جاريَ العزيز ،

تُصادِفُ اليومَ ذكرى استقلالِ دولةِ إسرائيلَ ، وبهذهِ المناسبةِ العظيمةِ تكتسي تلّتي بردائِها المرصّعِ بأكثرِالألوانِ تعبيراً عن الانتماءِ الوطني الإسرائيليّ: الأبيض والأزرق. في هذا اليوم ترى الكثير من الأعلامِ الصغيرة ترفرفُ من نوافذِ السيارات، حيثُ يتباهى البعضُ بتعليقَ علمينِ لا علمٍ واحدٍ، فيما ترى العديدَ من الأعلامِ الضخمة ترفرفُ من على شُرفاتِ المنازِل.

لقد لخّصَتْ سبعةُ عقود ماضيّة من عُمرِ استقلالِ دولةِ إسرائيلَ العديدَ من الأحداثِ والتحوّلاتِ التاريخيّة الهامّة، فخلالَ هذه الحُقبةِ الزمنيّةِ انتقلنا من كونِنا مُجرّدَ شبّانٍ يهود يعملونَ في الزراعةِ مُكرّسينَ – إلى حدٍ ما – كلّ وقتهُم وجهدهُم للعبادات، إلى إسرائيليينَ يعيشونَ عصرَ ما بعد الحداثة الذي يتجلّى في أبهى صورهِ في المجمّعاتُ التجاريّة الضخمةُ والتكنولوجيا وعُروضِ “تلفزيون الواقع”. لقَد انتَقلنا من كونِنا مُجتمعاً زراعيّاً فقيراً ذا اقتصادٍ راكدٍ إلى واحدٍ من أهمّ القوى الاقتصاديّة في العالم، اقتصادٌ يضمّ عدداً هائلاً من شركاتِ التكنولوجيا الإسرائيليّة الحديثة، فيما انتَقَلنا من نمطِ حياةِ مخيماتِ وملاجيء اللاجئينَ اليهود إلى نمطِ حياة تل أبيبَ ذات ناطحاتِ السّحاب الزجاجيّة الضخمة، وِمن كونِنا أكثر المُجتمعاتِ تطبيقاً للمساواة مقارنةً بالمجتمعاتِ الغربية، من خلالِ الفارقٍ البسيطٍ بين راتبِ رئيسِ الوزراء الإسرائيلي وراتب عاملِ النظافة الذي ينظّفُ مكتبهُ سابقاً، إلى واحدٍ من أكثرِ المُجتمعاتِ الغربيّة التي تتباينُ فيها الرواتبُ والأجورُ حاليّاً. انتقلنا من كونِنا دولةَ إسرائيلَ الصّغيرةَ المُوقّرة التي كانَت تتبنّى نمطَ حياةِ “الكيبوتز” الإشتراكيّ ، إلى دولةِ ” إسرائيلَ العُظمى ” ذات السمعة السيئة بعد تبنّيها سياسة بناءِالمستوطناتٍ في الضفّة الغربيّة.

إن أعظمَ الانجازاتِ الإسرائيليّة تمثّل في تعدادِها السكانيّ الذي تجاوز ثمانيةَ مليون مواطن إسرائيليّ ، فيما يُشكّل تعداد السكان العرب من مجموعِ سكّان إسرائيل قرابةَ المليوني عربيّ ، كما ويعيشُ في إسرائيلَ أكبرُ مجتمعٍ يهوديّ في العالم والذي يضمّ قرابةَ نصفَ سكّانِ اليهودِ في العالم، وإذا ما استمرّت المؤشّراتُ السكّانية كما هيَ عليهِ حاليّاً ، فإنّ الغالبيةَ العُظمى من يهودِ العالمِ ستكونُ في دولةِ إسرائيل قريباً ، وهوَ أمرٌ يُبرزُ الفارقَ المهولَ بين تعدادِ إسرائيلَ اليوم ، وتعدادِها عند تأسيسها عام 1948 ، إذ كان عددُ مواطني إسرائيلَ آنذاك نصف مليون نسمة فقط.

جاريَ العزيزُ، عندما تعبرُ المروحيّاتُ إسرائيليّة من فوقِ تلّتك ينتابُني شعورٍ بالراحةِ الشديدة، شعور بوجودِ مَن يُوفّر ليَ الحماية في هذا اليوم بالتحديد، كونهُ أحدَ أكثرِ الأوقاتِ ” إغراءاً ” لمَن يَرغبُ بتنفيذِ اعتداءاتٍ ضدّ دولةِ إسرائيل. إلا أنني في اللحظةِ نفسهِا أفكّر بك : كَم هوَ مريعٌ ومخيفٌ صوتُ هديرِتلكَ المروحيّاتِ وهيَ تحلّق فوق بيتك ، بلا شكّ ستشعُرُ أنتَ وأطفالُك بالذعر عند سماعكُم هديرَ تلكَ الطائراتِ ، وهنا تتمثّلُ اللعنةُ في طبيعةِ العلاقةِ القائمةِ بيني وبينِك :
ما يُشعِرُني بالحمايةِ يُشعِرُكَ بالوَهَن ، أمّا يومُ احتفالي بالانتصار فهو يومُ ذكرى هزيمتِك.

إلّا أنّ العكسَ صحيحٌ أيضاً يا جاريَ العزيز، فأحياناً تكونُ الكوارثُ التي تحلّ بي سَبباً لسعادةِ بعضِ جيرانيَ الفلسطينيين; إذ كنتُ أرى الألعابَ الناريّةَ تُضيءُ سماءَ تَـلّـتِكَ ابتهاجاً بما قامَ بهِ حزب اللهِ عندما أطلقَ عشراتِ الصواريخَ باتّجاهِ القرى الإسرائيليّة في الشّمال، كما رأيتُ الشيءَ نفسهُ عندما أطلقَت حركةُ حماس عشراتَ الصواريخ تجاهَ الأراضي الإسرائيليّة في الجنوبِ .

وفي هذا اليوم المُميّز قمنا أنا وزوجتي سارة بدعوةِ عائلتينا ومجموعةٍ من أصدقائِنا للاحتفالِ بعيد استقلالِ دولةِ إسرائيلَ في منزلِنا، كنزهةٍ صغيرةٍ في حديقة منزلنا المغطاة بالعشب، فيما كنا نشاهدُ نفس المُسلسلات الإسرائيليّة الكوميديّة القديمة على شاشةِ التفاز والتي نشاهِدُها في ذكرى يوم الاستقلالِ من كلّ عام . إننا نشعرُ في هذا اليوم بالتحديد بعدمِ وجودِ أي سببٍ يدفعُنا للخروجِ من منزلِنا على الإطلاق ، فهذا هو اليومُ المناسبُ للتعبيرعن حجمِ ابتهاجِ المرءِ وسرورهِ عندما يكونُ في بيتِه.
بالأمسِ حلّت ذكرىً حزينةٌ نستذكرها كل سنة ، وهي ” يومُ الذكرى ” ، إذ نستذكرُ في اليوم الذي يسبقُ يومَ الاستقلال جنودَنا الذينَ سقطوا في سبيل إقامةِ دولةِ إسرائيل. إنّ هذا التسلسلَ في حلولِ هاتين المناسبتين يعبّر عن مدى الاستقطاب العاطفيّ لدى الأمّة اليهوديّة، كما أنّ هناكَ معنىً آخرَ لاستذكارِ مناسبةٍ حزينةٍ من ثمّ الاحتفال بمناسبةٍ سعيدة ، وهوَ الإصرارُ على عدمِ نسيانِ الثمنِ الباهظِ الذي دفعناهُ في سبيلِ تحقيقِ استقلالِنا.

يظنّ الكثيرونَ بأنّ أشدّ الأوقاتِ حُزناً في هذهِ البلادِ هو ذكرى الهولوكوست – التي استذكرناها الأسبوع الماضي – ، وهذا ليسَ صحيحاً على الإطلاق. إنّ أشدّ اللحظاتِ حُزناً في هذه الدولة هوَ يومُ الذكرى ، كونهُ يعيدُ إلى ذاكرتنا حقيقةً مهمة : أنّ هذه أرضٌ يجبُ على الآباءِ أن يَدفنوا فيها أبناءَهُم أحياناً حتى تظلّ تلكَ الأرضُ على قيدِ الحياة. إننا نستذكرُ في ذكرى الهولوكوست حجمَ الأسى الناجمَ عن عدمِ امتلاكِنا لِلقوّة، أما في يوم الذكرى فإننا نستذكرُ حجمَ الأسى الناجمَ عن امتلاكِنا للقوّة.

جاريَ العزيز ، إنّ اختفاءَ الكلماتِ اللطيفةِ المُنمّقة من الخطاباتِ الوطنيّة في يومِ الذكرى هو أمرٌ استثنائيّ يحدثُ فقط في دولةٍ تعيشُ تحتَ تهديدٍ متواصلٍ من جميعِ الجهات . ففي هذا اليوم نبثّ أغاني الحزنَ والرثاءَ ، فيما نبثّ الأفلامَ القصيرةَ على التلفازِ والتي يُركّزُ كلّ منها على قصّة من قصصِ اولئكَ الشّبانِ الذينَ رحلوا قبلَ أوانهِم ، أفلامٌ تتحدّثُ عن قصصِ انسانيّة لا قصصَ وطنية ، كما تعبّر تلكَ الأفلامُ الوثائقيّة عن حبٍ عميقٍ لهذه الأرضِ ، كتعبير انسانيّ يخلو من أيّ تمجيدٍ لتلكَ التضحيّة. صحيحٌ بأننا نستذكرُ هؤلاء الشبّان كونهُم أبطالاً، إلا أننا نستذكرهُم أيضاً لأنّهُم أبناءٌ وإخوةٌ وأصدقاءُ قبلَ كلّ شيء. عندما يسقطُ جنديّ منّا، فإننا نحيي ذكراهُ وكأنما نحيي ذكرى طفلٍ صغير.

هناكَ بلا شكّ ذكرى أليمةٌ أخرى تتلو احتفالَنا بعيد استقلالِ دولةِ إسرائيل : إنّهُا ذكرى يومِ النكبة الفلسطينيّة ، نكبةِ سنة 1948. إنّها الذكرى الأليمةُ التي لا تعني ذكرى احتلالَ الضفّة الغربيّة وبناءَ المستوطناتِ سنة 1967 ، بل الذكرى التي خلّفَها قيامُ دولةِ إسرائيل، الذكرى التي شكّلَت المصدرَ الرئيسيّ لشعور الفلسطينيين بالضيمِ والظلمِ نتيجة لقيامِ كيانيَ الوطنيّ، دولةِ إسرائيل.

ولهذا يا جاريَ العزيز ، قبلَ أن نناقِشَ كيفيّة الوصولِ إلى حلّ الدولتين استناداً إلى حدود 1967، علينا العودةُ أوّلا إلى سنة 1948 ، ولنكونَ واقعيينَ أكثر ،علينا أن نعودَ إلى فترةٍ أبعد قليلاً ، للفترة التي مثّلَت فعلياً أساسَ هذا الصراع ، وأقصد هُنا سنة 1882 ، عندما وصلَت أولى الجماعاتِ الصهيونيّة إلى أرضِ إٍسرائيلَ عبرَ مرفأ ياف، فالرجوعِ بالزمنِ إلى تلكَ الفترة سيمكُننا من فهمِ الروايتين التاريخيّتين اللّتينِ تنافسانِ بعضَهُما بعضاً ، هاتانِ الروايتانِ اللتين حاولَ الدبلوماسيّون تجاهُلهُما في خضمّ مساعيهِم للبحث عن حلّ لهذا الصراع ، الأمرُ الذي جعلَ تلك المساعي والمحاولاتِ تبوء بالفشل دونَ أدنى شكّ.

