموعةٌ من الشبّانِ اليهودِ إلى تلال كفار عتصيون وشرعوا بِبناءِ المستوطنةِ ثم طالبوا لاحِقاً بالسماح لهُم بإقامةِ تلك المستوطنة ، فيما لم يُبدِ رئيسُ الوزراءالإسرائيليّ آنذاك ليفي أشكول أي موقفٍ صريحٍ مما حدَث.

ويعودُ سببُ انعدام الجدلِ حول الموافقةِ على إقامة تلكَ المستوطنةِ إلى حقيقةِ وجودُها أًصلاً في تلكَ المنطقة قبل سنة 1948م، أي قبلَ قيام دولة إسرائيل ، إلا أنّها دُمّرت تماماً بعد الحرب ، فيما وُلدَ أولئكَ الشبّانُ الصغارُ في تلك المستوطنة إلا أنَهُم اضطروا لمغادرتها بعدَ حربِ الاستقلال . بمعنى آخر ، لقد عادَ هؤلاءِ الشبّانُ إلى مكانِ سكنهِم الأصليّ الذي تركوه نتيجةً لاندلاعِ حرب 1948.

لقد كانَت كفار عتصيون جرحاً مفتوحاً في الروحِ الإسرائيليّة نتيجةً لحدَثٍ أليمٍ وقعَ في المستوطنة قبل اندلاع الحرب، إذ استسلمَ حُرّاس كفار عتصيون للمقاتلينَ الفلسطينيينَ، إلا أنّ الفلسطينيينَ أعدموا أولئكَ الحُرّاس بدمٍ باردٍ في اليوم الذي سبقَ الإعلانَ عن استقلال دولة إسرائيل. لقَد كانَت كفار عتصيون أوّل مستوطنةٍ يهوديّة في الضفّة الغربيّة تستعيدُ سكّانها اليهودَ الذين سكنوها حديثاً، بالتالي لم تكُن استعادةُ كفار عتصيون نابعةً من أي مزاعمَ توراتيّة قديمة – على الأقل في بداية الأمر – بَل كانَ الرأي العامُ الإٍسرائيلي يرى في عودةُ أولئكَ اليهود إلى كفار عتصيون تعويضاً عمّا نتجَ عن ذلكَ الحادثِ الأليم.

وبعدها بحوالي ستة شهورٍ، توّجّهَت مجموعةٌ يهوديّة من المستوطنينَ صوبَ مدينةِ الخليل ، ثاني أقدسِ مدينة في الديانة اليهوديّة بعد القدس ، إلا أنّ الأمور لم تجرِ بتلكَ السلاسةِ مثلما جَرَت بالنسبة لإقامةِ مستوطنةِ كفار عتصيون، بل كانت إقامةُ تجمّعٍ استيطانيّ في الخليل موضِعَ جدلٍ شديدٍ بين الإسرائيليين لدراسةِ عواقب تواجدِ اليهود بينَ التجمّعات السكانيّة الفلسطينية الرئيسية.

حقيقةً ، تشكّلُ مدينة الخليلِ التي دُفنَ فيها ابراهيمُ وزوجتهُ سارة أحدَ أهمّ الركائز التي يستندُ عليها اليهودُ لاثباتِ صحّة ادّعاءاتهِم التوراتيّة المتعلّقة بوجود اليهودِ على هذه الأرض منذ آلافِ السنين، إلا أنّ استعادةَ مدينة الخليل كانت – كما حدث في كفار عتصيون- استعادة لأرضٍ سكنها اليهود حديثاً، حيثُ سكنَ اليهودُ مدينةَ الخليل قبل عدةِ عقودٍ، إلّا أنّهُم تركوها كلّياً عقبَ مجزرةِ سنة 1929م، تلكَ المجزرةُ التي أدّت إلى اندثارِ مجتمعٍ يهوديّ بأكملهِ من مدينة الخليلِ بعد أن سكنَها لفترةٍ طويلةٍ من الزمن.

بالتالي ، فقد كانَ بناءُ أوّلُ مُستوطَنَتَينِ يهوديّتين في الضفةِ الغربية عبارةً عن استعادةٍ لأراضٍ وتجمّعاتٍ يهوديّةٍ سكنَها اليهودُ قبلَ قيام دولةِ إسرائيل ، إلا أنه تمّ تدميرهُما وتشريدُ اليهود منهما مطلع القرن العشرين ، الأمرُ الذي يفسّرُ عدم تقبّلِ الإسرائيليينَ لفكرةِ وصفِ بناءِ هاتين المستوطنتين على أنّهُ بدايةُ الحركة ِالاستيطانية العشوائيّة في الضفة الغربية .
 بطبيعةِ الحال ، فقَد أدركَ المستوطنونَ عواقبَ ما قاموا به على المدى البعيد ، ولربّما أدركتَ أنتَ أيضاً تلكَ العواقبَ يا جاريَ العزيز.
وعقِبَ انتهاء حربِ الأيام الستة مباشرةً ، أكّدت الجامعةُ العربيّة – كممثلٍ للعالم العربي- مرّةً أخرى رفضَها القاطعَ لوجودِ دولةِ إسرائيلَ، الأمرُ الذي منحَ شرعيّة لإقامةِ المستوطناتِ اليهوديّة من وجهةِ نظر الكثير من الإسرائيليين . لقد كانَ بروفسور الفلسفة اليهوديّة الراحل يوسفِ بن شلومو أحدَ أبرز قادة الحركة الاستيطانية ، حيثَ بدأ نشاطهُ السياسيّ بتوقيع عريضةٍ تُعارضُ بشدّة إقامة تجمّعاتٍ يهوديّة في مدينة الخليل ، إلّا أنّهُ أدركَ لاحِقاً أن فكرةَ الأرض مُقابلَ السّلام كانت طرحاً ساذجاً بعد أن رأى عدم جاهزية الدولِ العربيّة للاعترافِ بوجودِ دولة إسرائيل ككيانٍ شرعيّ أيّاً كانَت حدودُها.

في الوقتِ ذاته، كان العنفُ الفلسطينيّ المُتواصِلُ تجاهَ الإسرائيليين يهدفُ بالدرجةِ الأولى إلى إرسالِ رسالةِ واضحةٍ للشعبِ الإسرائيليّ مغزاها استحالةُ تقديمِ أيّ تنازلاتٍ من قبل الفلسطينيين للإسرائيليين ، إذ قامَت الجماعاتُ المُسلّحة التي يقودُها ياسرعرفات بهجماتٍ عديدة ضدّ الجانبِ الإسرائيلي، تلكَ الهجماتُ التي شمِلَت تفجيرَ باصاتِ المدارس واحتجاز طلبةٍ إسرائيليين كرهائنَ وإعدام حُجاجٍ يهودَ قادمينَ إلى إسرائيلَ في أحد المطارات الدوليّة، إضافةً إلى ارتكابِ مجازرَ بحقّ اليهودِ الآمنين في بيوتهِم ، وإعدامَ أحدِ الأطفال عن طريقِ دكّ رأسهِ بالحجارةِ حتى الموت، وصولاً إلى عمليةِ اغتيالِ الفريقِ الإسرائيليّ المُشارك في الألعابِ الأولومبية في برلين.

لقَد عاشَ الشعبُ الإسرائيليّ فظاعةَ تلكَ الأعمال المروّعة ، فيما اعتبرَها الإسرائيليونَ مقدّمةً لأعمالِ عُنفٍ مُمنهجةٍ تهدفُ إلى ارتكابِ إبادةٍ جماعيّةٍ بحقّ اليهودِ من قبل الحركةِ الوطنيّة الفلسطينيّة، بالتالي فقد وصَلتهُم الرسالة التي أرادَ الفلسطينيونَ إرسالها، وهي استحالة قبولِ الفلسطينيين لتقديمِ أي تنازلاتٍ للجانبِ الإسرائيليّ تحتَ أيّ ظرف.