جاريَ العزيز ، إنني أنظرُ الآن إلى ألبومُ يضمّ صوراً للأراضِي المقدّسة، حيثُ يعودُ زمنُ الصور الموجودةِ في هذا الألبومِ إلى آواخرِ القرنِ التاسع عشر، حينَ خضعَت هذهِ الأرضُ لحكم العُثمانيين، بالتحديد فترةَ حُكمِ السلطان التركيّ الراحل عبد الحميد الثاني الذي حكمَ الامبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر والذي أمرَ شخصياً بالتقاطِ هذه الصور، إذ تُجسّدُ تلكُ الصورُ حالة الأراضي المُقدّسةِ قبلَ أن يظهرَ أي وجودٍ صهيونيّ عليها.

وفي هذا الألبومِ صورٌ لبعضِ الأماكنِ المُقدّسةِ التي التُقطَت في أوقاتٍ يبدو وكأنها خارجَ حدود الزمن، إذ خَلَت تلكَ الصور من المتعبّدينَ والسوّاحِ الذين نراهُم فيها هذه الأيام، فيما يبدو سُكّانُ القُرى والمدنُ متناثرينَ وكأنّ الفراغَ المُحيطَ بهِم يستحوذُ على حياتِهِم.

إنني أقّلبُ بينَ هذه الصور من حينٍ لآخر ، صورٌ تصوّرُ حالَ العربِ آنذاك ، ففي هذهِ الصورةِ مثلاً مجموعةٌ من النّساءِ اللواتي تَجمّعنَ بالقربِ منَ البئر فيما يَضَعنَ الأباريقَ الفخّارية على رؤوسهِنّ ، وصورةٌ أخرى لرجلٍ عربيّ وامرأةٍ عربيّةٍ يواجهانِ بعضهُما البعض أمامَ حفنةٍ من الصخور ويتحدّثانِ إلى بعضِهما دونَ أن يُدركا وجودَ شخصٍ يتلقطُ صورةً لهُم ، وصورةٌ أخرى لشيخٍ ذو لحيةٍ بيضاءَ يرتدي عمامةً ورداءاً طويلاً فيما تبدوعلى وجهِهِ الابتسامةٌ من بعيد.

وفي جانبٍ آخر مُختلفٍ كُلياً ، أشاهدُ اليهودَ ولسانُ حالهِم يقول بأنّهُم مغلوبٌ على أمرهِم في ظلّ تلكَ الظروف. هؤلاءِ اليهودُ الموجودون في هذا الألبومِ هُم يهودُ ” اليشوف القديم “، إذ عاشً هؤلاءُ كمجتمعٍ يهوديّ سبقَ وجودُهُم وجودَ المُهاجرينَ الصهاينة على هذه الأرض بوقتٍ طويلٍ ، كونَهُم عاشوا على هذه الأرض لقرونَ طويلةٍ كأٌقليّة دينيّة. إنني لا أرى في صور اليهودِ أي مظهرٍ من مظاهرِ الفرحِ أو الابتسامة ، ولا تبدو عليهُم أي ملامحَ أو ايماءات تُشعرُكَ بوجودِ حياةٍ سعيدة ، إنني أرى في هذه الصور يهوداً كبارَ في السنّ بلحىً شعثاء وملابسَ رثّة ، فيما يوحي هذا إلى حجم المعاناةِ التي يعانونها وهُم في أرذلِ العمر.

وبكلّ الأحوال ، فكلّ من يَظهرُ في هذهِ الصور تبدو عليهِ ملامحُ الفقر والبُؤسِ، سواءاً كانَ عربيّاً أم يهوديّاً، إلا أنّ ملامحَ الفقرِ المُدقع تبدو واضحة وضوحَ الشمسِ على ملامح اليهود، الأمرُ الذي زادَ من سوءِ ظروفِ معيشتهِم.

حقيقةً ، فإنني لا أرى أي ملامحَ لحياةٍ طبيعيّةٍ عاشَها اليهودُ في تلكَ الحُقبة ، إنني لا أرى أي يهوديّ يرعى الأغنام أو يفلحُ الأرضَ، بينما يظهرُ اليهودُ في هذه الصور وهُم يصلّونَ أو يقرأونَ في كتبهِم الدينيّة فقط ، كما تخلو تلكَ الصورُ من وجودِ أيّ امرأةٍ يهوديّة. لقد اعتاشَ هؤلاءُ اليهودُ على التبرّعات التي كانَ يُرسلها لهُم يهودُ الشتّات ، فيما أتى بعضُ اليهودِ إلى الأرضِ المقدّسةِ ليموتوا ويُدفنوا فيها.

إنني مُمتنّ كثيراً ليهودِ اليشوفِ كونَهُم واصلوا التواجدَ والعيشَ على هذه الأرض محافظينَ على تلكَ العلاقةِ البديهيّة لليهودِ بأرضِ صهيون، فتشبّثهُم بهذهِ الأرضِ كان بمثابةِ تذكيرٍ بالوعدِ الإلهيّ الذي ينصّ على وجوبِ عودةِ اليهودِ إلى أرضِهِم في نهاية المطاف. في الوقت نفسه، إنني أتفهّمُ سببَ المعاملةَ المُزرية الذي عاملَ بها الصهاينةُ الأوائلُ يهودَ اليشوف، فقد هربَ هؤلاءُ الشبانُ تاركينَ خلفَهُم زقاقَ أوروبا الضيّقة التي عاشَ بها اليهود لكي يبنوا حياةً يهوديّة جديدةً قائمةً على زراعةِ الأرضِ التي يملكها اليهودُ في القدس والخليل وصفد، ليجدوا أنفسهُم عالقينَ في ظروفٍ معيشيّة مشابهةٍ لحياة الغيتوهات الأوروبيّة المُزرية ، حياةُ يسيطرُ عليها الخوفُ والحذرُ الشديد من كل ما أحاطَ بهم ، فيما عاشَ أولئكَ اليشوف حالةً من الفقر نتيجةً لعدم قيامهم بأي شيء يغيّر من ذلك الحال المُزري. لقد جسّد يهود اليشوف انعكاساً لما سبّبهُ الشتاتُ من تآكلٍ في الحياة اليهوديّة آنذاك ، فحتى اليهودُ الذينَ عاشوا على أرض إسرائيلَ شعروا وكأنّهُم مُقتلَعونَ من جذورهِم.

أمّا الصورةُ الأخيرة في ألبومِ صوري فهي لمجموعةٍ من البحّارة الذينَ يَنقلونَ البضائعَ ويُساعدونَ المسافرينَ من على متنِ السفنِ القادمةِ إلى مرفأ يافا ، حيثُ لا تستطيعُ تلكَ السفن الاقترابَ من المرفأ نتيجةً لتواجدُ الصخور.

تضمّ هذه المجموعة تسعة رجالٍ ، بعضهُم يرتدونَ القبّعاتِ وهُم واقفونَ على متنِ أحد القواربِ الطويلة بينَما المجاديفُ مرفوعةٌ للأعلى وجاهزةٌ للتجديفِ ، في الوقتِ الذي تقتربُ فيه سفينتان من أولئكَ البحارة . إنني أتخيلُ مجموعةً من أوائلِ المهاجرينَ اليهود على متنِ تلكَ السفينتين، أتخيلّهُم مُنهَكينَ جداً مما بذلوه من جُهدٍ ليلمَحوا بأعينهِم أي جزءٍ من أرضِ وطنهِم الجديد.

أتخيّلهُم بعد لحظاتٍ وقَد رسَت سُفنهُم في المرفأ ، فيما سيُقبلُ أولئك البَحارةُ على استقبالِ المُهاجرين ومساعدتهِم في النزول إلى المرفأ بأمان.

جاريَ العزيز ، إنني أتأملّ بعمقٍ هذه الصورة ، لا لِكونها ذات قيمةٍ فنّية عاليةٍ ، إذ بالكاد تبدو الوجوهُ واضحةً في هذه الصورة المُملّةِ ، بَل لأنها أكثرُ صورةٍ مؤثرةٍ في هذا الكتاب. ولأكونَ دقيقاً أكثر، ما يجعلُ هذه الصورةُ مؤثرةً هوَ أنّ أولئكَ الأشخاصُ الموجودينَ فيها لا يَعلمونَ بأنّهُم في لحظةِ تحوّلٍ عظيمةٍ ستقلبُ حياتَهم رأساً على عقِب إلى الأبد.
لقد وصَلَ أولئكَ الشبّانُ الصهاينةُ إلى هذه الأرض حاملينَ معهُم روايةً تاريخيّة قويّة ، روايةٌ تستندُ إلى أربعةِ آلافِ سنةٍ من تعلّقِ شعبهِم اليهوديّ بهذه الأرض. لقَد جاؤوا إلى هذهِ الأرض ليكونوا مُعمّريها وفلّاحيها وَرُعاتَها ، خلافاً لما كانَ عليه اليهود الذين ظهروا في صورةِ السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ، فيما تمثّلَ نجاحهُم الحقيقيّ في توطين الشعب اليهوديّ ليربّوا جيلاً بعد جيلٍ من اليهود كسكّانٍ أصليينَ لهذه البلاد.

ولطالما سمعتُ من العديدِ من الفلسطينيينَ بأنّه ” مثلما جاءَ العثمانيّونَ ورحلوا عن هذهِ الأرض ، ثم جاءَ الانجليزُ ورحلوا عن هذه الأرض ، فإنّهُ سيأتي اليومُ الذي يَرحلُ فيه الصهاينةُ عن هذه الأرض أيضاً “.
حقيقةَ ، فإنّ تشبيهَ الصهاينةِ بالعثمانيينَ والأتراكِ فيه تجاهلٌ لهذا الانجاز الصهيونيّ المهم ، حيثُ لَم يؤسّس هؤلاءُ الغُزاةُ مُجتمعاً مُزدَهِراً مثلما فعلَ الصهاينة ، وعدا عن ذلك كلّه ، فإن الأتراكَ والانجليزَ لم يؤسّسوا دولة ذاتِ سيادةٍ على هذه الأرض، فهُم بنهايةِ المطافِ عادوا إلى أوطانهِم التي جاؤوا منها، لذلكَ أتمنى منكَ أن تتَفهمَ هذهِ القضيّة جيّداً يا جاريَ العزيز: لقَد نجحَ الصهاينة في تحقيق ما فَشلَ الصليبيّونَ والعثمانيّونَ والانجليزُ في تحقيقِه لسببٍ واحد، وهوَ أنّ الصهاينةَ لم يأتوا إلى هذه البلاد ، بَل عادوا إليها !

بطبيعةِ الحال ، وبشكلٍ مأساوي مؤسفٍ ، فقد حاولَ الجانبان على طرفي هذا الصراع في مُختلفِ مراحلِهِ تجاهلَ شرعيّة الهويّة الوطنيّة لبعضِهما البعض ، فيما حاول كلاهُما ايجاد مسوّغات تُثبتُ عدم وجودَ الطرف الآخر على أرضِ الواقعِ نهائيّاً.
لقد واصلَ بعض اليهودِ سعيَهُم لإثباتِ أنّ الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة ضربٌ من ضروبِ الخيال ، وبأنّ الشعبَ الفلسطينيّ هوَ شعبٌ مُصطَنَع، وهو أمرٌ صحيحٌ إلى حدٍ ما ; فنحنُ شعبٌ مُصطَنَع أيضاً ، ولنكونَ واقعيّين أكثر، فإنّ كل الهوياتَ الوطنيّة – بحسبِ تعريفها – مُصطنَعَة ، فالهويّة الوطنية تعني وجودَ مجموعةٍ من الأشخاصِ الذينَ قرّروا في لحظةٍ معينة بأنّ الأمورَ التي تجمعُ بينَهُم أكثر من الأمور التي تفرّقهُم ، لذلك قرّروا أن يطلقوا على نفسهِم لقبَ أمّة تتشاركُ نفسَ اللغةِ والذكرياتِ والتاريخَ المُتطوّر باستمرار.

إنّ ظهورَ أمّة مُعيّنةٍ بينَ الأمَمِ هيَ عمليّة ذاتيّة مُتأصلة وراسِخة ، الأمرُ الذي تُدلّلُ عليه إحدى الأغاني العبريّة القديمة التي تتحدثُ عن بداياتِ ظهورِ الحركة الصهيونيّة الحديثة : ” فجأةً يستيقظُ شخصٌ ما صباحاً ، فيشعرُ وكأنّهُ أمّة بأسرها ، ثمّ يَمضي قُدُماً ..”. صراحةً ، فأنا لا أعرفُ أي وصفٍ أدقّ ولا أفضلَ من هذا الوصفِ لميلادِ أيّ أمّة.

جاريَ العزيز ، يتوجّبُ علينا أن نحترمَ حقوقَ بعضِنا البعضِ في سردِ روايتنا التاريخيّة الخاصّة بنا ، وهذا أحدُ الأسبابِ التي تجعلُني أكتبُ إليك : أريدُ أن أحكي لكَ حكايتي ، لا حكياتَك ، لكن إن رغبتَ بالردّ علي ما أكتبهُ هُنا – وهذا ما آملُه مُنك – فإنّ هذا سيساعدُني كثيراً على قراءةِ فهمِكَ لتاريخِك . إنني أحترمُ حقّكَ في التعريفِ عن ذاتك ، وأنا أصرّ على حقّي بالتعريف عن ذاتي أيضاً ، إذ أنّ احترامنا المُتبادل لحقوق بعضنا في سرد روايتِنا التاريخيّة هوَ ما سيَعبّدُ الطريق نحو تحقيقِ السّلام بيننا.

لقد حاولتُ أن أفهَم مصدراً من مصادرِ قوّة الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة خلالَ خدمتي كجنديّ إسرائيليّ أثناء الانتفاضة الأولى في الضفّة وقطاع غزّة ، حينَ واجهتُ بالسلاحِ الشبّانَ الفلسطينيينَ الذي كانوا يرشقونَ الجنودَ بالحجارة مدافعينَ عنَ شعبهِم ، وهوَ أمرٌ احترمتهُ جدّاً في خصمٍ يتحلّى بروحِ المنافسة والتحدّي ، وبرأيي ، لو كنتُ أنا مكانهُم فإنّني سأقومُ بالشيء نفسِه أيضاً.

لقد مثّلَت الانتفاضةُ الأولى فترةً زمنيّة أدركَ فيها الإسرائيليونَ خطأهُم الفادِحَ في إنكار حقّ الفلسطينيين بالتعريفِ عن أنفسهِم كشعبٍ فلسطيني ، الأمرُ الذي دفعَ بغالبية الإسرائيليينَ للإلتفافِ حولَ حلّ الدولتين ، وهوَ – بالمناسبةِ – الحلّ الذي عارضتهُ الأقليّة التي كانت تنتمي لليسارُ الإسرائيليّ المُتشدّد حينَها ، لدرجةٍ أصبحَ فيها ” حقّ الفلسطينيينَ في تقرير مصيرهِم ” جزءاً من التوجّه العام للخطاب الإسرائيلي بشكلٍ عام ، بالرغم من تجاهلِ الأحزاب السياسيّة الفلسطينية – بدءاً من فتح وصولاً إلى حماس – إضافةً إلى الأمتين العربيّة والإسلاميّة لحقّ الشعب اليهوديّ في تقرير مصيرهِ منذ بدايةِ هذا الصراع.

لقد كنا نتفهّم هذا الرفضَ في بدايةِ الأمر ، كونَ اليهود قد عاشوا لقرونٍ تحت الحكمِ الإسلاميّ كأقلّيةٍ دينية ، فلماذا يجبُ على المسلمينَ القبولَ بهذا المفهومِ الجديد الذي جاءَ به اليهود في القرن التاسع عشر كأمةٍ مستقلةٍ بحدّ ذاتِها ؟

فعلياً ، لقَد بُنيت هذه القناعةُ لدى المسلمين اعتماداً على خطأ جسيمٍ في قراءةٍ كيفيّة تعريفِ اليهودِ عَن أنفسهِم منذُ الأزلِ ، مُتجاهلينَ تعريفَ اليهود لأنفسهِم على أنّهُم أمةٌ واحدة ذات عقيدةٍ محدّدة. لقد عاشَ اليهودُ كأقليّة دينيّة نتيجةً للظروفِ التي أرغمتهُم على العيش كأقليّة ، كما أنّهُم لم يتوقفوا للحظةٍ عن ترقّبِ ذلكَ اليومِ الذي سيستعيدونَ فيه سيادتهُم كأمةٍ لها سيادتُها الخاصّة بها، حيثُ جسّد هذا الطموحُ جوهرَ العقيدةِ الدينيّة لليهود.

وبالعودة إلى بداياتِ هذا الصراع ، فقد كانت هذهِ الأرضُ خاليةً إلى حدٍ ما من السكان ، وهوَ الانطباعُ الذي تبادرَإلى مخيّلتي فورَ مشاهدتُي لصورَ هذه الأرضِ خلالَ فترةِ حكمِ السلطان التركي عبد الحميد الثاني ، الأمرُ الذي أكدتهُ إحصائيات تلكَ الحقبة الزمنيّة أيضاً. لقد عاشَ على هذه الأرض قرابةُ النصف مليون نسمة في أواخر القرن التاسع عشر ، فيما كانت الغالبيّة العُظمى منهُم من السكان العرب ، فيما يعيشُ الآنَ على بقعةِ الأرض المُمتدّة من النهر إلى البحر قرابة 13 مليون نسمة ، ما بينَ عربٍ ويهود. وحتى معَ النمو المضطردِ والزيادة السكانيّة في كلا المجتمعين العربي واليهودي ، لا زالَ بإمكانِ هذه الأرضِ أن تستوعبَ أبناءَ الأمتينِ معاً.

لقَد كانَت نيّة الصهاينة وغايتهُم إعادة توطينِ اليهود، لا الإستحواذَ على أراضي الفلسطينيين أو سلبِ ملكيّتها، فحتى أكثرُ القادة الصهاينةِ تطرّفاً فيما يخصّ قضيّة الأغلبية اليهودية والسيادة على الأرض زئيف جوبوتنسكي – والذي عاش في الفترة التي سبقَت قيامَ إسرائيل – كانَ قد عبّر عن موافقتهِ على وجودِ أقليّة ذات عددٍ كبيرٍ من السكّان العرب في الدولةِ المستقبليّة القادمة ،إذ وضّح زئيف خلالَ كتاباتِهِ بأنّ هذهِ الأقليّة العربيّة ستتمتّع بحقوقٍ متساويّة مع السكّان اليهود.

جاريَ العزيز ، لطالَما تبادرَ إلى ذهني هذا السؤال المحيّر :هَل كانَت المواجهةُ بيننا أمرا حتميّاً لا مفرّ منه ؟

على ضوءِ الرواية التاريخيّة لكلا الجانبين واحتياجاتهِما آنذاك، فقد كانَ التعايشُ – بأثرٍ رجعيّ – شبه مستحيل بين العربِ واليهود ، فخلالَ ثلاثينياتِ القرن المُنصرم، حاولَ القادةُ الفلسطينيون وزعماءُ الحركة الصهيونيّة – خلفَ الكواليس – الوصولَ إلى حلٍ وسطٍ يُرضي جميعَ الأطراف ، إلّا أنهُ في الوقت الذي كان التوجّهُ العامّ للحركةِ الصهيونيّة يدعمُ حلّ ” دولتين لِشعبين “، كان التوجّه العامُ للفلسطينيين رافضاً لفكرةٍ أي سيادةٍ يهوديّةٍ على أي جزءٍ من هذه الأرض، مهما بلغَت مساحةُ تلكَ الأرضِ من صِغر.

لقد كانَت الهجراتُ اليهوديّة إحدى أهمّ القضايا المركزيّة في هذا الصراع، إذ احتاجَ اليهودُ إلى إعادةِ بناءِ أنفسهِم كغالبيّة سكانيّة ذاتِ سيادةٍ على جزءٍ من هذه الأرض على الأقل ، الأمرُ الذي استَدعى جلبَ أعدادٍ كبيرةٍ من المهاجرينَ اليهود. في الوقت ذاته ، بذلَ الفلسطينيونَ قصارى جهدهِم لمنعِ تحويلِ الواقع السكاني الفلسطينيّ من أغلبيّة سكانيّة إلى أقليّةٍ سكانيّة على أي جزءٍ من هذه الأرض، الأمر الذي يُفسّرُ محاولاتِهُم الحثيثة لوقفَ تدفّقِ الهجراتِ اليهوديّة .

وفي الفترة ذاتها ، اندلعَ صراعٌ آخر نتيجةَ تعارضٍ في المصالحِ الأساسيّة فيما يخصّ قضيّة ” العمالةِ العبريّة ” ، أحدُ مباديء الاشتراكيّة الصهيونيّة التي تهدفُ إلى تشجيعِ الشُبّانِ اليهود على تبنّي نظامِ حياةٍ قائمٍ على امتهانِ الحِرفِ والأشغالِ اليدويّة. خلال تلك السنوات ، غلبَ الطابع الاشتراكي على التوجّهُ العام للحركةِ لصهيونيّة ، مع وجودِ توجّه يساريّ متطرفٍ إلى حدٍ ما.

وبالعودة إلى الأيديولوجيّة الصهيونيّة الاشتراكيّة القديمة ، فقد كانت الحياةُ اليهوديّة في المنفى فاسدةً في عدة نواحٍ ، خاصة من الناحية الاقتصادية. لقَد مُنعَ اليهودُ في الشتّاتِ من تملّكِ الأراضي والعملِ فيها كمزارعين ، لذلكَ تم أقصاؤهُم إلى الطبقاتِ المُهمّشة اقتصاديّا . لهذا، ومن وجهةِ نظر الاشتراكيينَ الصهاينة ، فإن تعافي الأمّة اليهوديّة يتطلّبُ تحويلَ اليهودِ من طبقة تُجّارَ ومثقّفين يحصلونَ على قوتِ يومهِم من الأعمال الأدبية والمعنويّة إلى فلّاحينَ يشكّلونَ طبقة كادِحة في المُجتمع الإسرائيليّ.

وبحسبِ اعتقادِ الصهيونيّة الاشتراكيّة ، فإن الطريقة الوحيدةَ لبناءِ مُجتمعٍ إسرائيليّ مُكتفٍ ذاتيّاً على أرضِ إسرائيلَ هيَ خلقُ طبقةٌ بروليتاريا كادِحة تهدفُ إلى إلغاءِ الطبقيّة في المجتمعِ الإسرائيلي مَهما كلّفَ الثمن ، تلكَ الطبقيّة التي يعيشُ فيها اليهودُ كَمُدراء ، فيما يعيشُ فيهُ العربُ عمّالاً كادحين ، الأمرُ الذي يعني وجوبَ تغييرَهذا الواقع.