ومع ذلك ، فقَد ظلّ بناءُ المُستوطناتِ في الضفّة الغربية مُحدوداً جداً بداية السبعينيّات، أي الفترة التي تولّى فيها حزبُ العمل الإسرائيليّ رئاسةَ الحكومة الإسرائيلية – والذي تمّ استبدالهُ باليمين الإسرائيليّ لاحقاً -. لقد كانَ حزبُ العُملِ معنياً بالوصولِ إلى اتفاقيّة سلامٍ يعيدُ من خلالها الضفّة الغربيّة إلى الأردن ، كونَ الأردنيين – بحسبِ إدّعاءاتِهِم حينها – كانوا يتحدّثون كممثّلينَ عنِ القضيّة الفلسطينية ، وكدليلٍ على التزام حزبِ العُمل بهذه الرؤية، فقد كانَت حكومة حزبِ العملِ تدفع بالجيش لإزالةِ أية بؤرةٍ استيطانيّة تقيمُها الجماعاتُ الاستيطانية في الضفة الغربية .

ظلّ اليسارُ الإسرائيليّ مُسيطراً على الاستيطانِ في الأراضي الفلسطينية حتى تاريخ العاشر من تشرين الثاني سنة 1975م تحديداً، وهوَ اليومُ الذي صَوّتتْ فيه الأممُ المُتحدة لصالحِ قرارٍ يُصفُ الحركةَ الصهيونية بأنها حركةٌ تجسّدُ شكلاً من أشكالِ العُنصريّة ، بموافقة 72 دولة واعتراضِ 35 دولة ، فيما امتَنعَت 32 دولةً عن التصويت على هذا القرار. وبإصدار الأمم المتحدة لهذا القرار، فقد أصبحَت الحركةُ الصهيونية أوّل حركةٍ وطنيّة في العالم يتمّ وصفُها بهذا الوصفِ المُشين، فيما كانَ هذا القرارُ نتيجةً لمساعي الدولِ الإسلامية والإشتراكيّةِ الأعضاء في الأمم المتحدة إلى ضمانِ تمرير أي قرارٍلا يصبّ في مصلحةِ إسرائيل .

تظاهرَ الآلافُ من الشبّان اليهودِ شمال الضفّة الغربية – السامرة بحسبِ تسميتها اليهودية – مُتجمّعينَ حولَ سكّة القطار العثمانيّ ردّا على ذلكَ القرار، فيما نصبوا خيماً وسط الطين الذي سبّبتهُ أمطارُ الشتاء ، رافعين لافتة كُتبَ عليها : هذا شارعٌ صهيونيّ ، بينَما صرّح أحدُ نواب ِالكنيست – كانَ نائباً جديداً في الكنيست حينها – يُدعى إيهود أولمرت بأنّ ما نقومُ به الآن هو الردّ الصهيونيّ المُناسبُ على قرار الأمم المتحدة ذاك. وبالمناسبة ، فقد طرحَ إيهود أولمرت عندما شغلَ منصبَ رئيس الوزراء سنة 2008 م خطةً للسلامِ تتضمنُ إقامة دولةٍ فلسطينيّةٍ في الغالبية العُظمى من مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة ، إلا أنّ القيادة الفلسطينية رفضَت هذا العرضَ جملةً وتفصيلاً.

وعلى أيّ حال ، فقَد أصبحَت حكومة حزبِ العملِ اليساريّ مُتردّدة إلى حدٍ ما في التعاملِ مع قضيّة الاستيطان بعد أن كانَت حازمةً جداً في الردّ على تلكَ التظاهرات بإصدار أوامرَ مباشرة للجيش بإخلاء أي بؤرةٍ استيطانيّة يُقيمُها المستوطنون ، فيما انحازَ الرأي العامُ الإسرائيليّ باتجاهِ المُستوطنين كردٍ على قرار الأممُ المتحدة ذاك. وخلالَ تلكَ الفترة ، سمحَت الحكومة الإسرائيليّة لمجموعةٍ من المستوطنين بالبقاءِ في أحد مُعسكراتِ الجيش الأردنيّ سابِقاً والتي كانَت بالقرب من أحد مُعسكرات الجيش الإسرائيليّ. بطبيعة الحال ، لم يكُن قرارُ الأمم المتحدة هوَ السببَ الوحيدَ الذي أدّى إلى تشجيع النشاطِ الإستيطانيّ ، خاصةً بعد انتخابات 1977م والتي فازَ بها حزبُ الليكود اليمينيّ الإسرائيليّ مُترأساً الحكومة آنذاك. 

جاريَ العزيز ، إن ردّة فعل الرأي العام الإسرائيلي تشيرُ إلى أمرٍ مهمٍ يصفُ طبيعة الشخصيّة الإسرائيلية : عندما يوصفُ الإسرائيليونَ ظُلماً وبُهتاناً بمثلِ هذا الوصفِ المُهين فإننا نتّحدُ ونقوّي جبهَتنا من الداخِل ، إذ كانَت تلكَ إحدى ايجابيات ذلكَ القرار الذي يحاولُ عزلَ دولة إسرائيل ونزعَ شرعيّتِها والتي صبّت بنهاية المطاف في مصلحةِ اليمين الإسرائيليّ. 

من ناحيةٍ أخرى ، فإنّ العكسَ صحيحٌ أيضاً في هذه الحالة ، بمعنى أنّ الشعبَ الإسرائيليّ مُستعدٌ للمجازفةِ وتقديمِ التنازلاتِ في سبيلِ الوصولِ إلى السّلامِ إذا ما تمّ احترامُ شرعيّةِ دولةِ إسرائيلَ والاعترافُ بها ، وهذا ما حدثَ تماماً سنة 1977 عندما زار الرئيسُ المصريّ أنور السادات مدينةَ القدس وأعلنَ من هُناكَ اعترافهُ بدولةِ إسرائيل. في المقابل، دعمَ الرأي العامُ الإسرائيليّ بقوّةٍ الانسحابَ الإسرائيليّ الكاملَ من صحراء سيناء ، والتي احتلّتها إسرائيلُ عقب حربِ الأيامِ الستة ، فيما تضمّنَ ذلكَ إزالةُ كافّة المُستوطنات الإسرائيليّة من هناك.

لاحَقاً ، وعقبَ انهيار الاتّحادِ السوفييتيّ والمُعسكر الشيوعيّ الاشتراكيّ بأكملهِ بداية تسعينيات القرن المُنصَرِم ، صوّتَت الأمَمُ المُتحدة مرةً أخرى على قرارٍ يُبطلُ قرارَها السابق الذي وصفَ الحركة الصهيونية على أنها شكلٌ من أشكال العنصريّة، فيما أقامَت عشراتُ الدولِ علاقاتٍ دبلوماسيّة مع دولةِ إسرائيلَ عقبَ هذا القرار. لقَد كانَ هذا القرارُ الذي يزيلُ صفةَ العُنصريّة عن الحركة الصهيونية أحدَ أهمّ الأسبابِ التي جعلَت الحكومة الإسرائيليّة تتقدّم بخطواتٍ واثقة تجاهَ مُباحثات أوسلو للسلام ، وهوَ أحدُ أهمّ الأسبابِ التي حَشَدَت دعمَ غالبيّةَ المجتمعِ الإسرائيلي للحكومة الإسرائيليّة خلالَ مباحثات أوسلو، على الأٌقلّ في بدايتها.