ومَع هذا ، فقَد واجهَ الصهاينةُ الاشتراكيّون الأوائلُ فور وصولهِم إلى أرضِ إسرائيلَ في بداياتِ القرنِ العشرين واقِعاً مريراً نتيجةٍ لشعورهِم بشعورَينِ مُختلِفَين في الوقتِ نفسِه : الخوفُ والعار. لقد وجدوا واقعاً خلقهُ الصهاينةُ غير الاشتراكيينَ الذين وصلوا إلى أرض إسرائيلَ قبلَ وصول الإشتراكيّينَ إليها خلال موجة الهجرة الصهيونيّة الأولى عامَ 1882 ، حيثَ أسسّ هؤلاءُ قرىً زراعيةً تشغّلُ المُزارعينَ العربَ كعمالةٍ رخيصة قليلةِ التكلفة، وهوَ واقعٌ طرحَ سؤالاً جوهرياً مثّل هاجِساً للصهاينة الإشتراكيين : كيفَ منَ المُمكن أن تقومُ دولة يهوديّة بينما تعتمدُ هذه الدولة اعتماداً كلّياً على العربِ الموجودينَ على هذه الأرض؟ بمعنى آخر، كيفَ ستقوم تلك الدولةُ اليهوديّة وهي تعتمدُ بالأساس على أناسٍ لا يرغبون بوجودِ اليهودِ في هذهِ المنطقة.

ومن وجهةِ نظرِ الصهاينةِ الاشتراكيين ، فإن المستقبلَ القريبَ للدولةِ اليهوديّة يعتمدُ اعتماداً كليّاً على خلقِ طبقةٍ يهوديّة عاملة ، مِمّا دفعَ هؤلاءِ الشبّانِ الاشتراكيّينَ إلى تنظيم صفوفِهِم من خلال تأسيس اتّحادٍ للعمّال اليهود ، فيما بدأوا يُنافسونَ العربَ في أعمال الزراعة والفلاحة. حقيقةً ، لم تكُن غايتهُم حينها تجاهُلَ عملِ العربِ في الحقولِ الزراعيّة، بل كانَ هدفهُم إجبارُ اليهودِ على العملِ ، الأمرُ الذي أدى بالنهايةِ إلي ظهورُ طبقةٍ يهوديّة عاملة على حسابِ العُمّال العرب.

لقَد شكّلَت ” العمالةُ العبريّة ” طبقةً من العمالِ المثقفين المُتنوّرينَ ، كونها كشفَت عن طبيعة الخيارات المُستحيلة التي ستواجهُ إسرائيل مُستقبلاً، والتي تتطلّبُ من إسرائيلَ التخلّي عن المنهجِ الإشتراكي إذا ما أرادَت السيطرة على العمالة العربية ، إذ ستخلقُ إسرائيلُ جوّا من المنافسةِ الشديدة بين العربِ واليهودِ في سوقِ العمَلِ إذا ما أصرّت على تبنّي النهجَ الاشتراكيّ.

في الوقت نفسهِ ، كانت الأرضُ أكبرَ مصدرٍ للخلافات بين الشعبين العربيّ واليهوديّ ، إلّا أنه وبالرجوعِ إلى فترةِ حكم العثمانيين والإنجليز لهذه الأرض ، سنجدُ أنّ اليهودَ يمتلكونَ أوراقاً ومُستنداتٍ تُثبتُ ملكيّتهُم لكل دونمٍ من الأراضي التي سكنَها اليهودُ خلال تلك الفترة الزمنيّة ; إذ تثبتُ تلكَ الأوراقُ والمستنداتُ بما لا يدعُ مجالاً للشكّ باّنهُم دفعوا ثمن كل شبرٍ تملّكوه في تلك الفترة. حقيقةً ، لم تكُن هناكَ أي مُصادرةٍ للأرض من قبلِ اليهود خلال تلكَ المرحلةِ الحاسمة التي كان يطمحُ اليهود من خلالِها إلى خلقِ وجودٍ يهوديّ فعليّ على هذه الأرض ، إذ قامَت المُنظماتُ الصهيونيّة بشراءِ الأراضي من أي شخصٍ كان مخوّلاً ببيع الأرضِ آنذاك، وهوَ الأمر الذي يوضّحُ الإشكالَ الذي حدثَ في قضيّة أملاكِ الغائبين.

وفي تلكَ الفترة وُجدَت بعضُ الأراضي المهجورةُ التي لا تصلحُ للسكن إطلاقاً ، إذ كانَت تلكَ الأراضي مرتعاً للبكتيريا نظراً لوجودِ المُستنقعات فيها ، أو عبارةٍ عن تجمّعاتٍ صخرية تجعلُ من السكن فيها أمراً في قمّة الصعوبة ، إلا أنّهُ ورغم عدم صلاحية تلك الأراضي للسكَنِ ، فقد دفعَ اليهودُ مبالغَ باهظة في سبيل تملّكِها ، وهو الأمر الذي تثبتهُ إحصائياتُ تلكَ الفترة ; إذ ارتفعت أسعارُ الأراضي بنسبة 5000 بالمئة خلال الفترةِ الممتدّة ما بين 1910 و 1944 ، وهو ما يُعزى بشكلٍ رئيسيّ إلى موجة شراء الأراضي من قبلِ الصهاينة. وعلى أي حال ، فإنّ إصرارَ اليهود وعِنادَهُم حوّل تلكَ المناطق المهجورة إلى حقولٍ زراعيّة وحدائقَ خضراء رائعة.

لقَد سُكِنَت بعضُ تلكَ الأراضي المُصنّفة تحت بند ” أملاكِ الغائبين ” مِن قِبلِ الفلاحينَ العرب الذينَ عملوا فيها طوالَ حياتهِم رغم عدم ملكيّتهم لها، بالتالي فقد جرى إخلاؤهُم منها بعد أن قام اليهودُ بشرائِها من أصحابِها الأًصليين مع منح أولئكَ الفلاحين بعضَ التعويضاتِ الماليّة، وهوَ الأمرُ الذي عمّقُ من سخرية الواقع آنذاك ; فالاشتراكيونَ المُتشدّدون الذين يدعون إلى ” تحقيقِ المساواةِ بينَ جميع البشرِ” هُم من قاموا بإخلاءِ العربِ من تلكَ الأراضي ! لقَد كانَ هذا مشهداً آخر من المشاهد المُحزنة التي شهدناها آنذاك ، مشهدٌ ينظرُ فيهِ كلّ جانبٍ إلى الآخر على أنهُ عقبةٌ تقفُ في طريقِ احتياجاتِه.

جاريَ العزيز ، بينما أتدبّرُ وأتفكرُ في في تاريخنا يتملّكني شعورٌ بالفرح من جهة ، وشعورٌ بالحزنِ العميقِ من جهةٍ أخرى ، إذ تُفرحُني قِرائتي عن أولئكَ الأبطال الصغار – الذين بالكاد تجاوزوا فترةَ المراهقة – وهُم يضحّون بأجملِ سنين حياتِهِم في سبيل فلاحةِ تلك الأرض وتهيئتِها لعودةِ الأمّة اليهوديّة إليها. في الوقتِ نفسِه ، ينتابُني الشعورُ بالحزنِ العميق والأسى الشديدِ على ما حلّ بشعبك ، ذلكَ الشعبُ الذي ازدادَ شقاؤهُ وبؤسهُ تدريجياً ، بدءاً من فترة حكمِ السلطان عبد الحميد الثاني – كما صوّرتها صورُ ألبومي المُلتقطةُ آنذاك – وصولاً إلى الفترة التي بلغَ فيها الصراع بيننا ذروتهُ سنة 1948 ، الأمر الذي أدّى إلى تدمير شَعبكَ واقتلاعهِ من أرضه.

كذلك يا جاري العزيزُ فإنني أشعرُ بالحزنٍ والأسى على حالي وحالِك، فمثلما ضاعَت فرصةُ تحقيقِ حلّ الدولتينِ سنة 1947 ، فإننا أيضاً نبدو وكأننا عالقونَ في منطقٍ متناقضٍ من الصراع الوجوديّ ; فكلّما مرّ الوقتُ ، كلّما أضافُ كل جيلٍ من الأجيال المُتعاقبةِ مَقداراً من المرارةِ والضيمِ المتبادلِ الذي يزيدُ من تعقيدِ هذا الصراع.

أحياناً أمرُ بأوقاتٍ لا أطيقُ فيها هذا الخلاف القائمّ بيننا، إذ يبدو لي الأمر وكأنّ أيّ حُجّةٍ أو وجهةٍ نظرٍ يتبناها أحدُنا حولَ التاريخ والهويّة والسياسة لها حجةٌ ووجهةُ نظرٍ مُقابلةٌ على الطرفِ الآخر. لطالما سألتُ نفسي كم من وقتٍ ذهبَ سُدىً وكَم استنزفنا من جهودٍ في خِضمّ محاولاتِنا لإثباتَ عدالةِ حُجَجنا ومزاعِمنا من جهة ، وعدم صحّة حججِ ومزاعمِ الطرفِ الآخر من جهةٍ آخرى؟

وإلى متى سيظلُ العالم مُنشغِلاً بِصراعِنا الذي يبدو كجولةِ ملاكمةٍ أزليّة؟ إنّ هذا السؤالَ يذكرني بمؤرّخٌ أرمنيّ أعرفهُ، إذ بذلَ هذا المؤرخُ جهوداً مُضنية في سبيلِ الكتابةِ عن مذابح الأرمنِ حتى طفحَ به الكيلُ من عبثيّة جهودهِ التي تذهبُ سدىً نتيجةً لعدمِ اعترافِ الأتراك بالمذابحِ التي اقترفوها بحقّ الأرمَن حتى الآن. لقد عبّر لي عن مدى شعورهِ بالذلّ والهوانِ مما يتعرّضُ له مِن قمع ثقافيّ لإخمادِ صوتهِ ، إذ كم عليهَ أن يندُبَ بعدُ على تلكَ الكُتبِ التي لم يتمكّن من كتابتها حتى الآن نتيجةً للخلافاتِ بين الأرمن أنفسهِم من جهة ، ولقمع الأتراك من جهة أخرى؟

لذلك ، فإنني أنا الآخرُ أشعرُ بنفسِ الشعور، أشعر بأنني مُستنزَفٌ في ظلّ هذا الجدلِ العقيم القائم بيننا ، إلا أنني مصرٌ على الاستمرارِ وعدم الاستسلامِ لأن شرعيّة الروايةِ اليهوديّة على المِحكّ ، الأمر الذي يُشكّلُ خطراً مُحدِقاً بجوهرَ الوجودِ اليهوديّ على هذه الأرض.

جاريَ العزيز ، إنني أعرّفُ اليهودَ بهذه الطريقة : نحنُ قصّةٌ نحكيها لأنفُسِنا عن ماهيّتنا التي نعتقدُ بأنّها تنطبقُ علينا ، وهذا ما يجعلُ من ” سدر عيد الفصح اليهوديّ ” أحدَ أهمّ الطقوسِ اليهوديّة الأساسيّة التي يُحافظُ عليها ويلتزمُ بها الغالبيةُ العظمى من اليهود – بغضَ النظر عن مدى تديّنهِم – كونها تحكي حكايةَ أصولِنا كأمةٍ يهوديّة عريقةٍ . إنني يا جاريَ العزيزُ أتطلعُ بلهفةٍ لذلكَ الوقتِ الذي نركّزُ فيه على مُستقبلِنا المُشتركِ على هذه الأرض عِوَضاً عن استنزافِ بعضنا البعض في الجدلِ العقيمِ حولَ ماضينا المأساويّ وتجاربِنا المروّعةِ على كلا الجانبين.

وبالعودة إلى التاريخِ مرةً أخرى ، فَقد بدأت الحربُ ضدّ الحركةِ الصهيونيّة جديّاً بعدَ انتهاءِ الحربِ العالمية الأولى ، وكيهوديّ كان يحاولُ تثبيتَ وجودهِ على هذه الأرض ، فقد واجهَ العربُ محاولاتي تلكَ بعنفٍ مُتزايدٍ مراراً وتِكراراً، إذ انتقلت المجازرُ التي كانَت تُرتكَبُ ضدّ اليهودِ من روسيا القيصريّة إلى أرضِ فلسطين ، والتي كان أشدّها دمويةً مذبحة سنة 1929 في مدينة الخليل المقدّسة ; حيثُ قُتل في هذه المجزرة 69 يهوديّا مدنياً من يهودِ اليشاف المُتديّنين، فيما كانوا عُزّلَ من أي سلاح عندما هاجمهُم حَشدٌ من العربِ فقتلوهُم وقطّعوهُم إرَباً. في الوقتِ نفسه ، وأثناء تلكَ المجزرة ، فقَد أنقذت مجموعةٍ من العربِ قرابة الأربعمئةِ يهوديّ كانوا قد احتموا بالعربِ حينها فوّفروا لهُم الحماية.

لقد مثّلَ هذا الحدثُ نقطة تحوّلَ مهمّةٍ في العقليّة الصهيونيّة ، إذ – قبلَ هذه المجزرة – كانَ يعتقدُ الكثيرُ منَ الصهاينةُ بوجودِ إمكانيّةٍ للتعايش مع العربِ حتى وإن كانَت على المدى البعيد ، إلا أنّهُ وبعدَ وقوعِ هذه المجزرة فقَد قرّرَ ديفيد بنغوريون وعددٌ آخر من قادة الحركة الصهيونيّة الاستعدادَ لحربٍ طويلةِ الأمدِ مع العربِ.

وفي غضون ذلك ، فقد تصاعدَت التهديداتُ التي تُهدّدُ بقاءَ قرابة المليونِ يهوديّ في العالم العربيّ ، وخلالَ تلكَ الفترة أيضاً ، فقد أمضى أحدُ أبرزِ الزعماءِ الفلسطينيين ، الحاج أمين الحسيني ، وقتهُ في ضيافةِ أدولف هتلِر في برلين مُخاطباً العالم الإسلاميّ بهدف إقناعهِم بضرورة التحالفِ مع النازيين من جهة ، وإقناعِ النازيينَ بضرورةِ توسيع رقعة الإبادة الجماعيّة لليهود من أوروبا لتمتدّ إلى الشرق الأوسط.

وفي سنة 1947 ، وخلال إحدى المُقابلاتِ الصحفيّة مع الأمين العام لجامعة الدول العربية آنذاك عزام باشا ، فقد حذّرَ اليهود من اقامةِ دولةٍ يهوديّة قائلاً : ” آملُ ألّا يَجُرّنا اليهودُ إلى حربٍ معهُم ، لأنها إذا ما اندلعَت ستكونُ حربَ إبادةٍ ومجزرةً دمويّةً مماثلة لمجازرِ التتار والصليبيين ” . وعلى أي حال ، فقد تحدّث عزام باشا بلغةٍ يبدوعليها الأسف لحدوث تلكَ المجازر – فيما لو حدثّت – ، في حينَ أنّ العديد من القادةِ والزعماءِ العرب قد تحدّثوا بلغة توحي بترقّبهُم ولهفتِهِم لتلكَ اللحظةِ التي يتمّ فيها إبادة اليهودِ.

لقَد بَدأتْ المرحلة النهائيّةُ من العداء الموجّه ضد الحركة الصهيونيّة في التاسع والعشرين من تشرين الثاني سنة 1947 ، حينَ صوّتَت الأممُ المتحدةُ من خلال جمعيّتها العامّة على قرار تأسيسِ دولتين مُستقلّتين على أرض فلسطين، دولةٍ عربيّة وأخرى يهوديّة ، وذلكَ حينُ قوبلَ هذا القرارُ – المعروفُ بقرار التقسيم – بترحيبِ وموافقةِ الغالبيّة العظمى من قادةِ الحركة الصهيونية ، فيما قوبِلَ بالرفض الشديد من قبل الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة ، مُعلنةً بذلكَ حرباً على التواجدِ اليهوديّ على تلكَ الأرض. وبعدَ يومٍ واحدٍ من قرار التقسيم ِ ، تعرّضَ اليهودُ للهجومِ من قبلِ الفلسطينيين في مُختلفِ أنحاء البلاد ، فيما تدخّلَت الجيوشُ العربيّة بعد 6 أشهرٍ من الإعلانِ عن قيام دولة إسرائيل ، إذ شنّت حرباً على إسرائيلَ بنيّةِ القضاءِ على تلكَ الدولة اليهوديّة في لحظة ميلادها.

لقَد لخّص محمود عبّاس مُجملَ هذه الأحداث التي وقعَت آنذاك من خلالِ مقالةٍ نشرَها في صحيفةِ النيويورك تايمز سنة 2011 ، إذ كتبَ عبّاس : “بعد أن صوّتَت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة على قرار التقسيم ، قامَت العصاباتُ الصهيونيّة بتهجيرِ الفلسطينيينَ العربِ بهدفِ ضمانِ وجودِ أغلبيّة يهوديّة في الدولة اليهوديّة المُستقبليّة ، الأمرُ الذي دفعَ بالدولِ العربيّة إلى التدخّل ، فاندلعَت الحربُ مسببةً بذلكَ المزيد منَ التشريدِ والتهجير …”.

جاريَ العزيز ، يستشيطُ الإسرائيليّونَ غضباً عندما يَقرأونَ كلماتِ محمودعبّاس تِلكْ، فيما يتملّكهُم الفضولُ لمعرفة ردّهِ على هذه الأسئلة : ماذا عن قبولِ الحركةِ الصهيونيّةِ لقرار التقسيم يا سيّد عباس ؟ وماذا عن رفضِ الفلسطينيين لهذا القرار ؟ وماذا عَن الهجماتِ الواسعةِ وغير المبرّرةِ التي شنّها الفلسطينيونَ ضدّ التجمّعات اليهوديّة مباشرةً بعدَ تصويت الأمم المتحدة لصالح هذا القرار ؟ وهَل تدخّلَ العربُ فِعلاً لمساعدةِ الفلسطينيينَ أم لتنفيذ تهديداتِ زعمائهِم المُستمرّة بإزالةِ دولةِ إسرائيل من الوجود؟

لقّد وضّح لي صديقٌ أمريكيّ مُسلمٌ لماذا عارضَت الأمتانُ العربيّة والإسلاميّة بالإجماع قرارَ التقسيم، وبحسبِ تفسيرهِ فقد هيمَنَت سياسةُ الرجلِ الأبيضِ على قراراتِ الأمم المتحدة في ذلك الوقت، الأمر الذي لا يُعطي أي حقٍ للأممِ المتحدّة في تقسيمِ بلاد الشرق الأوسط ، تماماً كما لم يكُن من حقّ بلفور تفسيم فلسطين سنة 1917 عندما قطعَ وعدهُ الشهير بإقامة وطنٍ قوميّ لليهود على أرض فلسطين.

جاريَ العزيز، لم تكُن إسرائيلُ بحاجةٍ لموافقة المُجتمعِ الدوليّ لإثباتِ عدالةِ مطالبِها، حيثُ أنننا نستندُ إلى جذورنا التاريخيّة وانتمائِنا العريقِ لهذه الأرضِ لإثبات مشروعيّة وعدالة مطالبنا ، الأمرُ الذي نصّ عليه ميثاقُ إعلانِ دولة إسرائيل بشكلٍ صريح، حيثُ يبدأ الميثاقُ مؤكدّاً على أنّ ” أرضَ إسرائيل كانَت الأرضَ التي وُلِدَ عليها الشعب اليهودي” ، وهذا ما أكّدهُ لاحِقاً نفسُ الميثاقِ بعد قرار الأمَمِ المتّحدة بالتصويتِ لصالح إقامة الدولة اليهوديّة.

من جانبٍ آخر ، لم تَمنح الأممُ المتّحدةُ اليهودَ دولةً يهوديّة ، كما لَم يَمنَحنا الانجليزُ أّيّ شرعيّة لحقوقِنا التاريخيّة ، فمطالبُنا بالعودة إلى هذه الأرضِ مُستمدةٌ من حقيقةِ وجودِنا عليها منذ آلافِ السنين ، مُستمدّةٌ من أولئكَ اليهودِ الذي عبّدوا الطريقَ لظهور الدولة اليهوديّة التي لم تتوقف عن الوجودِ في وجدان جميع اليهود ، حتى جاءَت تلكَ اللحظةُ التي اعترفَت فيها الأمم المتحدة بإسمها ووجودِها من خلال قرار التقسيم. إنّ شرعية مطالبِنا مستمدةٌ أيضاً من أولئكَ اليهودِ الذي خاضوا حروباً سريّة ضد الاحتلالِ البريطاني ، مُسطّرينَ بذلك قِصةَ ثورةٍ من أنجحِ ثوراتِ الشرقِ الأوسط التي قامَت ضدّ الاستعمار، ثورةٌ نجحَت في دَحرِ الاستعمارِ البريطاني عن تراب هذه الأرض.

يُعلّلَ المدافعونَ عن الرفضِ العربيّ لقرار التقسيم بأنّ الأممَ المتحدة منَحت ما نسبتهُ 55 بالمئة من الأرضِ لليهود رَغم كونهم أقليّة سكانيةً في ذلك الوقت ، إلا أنّ أولئكَ المُدافعينَ عن ذلكَ الرفضِ يتجاهلون حقيقةً مُهمة : وهيَ أنّ أكثر من نصفِ مساحةِ الأراضي التي كانَ من المُقرّر مَنحُها للدولةِ اليهودية كانت أراضٍ صحراوية ، في حين أن الأراضي التي كانَ من المُقرّر منحها للدولة العربية كانَت تمثّلَ أغلبية الأراضي الخصبة من مساحةِ الأرض، لكنّ السؤالَ الذي يطرحُ نفسهُ هُنا: بعيداً عن قرار التقسيم ، هَل وافقَ العربُ أصلاً على أيّة خطةٍ أخرى للتقسيم ؟ في الواقع ، لو مُنحتَ الدولةُ اليهوديّةُ أيّ مساحةٍ من الأرض – صغيرة كانت أم كبيرة – فإن العربَ كانوا سيرفضون ذلكَ بلا شكّ ، كونهُم يعتبرونَ السيادة اليهودية على أيّ مساحةٍ من هذه الأرض جريمةً لن يقبلوا بوقوعها تحتَ أيّ ظرف.