لقِد شهدَ المُجتمعُ الإسرائيلي توجّهاً كبيراً لدعمُ الحركة الاستيطانيّة في الضفة الغربية وقطاع غزة عقبَ انتهاءِ حربِ الأيام الستة، خاصةً وأننا نجحنا بعدَ جُهدٍ جهيدٍ في العودة إلى الأرضِ التي تمثّل جوهرَ التاريخ اليهوديّ بالنسبة لنا، عُدنا إليها بعد حربٍ خضناها دفاعاً عَن أنفُسِنا في سبيل حماية إسرائيلَ من خطر دمارٍ وشيك. من ناحيةٍ أخرى، فإن انسحابَنا من الضفةِ الغربيةِ من شأنه أن يضعَ أمنَ إسرائيلَ على المحكّ ، خاصةً وأنها كانَت مطمعاً للدول العربيّة بهدفِ إستغلالِها لشنّ هجماتٍ ضد إسرائيل ، فيما يزيدُ الرفضُ العربيّ المُستمرّ للاعتراف بإسرائيل من احتماليّة محاولةِ جيراننا من الشعوب العربية مُهاجمةَ إسرائيل عاجِلاً أم آجِلاً ، بغضَ النظر عن الاتفاقيّاتِ التي قد يوقع عليها زعماؤهُم وقادتُهُم. 
على أي حالٍ ،َ فليَضع أي شعبٍ نفسهُ في مكانِنا ، هلَ سيقومُ بالتخلّي عن فكرةِ استيطانِ أراضٍ امتلَكناها منذ آلاف السنين ؟

لُم تكُن الأصواتُ التي عارضَت الفكرَ الاستيطاني أقلّ تأثيراً من الأصوات التي دعمت الاستيطان في المجتمع الإسرائيلي، إذ ظهرَت أصواتٌ عديدة طالبَت بايقاف التوسّع الاستيطاني مُحذرةً من إعادة استيطان ” الأراضي ” – التسمية التي اختلفَ عليها الإسرائيليون لوصفِ الضفة الغربية وقطاع غزة – حتى في خضمّ صيف 1967 المُلتهِب. 
خِلالَ تلك الفترة بالتحديد ، كتبَ الروائيّ اليهوديّ عاموس عوز- الذي أصبحَ واحداً من أهمّ الروائيينَ الإسرائيليين لاحِقاً – مقالاً جريئاً حذّر فيه من مغبّة الإقدامِ على احتلالِ الضفة والغربية وقطاع، موضّحاً بأنهُ لا يوجدُ شيء على الإطلاق يُدعى ” الاحتلالَ الحَنون”، أو ” الأراضي المُحرّرة “، وبحسبِ رأي عوز فإن الحريّة للشعوبِ فقط، لا للأرضِ.

فعلياً، فقد كان نجاحُ الحركة الاستيطانية نتيجةً للتقاربِ بينَ المخاطرِ التي تهدّدُ أمنَ إسرائيلَ من جهة، والنداء التاريخيّ لليهود للتواجد على أرضِ أجدادِهِم من جهة أخرى ، وهيَ الدعوة التي شعرتُ بأنها موجّهةٌ لي عندما هاجرتُ إلى إسرائيل في بداية ثمانينيات القرن المُنصرم، أي الوقتَ نفسهُ الذي شهدِ تشييدَ وبناءَ العديد من المستوطنات. إنني أتّفهّم ما طالبَ به عاموس عوز من ناحيّة عقلانيّة وأجدهُ مُقنعاً إلى حدٍ ما، فالاستيطانُ قد يتحوّلُ إلى كارثةٍ مُحدقةٍ بالإسرائيليين والفلسطينيين على حدٍ سواء. في الوقتِ نفسه، لم أتمكّن من اخفاءِ ذهولي وانبهاري الشديدَ بمشهدِ البيوتِ البيضاءَ وهيَ تظهرُ شيئاً فشيئاً في الجهة المقابلةِ للتلالِ البيضاء الخالية في تلكَ الفترةِ التي كنتُ فيها مُعدّا للتقارير التي تختصّ بشؤون المستوطنات. لقَد ذُهِلتُ أيضاً بمشهدِ الشبّانِ الإسرائيليينَ الذين غمرتهُم روحُ الاستبسالِ في سبيلِ إجبار العالمِ أجمع على الاعترافِ بمطالِبِنا ، تلكَ الروحُ التي لولاها لما استطعنا البقاءَ كأمةٍ يهوديّة.

وفي أحدِ الأيام ، دُعيتُ من قبلِ صديقٍ لي لحضور احتفالٍ بمناسبة إقامةِ مستوطنةٍ على أرض تقوع التوراتية بالقرب من بيت لحم على أطراف المنطقةِ الصحراوية. علّق منظمو الاحتفالِ لافتة كُتبَ عليها كلماتُ النبيّ عاموس ،
 أو” رجلُ تقوع ” كما لقبّته التوراة ، حيثُ كُتبَ عليها : ” وَأَرُدُّ سَبْيَ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ فَيَبْنُونَ مُدُنًا خَرِبَةً وَيَسْكُنُونَ، وَيَغْرِسُونَ كُرُومًا وَيَشْرَبُونَ خَمْرَهَا، وَيَصْنَعُونَ جَنَّاتٍ وَيَأْكُلُونَ أَثْمَارَهَا،  وَأَغْرِسُهُمْ فِي أَرْضِهِمْ، وَلَنْ يُقْلَعُوا بَعْدُ مِنْ أَرْضِهِمِ الَّتِي أَعْطَيْتُهُمْ، قَالَ الرَّبُّ إِلهُكَ”. صراحةً ،فقد انتابَني شعورٌ رائعٌ في تلك اللحظة ، شعورٌ بتحقّق نبوءةٍ مضى عليها قرابة 2500 عام ، شعورٌ يزيلُ كلّ ما كنتُ أحملهُ من شكوكٍ وتردّدٍ تجاهَ قضية الاستيطان.

حقيقة، لَم أشعُر خلالَ ترحالي في هذه الأرضِ بشعور الابن العائدِ إلى أرضهِ مثلما شعرتُ به خلالَ رحلةِ حجّي التي أديتُها في مدينة الخليل. إنني من عُشاق مدينة تل أبيب التي تُذهلني بتنوّع الحياة العاميّة فيها وبقدرتها المستمرة على إعادة تعريفِ نفسها بشكلٍ مُختلفٍ من وقتٍ لآخر، إلّا أنّها مدينةُ يافعةٌ جداً ، بالكادِ تبلغُ من العمر قرناً من الزمن إذا ما قارنّاها بتاريخِ الأرض اليهوديّة في الشرق الأوسط. أما في مدينةِ الخليل فالشعورُ مُختلفٌ كليّاً ، شعورٌ غامرُ بالاحتضانِ والحبّ من جميع اليهودِ الذينَ سبقوني لِتأدية الصلاةِ لإلهِ ابراهيم وسارة بكلّ لهجاتِ الشتاتِ اليهوديّ
إنني أكتبُ عن ” عودَتِنا ” للخليل، لكن في الحقيقة لم يُغادِر اليهودُ مدينة الخليلِ بمحضِ إرادتهِم في أي وقتٍ من الأوقات. تاريخياً، لَم تكُن علاقةُ اليهودِ بمدينة الخليل خلالَ الفترة التي سبَقَت نفي اليهودِ من هذه الأرض فقط، بل استمرّت علاقةُ اليهود بالخليل حتى في تلكَ الفترة التي أمضاها اليهودُ في الشتات، حيثَ كانَ الدليلُ على ذلك الارتباطِ العميق لليهود بهذه الأرضِ موجوداً في المقبرة اليهوديّة في الخليل، والتي أقيمَت خلال فترة العصور الوسطى، بالتحديد في القرن السادس عشر بالقرب من كنيسِ ” ابانا ابراهيم ” ، ذلكَ الكنيسُ الذي تم تدميرُهُ بعد مجزرة سنة 1929 ، فيما تمّ تحويلُها إلى زريبةٍ للحيواناتِ لاحقا. أما الثقوبُ التي وُجدَت على مداخل الأبواب فهي علامةٌ على وجودِ المزوزاتُ التي يُعلّقها اليهود على الأبوابِ عادة، والتي تم تمزيقُها وتحطيمُها هيَ الأخرى.