بالنسبة لي ، فإني أرى في وجهةِ النظرِ الفلسطينيّة أكثرَ وجهاتِ النظر صراحةً وواقعيّة لتفسيرِ ذلكَ الرفض ; إذ يُجملُ الفلسطينيون – كما سمعتُ منهُم – ما حدثَ آنذاك كالتالي : لو جاءَ شخصٌ غريبٌ ووضعَ يدهُ على بيتِكَ فجأةً ، هَل ستقبلُ أن تقتسمَ ذلكَ البيتَ بينكَ وبينه لاحقاً ؟ وعلى فرضِ أنه وافقَ على منحِكَ ثلاث غرفٍ وأبقى هوَ على غرفتين ، هل ترى في ذلك قِسمةً عادِلة ؟!

جاريَ العزيز ، إنني أتفهّم وجهة نظرِ الفلسطينيين وكيفيّة تصويرهِم لما حدث آنذلك ، كوني نشأتُ وترعرعتُ كشابٍ يَنتمي لحركة الشباب الصهيونيّ اليمينيةِ ” بيتار “، وهيَ حركةٌ مُتشدّدةٌ أنشأها جوبوتنسكي ومناحيم بيغين ورفضَت قرارَ التقسيم أيضاً لنفس الأسباب التي تدفعُك لرفضِها. كنتُ ابن 13 عاماً عندما انضممتُ إلى حركة بيتار ، وكنتُ مُقتنعاً برفضِ تلك الحركة لقرار التقسيم انطلاقاً من ايمانِها العميق بأن جميعَ الأرضِ من حقنا، وهذا أمرٌ لا تنازلَ فيه أبداً.

عندما كنتُ مراهقاً كنتُ أرتدي قلادةً معلّقاً فيها خارطةٌ فضيّة صغيرةٌ ، خارطةً لجميع أرضِ إسرائيلَ لا لجزءٍ منها، خارطةٌ لا تضمّ الضفة الغربية فقط، بل تضمّ أيضاً أراضي المملكة الأردنية، أي الأراضي التي اقتطعَها الانتدابُ البريطانيّ من مساحةِ فلسطين التاريخية ليمنحها للهاشميّين.

لذلك كنا نسألُ أنفُسنا : من يكونُ أولئكَ الانجليزُ ليقرّروا مصيرَ أرض أجدادِنا ؟ لقد كان ِمن ضمن الأغاني التي غنيّناها حينها : ” ضِفّتا نهرالأردن لنا ، هذهِ الضفة والضفة الأخرى أيضاً “.

جاريَ العزيز ، لقد كنتُ مُستغرقاً في مطالبِ أمّتي اليهودية ومقتنعاً تماماً بعدالةِ تلكَ المطالب لدرجة أنني لم أكُن قادراً على فهمِ ما كانَ يُطالبُ به شعبُك الفلسطيني، إلا أن ذلكَ كلّهُ قد تغيّرَكلّياً عندما في بداية العشرينيّات من عمري، إذ بدأتُ أسألُ نفسي ” أسئلةً هدّامَة ” تنسفُ المباديءَ التي تربيّتُ عليها : كيفَ ينظرُ الفلسطينيونَ إلى هذا الصراع؟ وما هيَ الأسسُ التي تَقومُ عليها حُجَجُهُم ؟ وانطلاقاً من فضولي لمعرفةِ أجوبةِ تلكَ الأسئلة بدأت قصّة تعاطفي مع الشعب الفلسطيني وتفهّمي لقضيته; فالفضولُ والتعاطفُ هما أهمّ الأسبابِ التي قَد تُجبرُ المرءَ على تغيير قناعَتهِ بأن مبادئهُ وقيَمَهُ هي المباديءُ الصحيحة وما دونها هيَ قيمٌ ومباديءُ خاطئة.

بنهايةِ المَطاف ، تَوصّلتُ إلى قناعةٍ راسِخةٍ مفادُها بأنّ التنازلَ على المستوى الشخصي أو على مستوى الأمة هوَ الوسيلةُ الوحيدة التي سَنحقّق من خلالِها طموحاتِنا التي لا تقلّ في حقيقتها عن طموحاتِ الاتجاهاتِ والحركاتِ المتشدّدة.

وبالعودة إلى سنة 1948 ، لم يكُن هناك أي امكانيّةٍ لوجودِ أي نوعٍ من التفهّمِ من قبلِ أي طرفٍ من الأطراف في ذلكَ الوقتِ الذي كان يخوضُ فيه الشعبانِ حرباً طاحنة بَدَت وكأنها حربُ بقاءٍ أو فناءٍ لا تفرّق كثيراً بين المدنيين والعسكريين. لقد اندلعَت تلكَ الحربُ المريرةُ وانتَشرَت من بيتٍ لآخر في الطرقاتِ وشوارِع القرى والمدن ، الأمرُ الذي أدى لوقوعِ مجازرَ دمويّة على كلا الجانبين.

عندما أذكّرُ الفلسطينيينَ بما اقترفوهُ من مجازرَ بحقّنا في ذلكَ الوقت ، فإنني أسمَعُ منهُم الردّ نفسهُ تقريباً : نعم قُمنا بذلك ، لكنكُم أنتُم الذينَ بدأتُم هذه الحرب، وما قُمنا به كان مُجرّدَ ردةّ فعلٍ، ولربّما سَيَردّ الإسرائيليّون بنفس النغمة التي تلقي بالمسؤوليّة على الجانب الآخر فيما لو طرحتُ عليهِم السؤالَ نفسَه.

حقيقةً ، لم يبقَ أيّ يهوديّ في المناطق التي انتصَر فيها العربُ على اليهود ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، تمّ طردُ جميع العائلاتِ اليهوديةِ من أحياء القدسِ الشرقيةِ ، تلكَ العائلاتُ التي عاشَت قروناً في القدس قبلَ أن يتمّ طردهُم منها، فيما تعرّضَ اليهودُ لمجازرَ دمويّة في المناطق التي سيطر عليها المقاتلونَ العربُ ، الأمر الذي أدى إلى نزوحِ تلكَ التجمّعات اليهوديّة أيضاً. وبكلّ الأحوال ، كان هُناك خياران فقط ٌ أمامَ اليهود الذين وقعت مناطقهُم تحت سيطرة العرب : إمّا التشريدُ أو الذبح.

بطبيعةِ الحال ، فقد تمتّع كل طرفٍ منا بميّزة خلال تلكَ الحرب، فقد حَظي الجانبُ الفلسطينيّ بدعم وتأييدِ جيوشِ خمسِ دولٍ عربيّةٍ مجاورة ، بينما انخرطَ اليهودُ في هذه الحرب في وقتٍ لم يكُن فيهِ بحوزتهِم سوى ثلاثُ دباباتٍ وأربعُ طائراتٍ مُقاتلة. أما من جهتِنا فقد كُنّا نقاتلُ وحدَنا ، وتلكَ هي الميّزة التي تحوّلَت لاحقاً إلى أهمّ ميّزة تمتّعنا بها خلال تلكَ الحرب . لقَد دفعَتنا حالةُ اليأسُ التي سيطرَتْ على الروح المعنويّة لليهود إلى فرضِ أقصى درجات ِالاستنفار والتأهبّ على المجتمع الإسرائيلي من خلالِ تجهيزهِ لحربِ حياةٍ أو موت ; إذ لو انتصرَ الجانبُ الفلسطينيّ في هذه الحرب لكّنا بالكاد سنرى أي يهوديّ على قيدِ الحياة على هذه الأرض ، لهذا فقَد سَقطَتْ تجمّعاتٌ يهوديّة قليلةٌ في أيدي العرب ; كوننا نقاتلُ بروحٍ الثباتِ والإصرار على البقاء هُنا ، وكونَنا ندركُ جيّدا بأننا لا نمتلكُ أي مكانٍ آخرَ لنَفُرّ هاربينَ إليه . كيفَ نهربُ بعد وصولِنا إلى الأرض التي تمثّل لَنا أهمّ وآخرَ محطةٍ من محطاتِ التاريخ اليهودي .

وبنهايةِ المطاف ، فما تكبّدَهُ الفلسطينيون في هذه الحرب كانَ أكثر مما تكبّدهُ اليهودُ ، إذ دفعوا ثمناً باهظاً تمثّل في نزوحِ قرابة سبمعئةِ ألفِ فلسطينيّ من أرضهِم ليُصبحوا بعد ذلكَ لاجئين.

جاري العزيزُ ، لقد كانت هُناكَ روايتان مُختلِفتانِ تتتعلّقان بأسبابِ نزوحِ الفلسطينيين عن أرضهِم وظهور مأساةِ اللجوءِ الفلسطيني بعدَ انتهاء الحَرب. لقد نفى الجانب الإسرائيلي لسنواتٍ طويلةٍ قيامَهُ بإجبارالفلسطينيينَ على تركِ أرضِهِم، فيما ادّعى الجانبُ الإسرائيليّ بأنّ الفلسطينيينَ الذين رحلوا عن أرضهِم قَد رحلوا طوعاً بعد أن أقنعهُم القادة العربُ بضرورةِ تركِ منازلهِم وأراضيهِم من أجل إفساح الطريق أمامِ الجيوش العربيّة التي ستنتصرُ في تلكَ الحربِ قريباً. أمّا روايةُ الجانبِ الفلسطينيّ التي تفسّرُ أسبابَ اللجوءِ الفلسطينيّ فتدّعي بأنّ تشريدَ الفلسطينيين وطردَهُم من أرضِهِم كان سياسةً إسرائيليّة مُمنهَجة وجزءاً من خطةٍ صهيونيّة مُتعمّدة لتهجير السكانِ العرب.

وعلى أيّ حال ، لقد كانت كلتا الروايتان اللتان تبناها الجانبانِ لتفسير قضيّة اللجوءِ الفلسطينيّ رواياتٍ مغلوطة ; فقَد أثبتَ جيلٌ جديدٌ من المؤرخين الإسرائيليينَ أنّه تم إجبارُ العديدِ من الفلسطينيينَ على ترك ديارهِم، فيما أثبتوا في الوقتِ نفسهِ قيامَ بعضِ القادة العرب بتحريضِ وتشجيع الفلسطينيينَ على تركِ بيوتهِم وأراضيهم. بطريقةٍ أو بأخرى ، ليسَ من السهل علينا رؤيةُ ذلكَ الخط الفاصلِ بين “إجبار الفلسطينيينَ على النزوح من أرضهِم ” وَ” خروجهِم طوعاً منها “. وإلى جانب ذلك كلّه ، فقد نزح العديدُ من الفلسطينيينَ تاركينَ أراضيهم وديارهُم خوفاً من تعرّضهِم للقتلِ أو التهجير.

حقيقةً ، لم تتسبّبْ أي سياسةٍ إسرائيلية مُمنهجةٌ في مأساة اللجوءِ الفلسطينيّ ، بل كانَ إجبارُ الفلسطينيينَ على النزوحِ من أراضيهِم قراراً شخصياً من بعضِ القادة العسكريينَ الإسرائيليين آنذاك ، ولأدلّلَ على هذا فإنني أستذكرُ ما حدثَ عندما أرسلَ رئيسُ الوزراءُ الإسرائيليّ ديفيد بن غوريون أوامرَ واضحة وصريحة بتهجير سكّان منطقتي اللد والرملة – قرب تل أبيب – ، إلا أنهُ ومع الأسفِ الشديدِ ، فقد رافقَ عملية تهجير السكان مجرزةُ دمويّة بحقّ السكانِ العرب.