جاريَ العزيز ، كيف بإمكانِنا الابتعادُ عن مدينة الخليل ؟ إنني أتفهّم من ناحية عاطفية حجّة المستوطنين حينَ يطالبون بالعيش في مدينة الخليل ; إذ يُصرّون على أن اليهودَ لا يملكونَ أي جذورٍ في مكانٍ آخر من هذا العالمِ إن لم تكُن لهُم جذورٌ في مدينة الخليل.

ولسخريةِ القَدَر، فقَد كانَت مدينةُ الخليلِ سبباً لكُرهيَ لفكرة الاستيطانِ رغمَ أنّها كانَت سبباً من أسبابِ دعمي وتشجيعي لها. ففي ليلةٍ خريفِةٍ من ليالي سنةِ 1984 توّجهتُ إلى أحد شوارعِ الخليلَ لإعدادٍ تقريرٍعن أحدِ الاحتفالاتِ اليهوديّة التي تمّت هُناك ، حيث كانَت تلكَ الليلةُ التي تَلَت احتفالاً يهودياً يُطلق عليه ” سِمحات توراه “، وهوَ احتفالٌ سنويّ يحييهُ اليهودُ بالرقصِ والغناءِ حاملينَ لفائفَ التوراةِ بأيديهِم تعبيراً عن فرحِهِم الشديد بإتمامِ قراءةَ التوراة خلال ذلكَ العام. 
لقّد كان من المُفترضَ أن تنتهي الاحتفالاتُ في الليلة السابقة، إلّا أن بعضَ المستوطنين مدّدوا الاحتفال لِليلةٍ إضافيّة، فكانَ المستوطنونَ يرقُصونَ ويغنّون طيلةَ تلكَ الليلة أيضاً.

تعبّرُ هذهِ الاحتفالاتُ عن عادةٍ جميلةٍ تجمعُ ما بينَ الوقار والبهجةِ في الوقتِ نفسه، إلا أنّ ما حدثَ خلالَ هذا الاحتفال تلكَ الليلة لم يكُن مُبهِجاً على الإطلاق، إذ قامَت قواتُ الجيش الإسرائيليّ بإغلاق الطرُقِ والمحالّ التجاريّة وفرضِ حظر للتجوّل على المواطنينَ الفلسطينيين المُقيمينَ في تلكَ المنطقةِ حتى يتسنّى للمستوطنينَ إقامةُ هذا الاحتفال.

وفي مشهدٍ مُتناقضٍ من مشاهدِ تلكَ الليلة، شاهدتُ اليهودَ في الشوارع التي تمّ إخلاؤها من السكانِ الفلسطينيين وهُم يرفعونَ لفائفَ التوراةِ التي تحملُ بينَ طيّاتِها تذكيراً لنا بيومٍ كُنّا فيهِ غُرباءَ في مصر، الأمرُ الذي يفرضُ علينا أن نُعاملَ الغرباءَ بمنتهى العدلِ والإنصاف، حيثُ تؤكّدُ التوراةُ على فكرةِ تفهّم واحترامِ حاجاتِ الغرباءِ من خلالِ تِكرارِ هذه الآية أكثر من أي آية آخرى في التوراة، أكثرَ حتى من الآياتِ التي تحضّ على الإلتزام بيومِ السبت والإلتزام بالأكل الكوشير – الأكل الحلال حسبَ الديانة اليهودية – .
لقَد رأيتُ في حظر التجوّل ذاكَ مجازاً تعبيرياً عن الأضرار الكارثيّة التي يسبّبها الاستيطانُ، إنّها خطيئةٌ تتمثّل في امتِناعِك عن رؤية الواقع الذي يحيطُ بك، إذ تُصبحُ مُستغرقاً باحتفالِك وفرحِك بقصتك البطوليّة لدرجةٍ لا تجعُلك واعياً لعواقبِ ما تقومِ به، لدرجةٍ تمنعُك من رؤيةِ ما يدفعُهُ شعبٌ آخر كثمنَ لاحتفالِكَ وفرحِك.

جاريَ العزيز، إنني مؤمنٌ وبشدّة بحقيقةِ ارتباطِنا التاريخيّ والدينيّ بمدينة الخليل، بَل وبأرض إسرائيلَ المُمتدّة من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط. بالنسبة لي، فإنّ الضفة الغربية وقطاع غزة لا تعني ليَ أراضٍ محتلة، بَل هي أرضُ يهودا والسامرة، وهذا هوَ الاسمُ الذي أطلقهُ عليها أجدادُنا اليهودُ عندما عاشوا هُنا منذ نزول التوراة، بالتالي فإن اليهودَ الذي يسكنون يهودا والسامرة ليسو غرباءَ عن هذه الأرض. في الوقتِ نفسه ، فإنني – كالعديد من الإسرائيليين -على استعدادٍ تامٍ للتنازلِ واقتسامِ الأرضِ بيني وبينَك إذا ما اقتنعتُ بأنّ هذا سيقودُ إلى تحقيق السلام بيننا، وبأن اقتسامَنا للأرضِ لن يشكّل مصدراً للخطر الذي يهدّد أمني وسلامتي على هذه الأرض. بالنسبة لي وللكثير منَ الإسرائيليين الذينَ يدعمون حلّ الدولتين ، فإن شعورَنا بالأمنِ والأمانِ من قِبلِ الجانب الفلسطيني هو العاملُ الأكثر أهمّية في تحديدِ مصير الضفة الغربية وقطاع غزة، لا مدى ارتباطنا التاريخيّ والدينيّ بتلكَ الأراضي. بالنسبةِ لي أنا شخصياً ، فإن تهديدَ أمنِ إسرائيلَ هوَ السببُ الوحيدُ والشرعيّ الذي سيبدلّ من قناعتي ويجعلُني أحيدُ عن حلّ الدولتين وأرفضُ اقتسام الأرضِ بيني وبينك.

جاريَ العزيز ، كانَت سنة 1989 هي السنةُ التي التحقتُ فيها بجيش الدفاع الإسرائيلي ، أي الفترة التي بلَغَت الانتفاضة الأولى ذروَتها ، فيما تمّ إرسالي لأداء الخدمة العسكرية مع وحدةٍ من الجيش في مخيمات اللاجئينَ في قطاع غزة ، تلكَ المخيّماتُ التي كانَت عبارةً عن بيوتٍ مُهترئةٍ مسقوفة بقطع من الحديد المموّج والمُثبّت على أسطحِ البيوتِ بالحجارة والصخور الثقيلة ، فيما كانَت مياهُ الصرفِ الصحيّ تجري في الشوارع من خلالِ بعضِ الشقوق الصغيرة. وهُناك بالتحديد بدأتُ أدركُ معنى كلمة الاحتلال بالنسبةِ للشعبِ الفلسطيني ، إذ كنا نقتحمُ المخيماتَ في النهار بهدفِ
 ” إثباتِ وجودِنا ” – حيثُ كان الجيشُ يضعُ تواجدَنا هناك في هذا السياق – ، فيما كنا نقتحمُ البيوتَ ليلاً بحثاً عن أشخاصٍ مُشتبهٍ بهم بالقيام بأعمالِ عنفٍ ضد دولةِ إسرائيلَ أو أشخاصٍ لم يدفعوا فواتير الماء . حقيقةً ، لم نكُن نقومُ بمهامِ الجيشِ بقدرِما كُنّا نقوم بمهامّ الشرطة ، حيثُ كُنا نفرضُ على أولئكَ الناس احتلالاً بدا ليَ وكأننا سنعجزُ عن إيجادِ مبرّراتٍ لهُ معَ مرور الزمن.

إنني أذكرُ ما قُمنا بهِ في ليلةٍ منَ الليالي حينَ توّجهنا إلى أحدِ البيوتِ التي رُسمِ على جدارٍ من جُدرانِها رسوماتٌ غرافيتيّة مُعاديةٌ لدولةِ إسرائيل، طرَقنا بابَ ذلك البيت ففتحَ البابَ رجلٌ في الأربعينيّات من عمره بدا عليه الشعور بالنعاس ، فأمرناهُ بإزالة تلك الرسوم الموجودة على حائطِ منزله حالاً . خرجَ الرجلُ من بيتهِ وبدأ هوَ وأطفالهُ بدهانِ الحائطِ ليُزيلَ تلكَ الرسوم المُسيئةَ لنا فيما سلّطنا أضواءَ المركبة العسكرية باتجاه الحائطِ وراقبناهُمَ بصمت.

وفي موقفٍ آخر، ألقيَتْ في أحدِ الأيام قنبلةٌ يدويّة على الجنودِ الإسرائيليينَ بالقربِ من مداخلِ أحد الأسواق، وعلى الرغم من أنها لم تَنفجر إلا أن الأوامرَ التي أُعطيَتْ لنا كانت واضحة وصريحة : أغلقوا جميعَ المحلاتِ في ذلك السوق. توّجهنا إلى أصحابِ المحلّات والباعة طالبينَ منهُم بكلّ لباقةٍ إغلاقَ محلّاتهِم . لقد كنا نؤدي الخدمة العسكرية رغم أننا لَم نكُن صغاراً في السنّ ، بالتالي كانَ يعترينا الخجلُ والتردّدُ عندما كنا نتحدّث إلى أولئكَ الباعة، كوننا نتفهّم أن حالَنا يشبهُ حالهُم، فنحنُ وهُم بنهايةِ المطافِ آباءٌ نركضُ خلفَ لقمةِ العيش لنطعمَ أبناءنا ، إلا أن الباعةَ كانوا يتجاهلونَ أوامِرنا عندما كانوا يشعرونَ بتردّدُنا أثناء الحديثِ معهُم. فجأة ومن دون مقدّمات، جاءَ أحدُ ضبّاطِ الجيشِ إلى المنطقة، وبدون أن يتفوّهَ بأي كلمةٍ، توجهَ صوبَ أحد محلّاتِ الخُضار مُمسِكاً بصندوقِ ليمونٍ ثم حملهُ وألقى به على الأرض، وخلالَ ثوانٍ معدودةٍ أغلَقَت جميعُ المحلّات أبوابُها.

أمّا القصّةُ التي لطالَما علِقَت بمخيّلتي فكانَت عندما أحضِرَ مُراهقٌ فلسطينيّ مُتهٌم بإلقاء الحجارة إلى خيمتنا العسكرية داخلَ معسكرٍ من معسكرات الجيش. كان ذلك الولدُ سميناً بعض الشيء، تجمّع عددٌ من جنودِ وحدة حرسِ الحدود حولهُ بينما عيونهُ مغمّاةٌ، فيما أمرهُ أحدهُم بترديد هذه العبارة : ” واحَد حمّص واحد فول ، انا بحبّ مشمارغفول ” ، أي أنه يطلبُ من فلسطينيّ أن يعبّر عن حبه لوحدةِ حرس الحدودِ في الجيشِ الإسرائيليّ. ردّد الولدُ الفلسطيني تلك العباراتِ التي تنتهي بنفسِ القافية، فيما عمّ الضحكُ أرجاءَ المكانِ.

تبدو هذه القصةُ تافهّة بعض الشيء، فذلكَ الولدُ لم يتعرّضْ لأيّ تعذيبٍ جسدي، فيما كانَ سجّانوهُ – اولئكَ الشبّان الذين بدَت على وجوهِهم ملامحُ التوتّر والإرهاقُ – يضحكونَ على تلكَ النكتة، إلا أنّ المُشكلةَ في هذا الموقفِ تكمنُ في الفسادِ الأخلاقيّ الذي يُرافقُ وجودَ الاحتلال.

عندما جاءَ الوقت الذي سيؤدي فيه ابني خدمتهُ العسكريّة الإلزاميّة في الجيش الإسرائيلي، جلستُ وتحدّثتُ معهُ
 وقلتُ له قبلَ أدائهِ للخدمة العسكريّة : سوفَ تمرّعليكَ أوقاتٌ عصيبةٌ قد تضطرّ فيها كجنديّ لقتلِ أحدٍ ما، لكن إيّاكَ ثمّ إيّاكَ أن تُهينَ كرامة أيّ إنسانٍ مهما كانَت الظروف، فهذا مبدأ من أهمّ المباديء الأساسية في ديانتِنا اليهودية.

وعلى أيّ حال، فقَد خرَجنا كجيلٍ عاصرَ الانتفاضةَ الأولى حاملينَ قناعة راسخة بضرورةِ انهاء الاحتلالِ الإسرائيليّ للضفة الغربية وقطاع غزة، لا من أجلِ تحقيقِ حياةٍ أفضلَ لِلفلسطينيينَ فقط، بل من أجلِ حياةٍ أفضلَ للإسرائيليين أيضاً، حياةٌ نُحرّرُ بها أنفُسَنا من الاحتلالِ الذي يَستهزيءُ بكلّ ما نحملهُ من قيمٍ وأخلاقياتٍ كأمةٍ يهوديّة، قيمُ الرحمةِ والعدالةِ والتعاطُف، تلكَ المُثل العليا التي شكّلَت جوهرَ الحياةِ اليهوديّةِ لآلافِ السنين، العدلُ الذي نصّت عليها التوراةُ مرّتين بصريح العبارة : “الْعَدْلَ الْعَدْلَ تَتَّبعُ، لِكَيْ تَحْيَا وَتَمْتَلِكَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ” ، والرحمة التي لطالما وُصفنا بها نحنُ اليهود منذ الأزل ، كأبناءٍ رُحماءَ لآباءٍ رحَماءْ.

إنّ الاحتلالَ الإسرائيليَ للضفة وقطاع غزة هوَ أمرٌ يُدنّس الروحَ الإنسانيّة . أذكرُ أثناء تأديةٍ خدمَتي في قطاعِ غزة كيفَ كنتُ أشعرُ بالإهانة عندما كنتُ أسمع سخرية الجنود الإسرائيليّون من الواقع المأساويّ لبعضِ أحياءِ غزة ، مثلَ وصفهِم لأحد مخيمات غزة بـ ” أمستردام ” نظراً لنتشارِ قنوات الصرف الصحيّ بينَ زقاق ذلك المخيم ، فيما كانوا يصفون حيّا آخر في وسطِ المخيم بحيّ ” ديزينغوف ” في تل أبيب. لم أستَسِغ تلك العبارات في بدايةِ خدمتي العسكريّة ، إلا أنني سرعانَ ما وجدتُ نفسي أردّدُ تلك العباراتِ بعد أسبوعين من الخدمة العسكريّة، مُنضمّاً إلى بقيّة الجنود في السخرية من واقعِ قطاع غزة المأساويّ.