في الوقتِ نفسِهِ ، فقَد تُركَتْ بعضُ القرى العربيّة التي لم تنخرط في الحربِ كما هيَ ، أي لَم يُجبَر أحدٌ من سكانها على النزوح ، أما في مدينة حيفا التي سكنها اليهودُ والعربُ معاً لفترة طويلة قبل قيام دولةِ إسرائيلَ ، فقَد وقف مُحافظُ حيفا آنذاك في وسط الشارع مُتوسّلاً السكانَ العربَ عدم مغادرة المدينة والبقاءَ فيها ، إلا أنّهُ ومع تصاعُد وتيرة القتالِ بين الطرفين ، فرّ عشراتُ الآلافِ من أبناء الطبقة الوسطى من سكان حيفا باحثين عن الأمان ، على أمل أن يعودوا إلى مدينة حيفا بعد أن يُهزمَ اليهود ، فيما أضعفَت مغادرتهُم للمدينةِ من الروح المعنويّة للمُجتمع الفلسطينيّ وعمّقَت من شعورهِ بالإحباط.
ولنكونَ واضحين أكثر ، فقَد تمّ تهجيرُ جزءٍ من أبناء الشعبِ الفلسطينيّ ، كما نزحَ جزءٌ من أراضيهِم باحثينَ عن الأمان، في الوقت نفسه ، فقد أصرّ جزءٌ آخرُ من الفلسطينيين على البقاءِ في أراضيهِم ولم يتركوها أبداً ; الأمرُ الذي يُفسّرُ وجودَ أكثر مِن مليون ونصفِ المليون مواطنٍ فلسطينيّ يعيشون في دولة إسرائيل في أيامِنا هذه ، إذ ينحدرُ هؤلاءُ من نسلِ الفلسطينيين الذين فضّلوا البقاء في أرضهِم وعدم النزوح ، والذين كانَ يُقدّرُعدَدُهم بمئة وخمسينَ ألف فلسطينيّ آنذاك.
ومع ذلكَ ، لا يُمكننا إنكارُ حقيقةِ ما ألحقتهُ الحربُ من تحطيمٍ للمجتمع الفلسطيني بعد انتهائِها. لقد دمّرَت إسرائيلُ أكثر من أربعمئة قريةٍ فلسطينيّة بعد تهجيرِأهلِها ، فيما تمّ توطينُ كثيرٍ من اللاجئينَ اليهودِ الذين كان أغلبهُم من اليهودِ القادمين من دولٍ عربية في العديدِ من هذه القرى المدمّرة . في الوقت نفسه ، تشتّتَ الشعبُ الفلسطينيّ وتبدّدَ وجودُه في عدة دولَ كسوريا ولبنان والأردن ، ، إضافةً إلى الضفةِ الغربيةِ التي كانت تحت سيطرة الأردن ، وقطاع غزة الذي كان تحت سيطرة المصريين آنذاك.

وفي الوقتِ الذي كنّا نحقّقُ فيه الإنجازَ تلو الآخر ونحتفلُ فيه نحنُ الإسرائيليّونَ باستعادةِ سيادتِنا على أرضنا ، فقد تبدّلَت حياة أبناءِ شعبكَ الفلسطينيين بترحالهِم من بيوتهِم وأراضيهِم وحقولِهم المزروعةِ بأشجار الزيتون ، إلى مخيماتِ اللجوء البائسةِ المُنتشرة في كل مكانٍ ، تلكَ المُخيّماتُ التي ربّى اللاجئون فيها أبناؤهُم بلا أملٍ، بينما تملؤهُم الحرقة والحسرة على ما حدث. تلكَ المُخيماتُ التي يتواجدُ فيها الفلسطينيّ كانسانٍ منبوذٍ غيرُ مرغوبٍ به رغم وجودهِ في دولٍ عربية شقيقة للفلسطينيين. وفي خضمّ فرحي ويأسِكْ ، ينتابُني الشعورُ بالأسى الشديدِ على تلكَ الأرواحِ التي أُزهِقَت جراء ما تعرّضَ لهُ الفلسطينيونَ من منفىً وشتات.

لكن من جهةٍ أخرى يا جاريَ العزيز ، أتمنّى منكَ أن تتفهّم عدمَ قدرَتي على الاعتذار عن كوني موجوداً هُنا ، عن حربيَ التي خضتَها في سبيلِ البقاء. ستسمعُ من الجانب الإسرائيليّ كلاما مُماثلاً في الغالب ، كلاماً مفادهُ بأنهُ لو تنازلَ الفلسطينيّونَ والقادةُ العربُ آنذاك بدلاً من إصرارهِم على شنّ حربِ حياةٍ أو موت على اليهود لَما وَقعَت مأساةُ اللجوءِ الفلسطيني من الأًساس.

في الواقع، هناكَ سببٌ آخرٌ يُفسّرُ رفضَ اليهود الإسرائيليين تصويرَهُم على أنّهُم مجرمون جرّاء أحداث حرب 1948 ، وهوَ ما حدثَ من نزوحٍ ليهودِ العالم العربيّ والإسلاميّ ، أولئكَ اليهودُ الذين يشكّلون حالياً نصف سكان دولة إسرائيل على الأقل ، والذين عاشوا في تلكَ البلدان الشرق أوسطية وشكّلوا جزءاً من نسيجِها الاجتماعيّ منذ زمنٍ طويل. إذ بعد مضيّ عقدين تقريباً على قيام دولة إسرائيل ، بدأتَ تلكَ المجتمعاتُ اليهوديّة التي كاَنت مُزدهرةُ بالاندثار شيئاً فَشيئاً ، حيثُ أجبرَ اليهودُ الذينَ عاشوا في بلدان العالم العربي والإسلاميّ على تركِ ديارهِم نتيجةً لما تعرّضوا له من عنفٍ وأعمال معاديّة للساميّة ، الأمرُ الذي يعتبرُ شكلاً من أشكالِ التهجير القسريّ.

من جهةٍ أخرى ، فقد هاجرَ بعضُ يهودِ الدولِ العربيّة بمحضِ إرادتهِم خوفاً من اندلاعِ أعمالِ عنفٍ ضد اليهود مُستقبلاً ، أو شوقاً وحنيناً إلى أرضِ صهيون. لقَد حصدَت أعمالُ العنف المُمنهجِ ضدّ المُجتمعات اليهوديّة خلال أربعينيات القرن الماضي مئاتَ الأرواحِ من أبناءِ يهودِ بغداد وبنغازي وحلب ومدن أخرى ، كما أدّت أعمالُ العنف تلكَ إلى خلقِ موجةٍ من الذعر والخوفِ بين أبناءِ تلك المجتمعات اليهوديّة، حيثُ جُرّدَ اليهودُ من مُمتلكاتهِم ، فيما تعرّضوا للسجنِ والإعدامِ شنقاً خلال موجات العنفِ تلك; الأمرُ الذي دفعهُم بنهايةِ المطافِ إلى ترك مُدُنهِم والفرار إلى إسرائيل ، فيما أطلقَ اليهودُ المزراحيم – اليهودُ المزراحيم هُم اليهودُ الذين عاشوا في دولِ العالم العربيّ والإسلامي قبلَ قيام دولة إسرائيل – على أنفسهِم لقب “اللاجئون المخفيّون”. لقد تواجدَ قرابة المليون يهوديّ في بلدانِ العالم العربي والإسلامي قبلَ قيامِ دولة إسرائيل ، بينما بالكادِ تجدُ أربعينَ ألف يهوديّ يعيشونَ في بلدانِ العالم العربيّ والإسلامي في أيّامِنا هذه.

إنّ أغنية ” قريةِ تضرا ” هيَ أحدُ الأغاني العبريّة المُفضّلةِ لديّ ، وهيَ أغنيّةٌ رثائيّةٌ تندبُ ما حلّ بيهودِ المغربِ من فقدانٍ لثقافتهِم وحضارتهِم بعد رحيلهِم من المغرب ، إذ تروي الأغنية قصّةَ أحد الطقوس اليهوديّة التي كانت متبّعةً في جبالِ الأطلس آنذاك ، والتي اختفت في وقتنا الحاضر.

يبدأ هذا الطقسُ الدينيّ حينَ يتمّ إحضارُ ولدٍ صغيرٍ إلى الكنيسِ اليهوديّ، فيما يَلعقُ هذا الولدُ حروفَ اللّغةِ العبريّة التي يتمّ كتابتُها بالعسلِ على قطعةٍ خشبيّة ; وذلك حتى يستشعرَ هذا الطفلُ حلاوةَ التوراة في فمِه. وخلفَ هذه الأغنية الجميلة التي تسردُ تفاصيلَ تقليدٍ فولوكلوريّ رائعٍ نجدُ قصّة مُحزنة تتحدّثُ عن دمارِ ذلك المجتمعِ والثقافةِ التي أنتَجَت ذلكَ التقليد.

جاريَ العزيز، يقارنُ بعضُ الأشخاصِ أحيانا بين الصراعِ الفلسطينيّ الإسرائيليّ من جهة، وبين صراعِ باكستان معَ الهند من جهةٍ أخرى ; نظراً للتشابهِ بين الواقعين ونتيجةً لفرار ملايينِ الهندوس والمسلمينَ إلى جانبي الحدود إثرَ قرار تقسيم الهند سنة 1947. لقد شَهدتْ تلكَ البلدان أيضاً مجازرَ دمويّة مروّعة على كلا الجانبين ، مجازرَ فظيعة بكلّ ما تحملهُ الكلمةُ من معنى فيما لو قارنّاها بما حدثَ بينَ اليهودِ والعربِ.

إنّ المقارنةَ بين كلا الصراعين هو أمرٌ غيرُ دقيقٍ أبداً ، فخِلافاً لما حدثَ للّاجئين الهنود والباكستانيين على طرفي الحدود، فقد وجدَ أولئكَ اللاجئونَ موطِناً جديداً في بلدٍ آخر، في حين أنّ اللاجئينَ اليهود الذي فرّوا من الدول العربية قد لجأوا إلى موطنهِم الأصلي ، أرضِ إسرائيل.
عندما هاجرَ اليهودُ من بلدانِ الدول العربيّة إلى إسرائيلَ فقَد تمّ توطينهُم في بداية الأمر في ملاجيءَ مؤقتة ، ومن ثُمّ تم نقلهُم إلى مشاريع إسكانيّة وقرىً زراعية متعدّدة. ولنكونَ واقعيّينَ وصريحينَ ، فقَد كانَ هُناكَ تمييزٌ عنصريّ ضدّ اليهودِ المزراحي خلال تلكَ الفترة ، كما أنّ الجرحَ العميق الذي نتجَ عن ذلكَ التمييز العنصريّ الذي شهدتهُ تلكَ الفترةُ لا زالَ ينزفُ في المجتمع الإسرائيلي حتى يومنا هذا.

ولكن ، وبالرغم من كلّ الأخطاءِ التي ارتَكبها المُجتمعُ الإسرائيليّ خلالَ عمليّةِ استيعاب اليهودِ المزراحي في المُجتمعِ الإٍسرائيليّ، إلّا أنه تم الاعترافُ بهم – حتى من قبلِ مؤسّسي دولة إسرائيل المُنحازين ليهودِ الغربِ أكثر من يهودِ الشرق – على أنّهُم ” عوليم ” ، أي أنّهُم ينحدرونَ من نسلِ اليهودِ الذين عاشوا على هذهِ الأرضِ قبل أربعة آلافِ عام ، في الوقتِ الذي لا زالَ الفلسطينيّون الذين لجأوا إلى الدول العربيّة يعتبرونَ أنفُسهُم موجودينَ في المنفى ، رغمَ لجوئِهِم إلى بلدانَ تتشاركُ معهُم اللغة نفسها والدينَ نفسه ، بخلافِ ما حدثَ مع اليهود الذينَ فرّوا من الدولِ العربية والإسلامية إلى إسرائيل.