جاريَ العزيز ، لربّما تسألُ نفسكَ هذا السؤال المُحيّر : لماذا يُحدّثني هذا الإسرائيليّ ” المُحتلّ ” عَن معنى الاحتلال ؟ 

إنني يا جاريَ العزيزُ أحدّثِكَ عن تجرُبَتي ” كمحتلّ ” لسببٍ بسيط ، وهوَ إيماني بأنه إذا ما جاءَ ذلكَ اليومُ الذي سيتعايشُ فيها الشعبان الإسرائيليّ والفلسطينيّ كجيرانٍ يتمتّعونَ بحقوقٍ متساوية ، فإنه من الضروريّ أن نُحدّثَ بعضَنا بعضاً عن تلكَ المحنِ والمصاعبِ التي مررنا بها وعايشناها معاً خلالَ وجودِنا على جانبين مُختلفينِ من تلكَ التجارُب.

حقيقةً ، فقَد علّمَتني تجربتي في غزة شيئاً آخر ، وهوَ أنّ الحلمَ الفلسطينيّ لا يتضمّن بين طيّاتهِ زوالَ الاحتلالِ الإسرائيليّ من الضفةِ وقطاع غزة فقط ، بَل زوالَ إسرائيلَ بأكملِها من الوجود. لقَد رأيتُ هذا الحلمَ جلياً في الجداريّات والرسوماتِ الغرافيتية التي تتوعّد اليهود بالذبح، رأيتهُ في أكثر الرسوماتِ انتشاراً على جُدران غزة، رسوماتٌ لسيوف وسكاكين مغروسةٍ في قلبِ خريطةِ إسرائيلَ بينما يسيلُ الدم ويتقاطرُ منها.

لقد كانَ لي صديقٌ قديمٌ خدمَ معي في نفسِ الوحدة يُدعى شمعون ، وهوَ صديقيَ الاثيوبي الذي حدثتكَ عنهُ في الرسالةِ السابقةِ والذي لا زالَ يعرجُ على قدمهِ حتى اليوم نتيجةً لاعتداءِ جنديّ سودانيّ عليه بينما كانَ في رحلةِ العودة إلى أرض إسرائيل. حقيقةً ، فإن صديقي شمعون لا يُشاركني طريقةَ التفكير نفسِها التي ترى الواقع من زوايا مُختلفة ; إذ كانَ كلّ همّه في تلك الفترة هوَ أن يُدافعَ عن دولتهِ وعائلتِهِ ويَمنع تحقيقَ الحُلمِ الغزاويّ بإزالة إسرائيل من الوجود ، وهذا ما أدركهُ شمعون خلالَ خدمته هُناك أيضا ، حيث قال لي في أحد الأيام: ” إنّهُم يريدونَ إزالَتنا من الوجود ، يريدونَ إعادتنا إلى مخيماتِ اللجوءِ في السودان ” . لقد تجلّت غايةُ شمعون من الخدمة في الجيش الإسرائيلي في عدم السماحِ لشعبِ غزة بتدمير الحلمِ الذي حققهُ يهودُ إثيوبيا بالعودة إلى أرضِ صهيون.

جاريَ العزيز ، لقَد تنوّعَت مخاوفي خلالَ تلكَ التجاربِ ، ما بينَ مخاوفَ أخلاقية ومخاوفَ وجودية ، فيما بدَت لي جميعُها مخاوفَ مبرّرة وضروريّة ، كونَها نتجَت كرَدّ فعلٍ لمعضلتنِا في غزة بشكل خاص ، ومُعضلةِ القضيّة الفلسطينية بشكلٍ عام. إنني أؤمنُ في رغبة التاريخَ اليهوديّ بإرسالِ رسالةٍ مهمّة إلى هذا الجيل الإسرائيليّ الذي عاصرَ الانتفاضة الأولى بالتحديد، رسالةٌ تطلبُ من ذلكَ الجيلِ الإلتزامَ بهاتين الوَصيتين مهما كلّف الثمن : فالوصيّة الأولى تحثّنا على عدمِ نسيانِ اليومِ الذي كنا فيه غرباءَ في أرضِ مصر ، بالتالي يجبُ علينا أن نكونَ رحماءَ في التعامل مع غيرنا. أما الوصيّة الثانية فتحثّنا على عدمِ نسيانِ الواقع المُحيطِ بنا ، ذلكَ الواقعُ الذي يشيرُ إلى أن الإبادةَ الجماعية بحقّ اليهود هيَ أمرٌ مُحتملٌ في كل وقتٍ من الأوقات، بالتالي يجب علينا أن نكونَ متيقّظين جدّا، لهذا يا جاريَ العزيزُ، عندما يقولَ لكَ عدوّكَ اللدودُ بأنه ينوي إزالتكَ من الوجودِ ، يجبُ عليكَ أن تأخذَ كلامَهُ على محملِ الجدّ.

في الواقع ، فإنّ انطباقَ هاتين الوَصيتين المُستخلَصَتين من التاريخ اليهوديّ على الصراع الفلسطيني الإسرائيليّ يجعلُ معضلتي أكثر تعقيداً، فذلكَ الغريبُ الذي أقومُ باحتلالهِ والذي أوصَتني التوراة بأن أكونَ رحيماً معهُ يُحاولُ إزالّتي من الوجود، الأمرُ الذي يزيد من حيرتي، إذ كيفَ يجبُ عليّ أن أنظرَ إليكَ يا جاريَ العزيز: هَل أنظرُ إليكَ كَضحيّة أم كَشخصٍ يريدُ أن يَجعلَني ضحيّة ؟

وفي سنةِ 1992 انتُخبَ اسحق رابين زعيمُ حزب العمل الإسرائيليّ كرئيسٍ للوزراء ، فيما كانَ شعارُ رابين في الحملة الانتخابية : ” فلتَخرُجْ تل أبيبَ من غزة وغزة من تل أبيب ” ، بمعنى آخر ، كانَ برنامجهُ الانتخابيّ قائِماً على الانسحابِ الإسرائيليّ من قطاع غزة ، الأمرُ الذي هزّ مشاعري بعمقٍ حينها، فها هوَ رئيسُ أركان الجيش الإسرائيليّ في حرب الأيام الستة يعودُ مُجدّداً إلى الساحة السياسة ويتبوءُ منصباً مرموقاً في الحكومة الإٍسرائيليّة ويُحاولُ إخراجَنا من ذلك المأزق الذي وضَعَنا فيه عندما كانَ شابًا صغيراً. إنني أذكرُ جيّداً ليلةَ انتخابِ رابينَ كيفَ انهمرَت من عينيّ دموع الارتياح ، إذ ها هيَ فُرصتنا الحقيقيّة لإنهاءِ الاحتلال.

وبعدها بسنةٍ تقريباً، عندما تصافحَ اسحق رابين وياسرعرفات في باحةِ البيتِ الأبيضِ مُعلنين عن انطلاقِ مباحثاتِ أوسلو للسلام، تبادرَ إلى ذهني سؤالٌ مؤلم: هل ما يحدثُ الآن هوَ خطوةٌ على طريق السلامِ أم أننا نرتكبُ خطأً من أفظع الأخطاء التي سنرتكبُها عبر التاريخ؟ 

لقَد أفنى ياسرعرفات حياتهُ في سبيلِ تدمير دولةِ إسرائيل ونزعِ شرعيّتها، إذ لم تتلطّخ يدا أحدٍ بالدم اليهوديّ من أبناء ذلك الجيل أكثر من يَدي ياسرعرفات ، لكن إذا أرادَ إسحق رابين المراهنة على ياسرعرفات كشريكٍ للسلام، فها أنا أراهنُ على ياسر عرفات أيضاً.

بطبيعةِ الحال، نجحَ ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية – التي أصبحت تُعرفُ لاحِقاً بالسلطة الفلسطينية – في إقناع الشعب الإسرائيلي شيئاً فشيئاً بأن دبلوماسيّة الفلسطينيين كانَت في الحقيقةِ سيفاً مُسلّطاً على رقابِ الإسرائيليين. لقد خلقَ عرفات لغةً دبلوماسيّة خاصةً به، إذ كانَ يتحدّثُ لقناة “السي أن أن” عن سلامِ الشجعانِ، بينما يُحرّضُ شعبَهُ على خوضِ الحربِ المقدّسة مع الإسرائيليين، في الوقت الذي صعّدَت فيه حركةُ حماس من وتيرة هجماتِها تجاه المدنيين الإسرائيليين. 
ولطالَما حَذّرَت أجهزةُ المخابراتِ الإسرائيليّة اسحق رابين من حقيقةِ عرفات وتشجيعِه في الخفاءِ لِحركةِ حماس على القيام بالمزيدِ من الهجماتِ تجاه إسرائيل ، حيثُ كانت سياسةُ ياسر عرفات المزدوجةُ تتلخّصُ في الآتي : ينجحُ عرفات في السيطرةِ على الضفة وقطاع غزة عن طريق المفاوضات ، بينما تستمرّ حركةُ حماس بتنفيذ هجماتِها تجاهَ إسرائيل.

لقد مثّلَ خطابُ ياسرعرفات في مسجدِ جوهانسبورغ نقطة تحوّل كبيرةٍ بالنسبة للكثيرمن الإٍسرائيليين ، حيثَ كان ياسرعرفات حينَها يتحدّث بمنتهى الصراحة ودون أي حضورٍ إعلامي في ذلك المسجد ،إلا أن أحدَ الصحفيين نجحَ في تهريبِ جهاز تسجيلٍ صوتيّ إلى داخل المسجد وقام بتسجيل خطاب عرفات ، حيثُ اتضّح أن عرفات كانَ يؤكّدُ لمنتقديه في العالمِ العربي بأنه لا يَملكُ أيّ نيّةٍ حقيقيّةٍ لصنعِ سلامٍ مع إسرائيل ، وأن السببَ الوحيدَ لدخولهِ في محادثاتِ السلام هو حالة الضعفِ الفلسطينيّ التي جعلَتهُم عاجزينَ عن تهديد أمن إسرائيل في تلك الفترة ، كما اعتبرَ عرفات في تلكَ التصريحات مباحثات أوسلو مجرّد فترة تهدئةٍ مع الإسرائيليين، وأن هذه التهدئة سيتمّ خرقُها في الوقتِ المناسِب .

تسرّبَت تصريحاتُ عرفات تلكَ للإعلام واحتلّت عناوينَ الصفحات الأولى في الصحافة الإسرائيلية، فيما حاولَ المدافعونَ عن عرفات إقناع المُجتمع الإسرائيليّ بأن عرفات كان يحاولُ تضليلَ الجماهيرالعربية والفلسطينية من أجلِ إقناعهِم بقبولِ مباحثات أوسلو، لكنّ التبعات المُتراكمة لتصريحاتِ عرفات عمّقَت من المخاوفِ الإسرائيلية من امكانيّة تلاعبِ عرفات بهم من جهة، واستحالةِ الشعور بالأمانِ من جانبِ ياسر عرفات من جهةٍ أخرى.

وكأي إسرائيليّ آخر، بدأتُ قناعَتي تترسّخ تدريجياً بأنهُ تم استغفالُنا وتضلُيلُنا من قبل الفلسطينيينَ، وبأنّ عرفات لم ينوي بأي شكلٍ من الأشكال الوصولَ إلى حلّ الدولتين، وحتى لو كان عرفات يفكّر بحلّ الدولتين، فهو يفكّر به ليكونَ مقدّمةً لحلّ الدولة الواحدة التي تقضي على طموح الإسرائيليين بتحقيق أي سيادة على الأرض . ومن وجهة ِنظر الكثير من الإسرائيليين، فإن الانسحابَ من الضفة الغربية وقطاع غزة يعني المزيدَ من العنفِ الموجّهِ ضدّ إٍسرائيل، الأمرُ الذي عزّزَ من قناعةِ اليمينُ الإسرائيلي القائمة على أنّ التنازلاتَ التي قدّمها الإسرائيليون أدّت بالنهاية إلى تصاعدِ وتيرة العنف الموجّه ضدّهُم من قبلِ الفلسطينيين.

وخلالَ دعمي لجهودِ السلام المُضنية آنذاك ، فقد خالفتُ أحدَ الدروسِ الدينية التي تعلمناها عبر التاريخ اليهودي والتي تأمرُنا بألا نكونَ سُذّجاً ، إذ كنتُ ساذجا عندَما اعتقدتُ بأنّ الفلسطينيينَ يتحدّثون عن السلام في الوقتِ الذي كانوا يُخطّطونَ فيهِ لِلحرب، وبينَما كانوا يُخطّطونَ للوصولِ إلى دولةِ فلسطين الكبرى، كنتُ أتخيلُ أرضَ فلسطينَ التي تتسعُ لدولتين.

جاريَ العزيز ، لا تزالُ الروايةُ الفلسطينيّة الرسميّة التي يُجمعُ عليها الشعبُ الفلسطينيّ بأكملهِ تُصَوّرُ هذا الصراعَ على أنّهُ حربُ بينَ السكانِ الفلسطينيين الأصليين والمُستعمرينَ الصهاينة ، وبأنّ قدرَ المُستعمرِ في نهايةِ المطافِ هو الرحيلُ عن الأرضِ التي اغتصبَها، وهذه أحدُ المُسلّماتِ التي أثبتها التاريخ المُعاصرُ وأكدت عليها قيمُ ومباديء العدالة، بالتالي فمن وجهة نظر الفلسطينيين فإن تل أبيب لا تقلّ أهميّة عن غزة ، وهُنا يكمنُ أحدُ الاختلافاتِ الجوهريّة في الطريقة التي يُصوّر بها كلّ طرفٍ من الأطرافِ هذا الصراع ، فالمنظور الذي ينظرُ به الجانبُ الإسرائيليّ لهذا الصراع يصوّرهُ على أنّهُ اختلافٌ بينَ حَرَكتينِ وَطنيتينِ شرعيّتينِ تحاربانِ بعضهُما بعضاً في صراعٍ مأساوي دامٍ.

لقَد وَصَفَ الروائيّ الإسرائيليّ أ.ب. يهوشوع الصراعَ الإسرائيليّ الفلسطينيّ على أنّهُ صراعٌ ” بينَ الحقّ والحقّ ” ، الأمرُ الذي جعلني أطرحُ هذا السؤالَ المُحيّرَ يا جاريَ العزيز : أينَ أجدُ روائياً من الجانبِ الفلسطينيّ يصفُ هذا الصراع بمثلِ هذا الوصف؟ أينَ أجد أ.ب. يهوشوع الفلسطينيّ ؟! إذ يحيّرني هذا السؤال لأنك إذا ما تصفحّتَ الإعلامَ الإسرائيليّ فإنّكَ ستجدُ آلافَ المقالاتِ التي كانَت ولا زالت تُطالبُ المجتمعَ الإسرائيليّ بمواجهة الواقع والاعترافَ بالتنافس بين روايتين شرعيّتين لهذا الصراع. إنني أتفهّم أيضاً أنّ رؤية الجانبِ الآخر من أيّ صراعٍ والاعترافَ بروايةِ الخصمِ هوَ أمرُ سهلُ على المُنتصرِ صعبٌ على المهزوم ، إلا أنني وخلالَ تتبّعي منذ فترة طويلة للإعلامِ الفلسطيني بمُختلفِ توجّهاتِهِ السياسيّة، لم أجد مقالة واحدة لكاتبٍ فلسطينيّ أو رئيس تحريرٍ لجريدةٍ فلسطينيّة تطالبُ بإعادة النظر في الأسلوب الذي ينظرُ به الفلسطينيون للرواية اليهوديّة ، لم أجد مقالةً واحدةً تطالبُ بتغييرذلكَ النهجِ بين وسائل الإعلام الفلسطينية المُنشغلةِ بمهاجمة الجانبِ الإسرائيلي والتنكّرِ لروايتهِ التاريخيّة والسخريةِ منها.