لقد عوملَ الفلسطينيونَ – في أغلب الأحيان – من قبلِ أخوانهِم العرب على أنّهُم غرباء ، الأمرُ الذي يستدعي وجودَ حلّ جدّي وجذريّ يساعدهُم في الخروجِ مِن مأزقِ الشتات . لذلكَ فإنّ إسرائيل ، جنباً إلى جنبٍ مع دول العالم العربيّ ، تتحملُ مسؤوليّة ايجادٍ حلّ يُغيّر ذلكَ الواقع المزري للاجئينَ الفلسطينيين في دولِ الشتات. من جهة ، يتوجّبُ على إسرائيلَ أن تدفع تعويضاتٍ لكلّ لاجيء فلسطينيّ ينحدرُ من نسلِ الجيلِ الأوّل للاجئينَ الفلسطينيين الذين هاجروا إلى الدولِ العربيّة ، ومن جهةٍ أخرى ، يتوجّب على الدولِ العربيّة أن تدفعَ تعويضاتٍ لكلّ إسرائيليّ ينحدرُ من نسلِ الجيل الأول من اليهود الذين فرّوا إلى إسرائيل هاربين من الدولِ العربيّة.

جاريَ العزيز، سوفَ يبقى النصفُ مليون يهوديّ الذينَ وضعوا حجارةَ الأساس لقيامِ دولةِ إسرائيل ودافعوا عنها سنة 1948 كأكثر المُجتمعاتِ اليهوديّة تخليداً في الذاكرة اليهوديّة عبرالتاريخ. لقّد كانَ منهُم البناؤونَ والثوريّونَ والمُجدّدونَ والصوفيونَ والكتاّبُ والشعراءُ الذين أحيوا لغةً ميتّة، كانَ منهُم الحالِمونَ المُتفائلونَ اليوطوبيّونَ الذي يسعونَ لخلاصِ هذا العالم. لقد تصارعَ هؤلاءِ فيما بينهَم بشراسةٍ حول كيفيّةِ الوصول إلى استقلالِ الدولة اليهوديّة وطبيعتِها ومُستقبلِها ، فيما تمتّعوا ببصيرةٍ قويّة ووعيٍ عميقٍ لواقع المرحلة التاريخية التي عاشوها وما يترتّبُ على ذلكَ من تبعاتٍ تجعلُ من مستقبلِ الأمة اليهوديّة المُنكسرةِ عبءاً ثقيلاً مُلقىً على ظهورهِم.

لطالما كنّا نسألُ بعضَنا أنا وأصدقائي عندما كنا صغاراً هذا السؤال : في أيّ فترةٍ من فتراتِ التاريخ اليهوديّ تُحبّ أن تولدَ لو امتلَكتَ الفرصةُ لتعودَ بالماضي إلى الوراء ؟ كانَت إجابَتي : أحبّ أن أعودَ إللى الزمن الذي سبقَ قيام دولةِ إسرائيل بقليل، أردتُ أن أكونَ معَ أولئكَ الصهاينة الذين كانوا يعبّدون الطريق لإحياءِ الأمّة اليهوديّة من جديد.

لقَد كانَت التحدّياتُ التي واجهَت أولئكَ الشبّان والشاباتِ شاقّة للغاية، إذ لم تقلّ في مشقّتِها عن أي تحدّياتٍ واجهَت المؤسّسينَ الأوائلَ لأي أمّة ، حيثُ لم يقَع على عاتقِ المؤسسينَ اليهودَ مسؤوليّةُ تحريرَ مُجتمعهِم من نيرالخُكمِ البريطانيّ فقط ، بَل كان يتوجّبُ عليهم أيضاً إعادة تنظيم وتأسيسِ ذلك المُجتمع من البداية من خلال إحياءِ اللغة العبريّة وبناءُ ثقافةٍ مُعاصرةٍ دونَ المساسِ بجوهرالثقافة اليهوديّة القديمة، والأهم من هذا كلّه : إحياءُ أمةٍ واحدة من أفرادٍ انتموا لأكثرِ المُجتمعاتِ البشريّة بأساً ، خاصةً بعدَ الدمارِ الجسيم الذي لحِقَ بالأمّة اليهودية منتصفَ القرن العشرين ; ففي أوروبا كان يتمّ ترحيل اليهودِ ونقلهُم إلى مخيّماتِ ومعسكراتِ الموت ، أما في الشرق الأوسطِ فقد كانَ اليهودُ تحتَ تهديد دائمٍ تمثّلَ في العنفِ الموجّه ضدّهم من قبلِ الشعوبِ العربيّة والإسلاميّة. وإضافةً إلى هذا كلّه فقد تعرَضَت الهويّة اليهوديّة للصهر في الاتحاد السوفييتي ضمن قراراتٍ وسياسات الحكومة السوفييتية التي كانت تقضي بقتلِ الهويّة اليهودية.

لقد كانَ هذا هو حالُ الأمة اليهوديّة قبل قيام دولةِ إسرائيلَ ، الأمرُ الذي خلقَ تحدّياً شاقاً على القادة الصهاينة في بداياتِ الأربعينيات من القرن المُنصرم ، إلا أنّهُم تمكّنوا من تجاوز تلكَ التحديّات من خلال التَظافرِ بين عقيدتهِم القويّة من جهة، وواقعيّتهِم من جهة ثانية ; الأمرُ الذي أدّى في نهاية المَطافِ إلى إنقاذِ أمّتهِم اليهودية وتجديدِ تاريخِها العريق.

ولكن ، ورغم كلّ الحب والاحترام والتقدير الذي أكنّهُ لذلكَ الجيلِ من الصهاينةِ الأوائلِ مؤسسي دولةِ إسرائيل ، إلا أنني أعيشُ في زمنٍ مُختلف ، زمن يفرضُ عليّ واقعاً جديداً وفُرصاً مُختلفةً لمواجهةِ المشاكلِ والبحثِ عن حلول لها، وخلافاً لجيل ديفيد بن غوريون الذي فرضَت عليه التحدّيات تركيزَ جُهدهِ على بناءِ الدولةِ من الداخل في ذلك الوقت ، فإنّ التحدّيات التي تواجه جيلي حالياً تتطلبُ منّي أن أركّز جُهدي على بناء دولة إسرائيل من الخارج ، وذلكَ من خلالِ التوجّه صوبَك يا جاري العزيز ; ذلكَ لأنني أرى مُستقبلي كَجزءً لا يتجزأ من مُستقبَلك.

وبطبيعةِ الحال ، لربّما يكون من الصعبِ ايجادُ طريقةٍ نجسرُ بها الهوّة التي أحدَثَها التضادّ في روايَتَينا التاريخيتين حولَ قيام دولةِ إسرائيلَ ، تلكَ الهوّة التي يبدو وكأننا لا زلنا عالقينَ فيها حتى في خضمّ محاولاتِنا للوصولِ إلى حلّ الدولتين.

وبأي حالٍ من الأحوال ، فإن ذلكَ الشرخَ التاريخيّ القائمَ بيننا لا يجبُ أن يمنعَنا من تقديم تنازلاتٍ سياسيّة لبعضِنا البعض.
إنني شخصٌ يُمجّدُ التاريخ جداً ، لكنّي أمجّدهُ لمرحلةٍ أراه فيها مصدراً للإلهام والمعرفة، لا مصدراً للعبودية ; فأنا مؤمنٌ تماماً بأنّ الطريقةَ الوحيدة التي نمنعُ بها الماضي من أن يكونَ عقبةً في طريق المُستقبلِ تتمثلُ في استيعابِنا للروايةِ التاريخيّة لكلّ طرفٍ من الأطرافِ وتعلّمنا لكيفيّة العيشِ في خضمّ رواياتٍ تاريخيّة مُختلفةٍ ومُتناقضة.

جاريَ العزيز ، إنني أكتبُ لكّ هذه الرسالة في وقتٍ متأخرٍ من الليل ، أكتبُ لكَ وأنا أرى بعضِ البيوتِ المَضاءةِ فوق تلّتِك ، فيما يُعكرُ صوتُ أحدِ السيّارات المُهترئةِ على الطريق الواصلِ بين تلّتي وتلّتكَ سُكونَ هذا الليل ، بينما يتضاءلُ شعوري بالوحدة شيئاً فشيئاً كلما شطحتُ بخيالي متصوّراً نفسي وإيّاكَ نتجاذبُ أطرافَ الحديثِ على جانبِ الطريق الواصلِ بين تلّتي وتلّتِك.

وبينَما أكتب لك في هذا الوقت بالتحديد ،فإنّني أصغي إلى صوتِ المؤذن وهوَ يُنادي لصلاة الفجر ، أصواتُ عدّةُ مؤذنينَ تنطلقُ في أوقاتٍ مُتفاوتةٍ بعضَ الشيء من مكبّراتِ الصوتِ الموجودة في أعلى مناراتِ المساجدِ الأخرى في التّلالِ المجاورة لنا ، ها أنا أسمعهُم ينادونَ ” اللهُ أكبَر” ، وها أنا أسمعُ صدى عظمةِ الله يتردّدُ في الأفق . إنّهُ لشعورٌ رائعٌ بالسكينةِ والطمأنينةِ يتملّكُني حينَ أسمعُ ذلكَ الصوتَ الهاديءَ الذي ينادي بقوّة ” الصلاةٌ خيرٌ مِنَ النومْ ” ، في دعوةٍ لطيفةٍ للاستيقاظ من النومِ والاستعدادِ لهذا اليوم الذي شارَفَت بدايتُهُ على الاقتراب.

وبينما ينادي المؤذّنونَ ” الصلاةُ خيرٌ من النوم ” ، أريدُكَ أن تتذكّر هذا الكلام جيّداً يا جاريَ العزيز : إن وجودَنا في هذه الحياة هوَ أمرٌ مؤقّت ، مسألةُ وقتٍ ليسَ إلا، لذا فإيّاكَ وأن تتصرّفَ مثلما يتصرّفُ مَن يمشي أثناء نومه ، إيّاك أن تُضيّع وقتَك موهِماً نفسكَ بالبقاء الأبدي ، استيقظ من نومِك وكُن انساناً فعّالاً في هذه الحياة . ها قد انتَهي الأذانُ ، وها هوَ السكونُ المُفاجيءُ يُخيّمُ على المكان مُجدّداً.

جاريَ العزيز ، إننا قريبونَ جداً من بعضِنا البعضِ لدرجةٍ سنسمعُ فِيها أنفاسَ بعضنا البعض إذا ما أصغينا جيّدا لها.

فكّر معي لبعض الوقت، هَل نمتلكُ أيّ خيارٍ آخر لإنهاءِ هذا الصراع سوى اقتسام هذهِ الأرضِ فيما بيننا ؟ أقصدُ اقتسامها بيننا ماديّاً ومعنوياً.
علينا أن نتعلّمَ جيداً كيف نستوعبُ رواية الطرفِ الآخر لهذا الصراع ، الأمرُ الذي – كما ذكرتُ سابقاً – يدفعُني وبقوّةٍ للوصولِ إليكَ من خلال كتابةِ هذه الرسائل ، وها أنا ذا أحاولُ جديّاً الوصولَ إليكَ مُتجاوزاً تلكَ المساحة الضئيلة والهوّة الشاسعة التي تفصلُ بين تلّتي وَ تلّتِك.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.