وبطبيعةِ الحال ، فقَد أدركَ المُجتمعُ الإسرائيليّ – بما فيه العديد من نشطاءِ اليسار- الحقيقةَ القائلةَ بأن هذا الصراع سيستمرّ مهما قدّمَت إسرائيلُ من تنازلات ، فيما باتَ الإسرائيليّون على قناعةٍ تامّة بأن الحركة الوطنية الفلسطينيّة لا تطمحُ إلى تصحيح ما جرى بعد حربِ 1967 من احتلالٍ للضفة الغربية وبناءٍ للمستوطنات ، بَل تطمحُ إلى تصحيح ما جرى بعد حرب 1948 ، إي إزالة إسرائيل من الوجود ، وتلكَ حقيقةً مؤلمةٌ ومُحزنةٌ لنا نحنُ الإسرائيليّونَ الذين لا زالَوا يؤمنُونَ بحلّ الدولتين.

جاريَ العزيز ، إنّ هذا الصراع القائمَ بيننا صراعٌ غير متناسقٍ أبداً ، صراعٌ مليءٌ بالتناقُضات ، إذ تمثّلُ إسرائيلُ القوّة العُظمى في منطقة الشرق الأوسط ، في حين يمثّلُ الفلسطينيون أضعفَ القوى في هذه المنطقة . من ناحية أخرى ، فإنّك كفلسطينيّ تشكّلُ جزءاً من أمّة عربيّة وإسلاميّة ، في حين أن دولةَ إٍسرائيلَ تُجابهُ وحدَها في هذه المنطقة ، وهذه هي التناقُضاتُ البارزةُ ، فإذا ما نظرنا للاختلافاتِ السياسيّة داخل كلّ مجتمعٍ فإننا سنجدُ العديد من التناقُضات الجانبيّة الأخرى.

يَعتبرُ الإسرائيليون الداعمونَ لحلّ الدولتين أنّ تقسيمَ الأرضِ بينَ الشعبين هوَ الوسيلةُ الوحيدة لإنهاءِ الصراع، إلا أنني – وبناءاً على تجربةٍ طويلةٍ مع الفلسطينيين – أدركتُ بأن الفلسطينيينَ الداعمين لحلّ الدولتين يعتبرونَ أنّ هذا الحلّ هو حلّ مؤقتٌ نتيجةً لضعفِ الفلسطينيين حالياً، وأنه سوفَ يُستبدلُ بنهايةِ المطافِ بحلّ الدولةِ الواحدة ذات السيادة الفلسطينيّةِ على كامل الأرض، دولةً يتواجدُ فيها اليهود كأقليّة، على فرضِ وُجدَ فيها اليهود أصلاً ، فيما سيصلُ الفلسطينيونَ إلى هذا الحلّ بمُجرّدِ عودة اللاجئينَ الفلسطينيين إلى ديارهِم وتلاشي دولةِ إسرائيل شيئاً فشيئاً. بمعنى آخر. في الوقتِ الذي يعتبرُ فيهِ المُعتدلونَ الإسرائيليون السيادة الفلسطينيّة حاجةً مُلحةً وشكلاً من أشكالِ العدالة ، يرى المُعتدلونَ الفلسطينيونَ السيادةَ الإسرائيليّة ظُلماً لا مفرّ منه.

إنّ المُتتبعَ لتاريخ المنطقة بدءاً من ثلاثينياتِ القرنِ المُنصرمِ حتى يومنا هذا ، لن يجدَ أيّ حركةٍ وطنيةٍ رفضَت عروضاً ومُقترحاتٍ بإقامةِ دولةٍ ذات سيادةٍ كالحركةِ الوطنيةِ الفلسطينية ، وهوَ رفضٌ نستطيعُ تفهّمه إذا ما فسّرناهُ من مُنطلقِ الفهمِ الفلسطيني للحركة الصهيونية ; إذ طالَما استمرّ اعتقادُ الفلسطينينَ بأنّ دولةَ إسرائيلَ هيَ الشيطان الأعظَم ، فإنني أتفهّم منطِقَهُم بضرورةِ قتلِ ذلك الشيطان ، كما لَن يكونَ وصولُ الفلسطينيينَ لفهمٍ متزنٍ لهذا الصراع أو تقديمُهُم تنازلاتٍ حقيقيّة للجانبِ الإسرائيليّ أمراً ممكناً طالَما واصلَ الإعلامُ الفلسطيني والنظام التعليميّ وحتى المساجدُ نشرَ تلكَ الرسالةِ التي تُصرّ على شيطنةِ الجانب الإسرائيليّ وتصوير الحركة الصهيونيّة على أنها الشيطان بحدّ ذاتِه.

لذلكَ يا جاريَ العزيز ، هلّا تخبُرني ماذا كنتَ ستفعلُ لو كنتَ مكاني؟ هَل ستنتهزُ الفرصةَ وتنسحبُ من الضفّة الغربيّة وتُعيدَ حدودَك إلى الوراء مانِحاً ثقتَك وأرضَكَ لغريمِك الذي يقودُ حركةً وطنيّة ترفضُ الاعترافَ بحقّك في الوجود ؟ 
هَل كنتَ ستُجازفُ بِقُدرتِكَ على الدفاعِ عن نفسِك أو حتى ستخاطرُ بوجودكَ بأكملهِ في سبيلِ تمكين ذلك العدوّ وتقويةِ 
جانبِه ؟ وهَل كنتَ ستقومُ بأيّ من هذه الِتنازُلاتِ إن كنتَ محاطاً بدولٍ تشتعلُ من حولِك؟ 

إن اقتناعيَ التامَ بأنّ التنازلاتَ التي قدّمتُها وسأقدّمها للجانبِ الفلسطيني ستَنقلبُ عليّ عاجِلاً أم آجلاً يَجعلني عالِقاً بين مُطالبتي بحلّ الدولتين وتشبّثي بالوضع القائم . في الوقتِ نفسه ، فإنني لا أستطيعُ الاستمرارَ بهذا الحالِ الذي يبدو فيهِ وكأن أزلية الصراع ستحكُم طبيعة العلاقة القائمة بيننا إلى الأبد. 

إننا عالقونَ يا جاريَ العزيز في حالةٍ تبدو وكأنها دوّامة من اليأسِ، اليأسِ فقط ، فلا تُصدّق من يقولُ لكَ بأنّنا عالقونَ في دوامةٍ من العُنف ، كونهُ – بنظري – تعبيرٌ ساذجٌ لا يُفسّر أي سببٍ من أسبابِ استمراريّة هذا الصراع ولا يُفسر حتى كيفيّة انتهائه.

إننا عالقون فعلياً في دوّامةٍ من ” التجاهُلِ ” ، حيثُ يتجاهلُ شعبُكَ شرعيّة شعبي وحقّهُم في تقرير مصيرهِم، فيما يتجاهلُ شعبي حقّك وحقّ شعبكَ في تحقيق سيادةٍ وطنيّة على أرضِه . إنّ دوامةَ التجاهلِ تلكَ تعرّفُ تواجُدُنا المُشتركَ فوق هذه الأرض على أنّهُ استحالةٌ لوجودِ علاقةٍ تقاربٍ بيني وبينَك ، فيما يشكّل العنفُ والكتمانُ والغضبُ واليأسُ ملامح هذا التواجد المُشتركِ ، وهذه هيَ الدوامةُ التي لن نَخرُجَ مِنها إلا إذا قرّرنا اختراقها معاً يا جاريَ العزيز.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.