جاريَ العزيز،
مَن همُ اليهودُ إذاً ؟ هُلِ اليهودُيّة ديانةٌ فقط؟ هل يُعدّ اليهودُ أمّةً بحدّ ذاتها؟ هَل هُم جنسٌ بشريّ؟ هَل هُم عِرقٌ بشريّ بحدّ ذاتِه؟

تؤثّرُ الإجابة على هذهِ الأسئلةِ تأثيراً مباشراً في مُجرياتِ الصراع القائمِ بيننا ، كونَها تمثّلُ أساسَ رفضِ العالمِ العربيّ لشرعيّة اسرائيلَ كدولةٍ قوميّة للشعبٍ اليهودي، لهذا دعني أحكي لكَ يا جاريَ العزيز حكايةَ اليَهود.

لقَد بَدأتْ حكايةُ اليهودِ منذُ ذلكَ اليومِ الذي قرّرَ فيه ابراهيمُ الزواجَ من سارة قبلَ أربعةِ آلافِ عام، مؤسّسينَ بذلكَ عائِلةً خرجَ من نسلِها أبناءٌ لأمّةً وعَقيدة واحِدة. لقَد كانَت تلكَ العائلةُ موحّدةً منذُ الأزَل، موحّدةً بمعنى ارتباطِ جميعِ أبنائِها بنفسِ المَصيرِ رغمَ اختلافِ توّجهاتُهُم الدينيّة والسياسية. ومنذ ذلكَ اليومِ حتى يومِنا هذا، حافَظت تلكَ العائلةُ على هويّتها اليهوديّة كما هيَ.

إنّ التعبيرَعن الروابطِ الأسريّة داخلَ العائلةِ اليهوديّة عادةً ما يتّخذُ طابعاً دراميّاً مؤثّراً، وهُنا أستذكرُ تَجرُبَتي الشخصيّة التي تَشَكّلتْ من خلالِها بدايةُ تعبيري عنِ انتمائِي وارتباطي بالعائلةِ اليهوديّة المُمتدّةِ في شَتّى بقاع العالم، إذ كانَتْ خلالَ مجموعةِ الاحتجاجاتِ والتظاهراتِ التي نظّمناها للمطالبةِ بإنقاذِ يهودِ الاتّحادِ السوفييتيّ سابِقاً. التحقتُ بتلكَ التظاهراتِ في ستينيّاتِ القرنِ المُنصَرم، كنت طفلاً صغيراً حينها، طفلٌ من برولكين يتظاهرُمن أجلِ إنقاذِ أناسٍ لا يعرفُهُم، أناسٍ يعيشونَ على بعدِ آلافِ الأميالِ عنه، وهوَ أمرٌ لا غرابة فيه لأننا عائلةٌ واحدة لا تُفرّقُها الحدود، كما أنّ قيامي بواجبي تجاهَ إخوَتي وأخواتي وبذليَ كلّ ما بوسعي لإنقاذِهِم منَ الكوارثِ التي تعرّضوا لها في ذلكَ الوقتِ هوَ أمرٌ بديهيّ جداً.

وعندما كنّا نُطالبُ بـِ ” إنقاذِ ” اليهودِ السوفيييت، فإننا لم نقصِد حمايتَهُم من الاعتداءِ عليهِم جسدياً، فما تعرَضوا لهُ لم يكُن اعتداءاً ماديّا بالضربِ أو ما شابَه، بل كانَ تهديداً بالاعتداءِ على هويّتهِم ووجودِهِم كيهود في مناطق الإتحادِ السوفيينيّ. لقَد كانَت سياساتُ الحكومةِ السوفييتيّة مُجحِفةً جداً بحقّ اليهود، حيثُ مُنعَ اليهودُ من أداءِ عباداتِهِم ودراسةِ الديانة اليهودية وتعلّمها والتفقّهِ فيها، في محاولةٍ لِطمسِ وجودِهِم كَيَهود على أرضِ تلكَ البلاد، لهذا اتّخذنا قراراً بِبدءِ التظاهَراتِ وقُمنا بالاحتجاجاتِ كي نبذلَ ما بوسعِنا لمنَعَ فقدانِ بعضٍ من أبناءِ عائِلتِنا اليهوديّة.

نظّمَ اليهودُ حملةً واسعةً من الاحتجاجاتِ والتظاهراتِ التي تواصلَت على مدارِ خمسةً وعشرين سنةً، الأمرُ الذي ساعدَ على إعادة تعريفِ الهويّة اليهوديّة والغايةِ منها. لقَد سافرَ آلافُ اليهودِ من مُختلفِ مُجتمعاتِ الشتات اليهوديّ إلى الاتحادِ السوفييتيّ ليَلتقوا بإخوتِهِم اليهود ويَشدّوا من أزرهِم ويَدعَموا صُمودَهُم من أجلِ البقاء، حيثُ امتدّت رقعةُ تلكَ الاحتجاجاتِ حتى وصلَت لمرحلةٍ انخرَطَتْ فيها جميعُ المُجتمعات اليهوديّة في كلّ أنحاءِ العالم، الصغيرةِ منها والكبيرة، القريبة منها والبعيدة. وبنهايةِ المَطاف، فُتِحَتْ أبوابُ الاتحادِ السوفييتي أمامَ اليهودِ السوفييت للخروجِ من تلكَ البلاد في أواخر الثمانينات من القرنِ الماضي، فاتّحدوا مع باقي أفرادِ عائلتهِم اليهوديّة مرةً أخرى.

ومِن ناحيةٍ أخرى، لا تقتصرُ طبيعةُ العلاقاتِ بينَ أبناءِ العائلةِ اليهوديّةِ على مظاهرِ الحُزنِ والدراما فقط، بَل هُناكَ طابعٌ حميميّ وعاطفيّ يُظهرُ التعاضُدَ والتكاتُفَ بين أبناءِ تلك العائلة، الأمرُ الذي أدرَكتُهُ خلالَ ترحاليَ من بلدٍ لآخر، حيثُ أدرَكتُ المَعنى الحقيقيّ لنعمةِ الإنتماءِ إلى عائلةٍ كريمةٍ مُمتدّة، تَشعُرُ في أحضانِها وكأنّك لم تفارق بيتَك مَهما ابتعدتَ عنهُ. فخلالَ زيارتي إلى مومباي استضافَتني أسرةٌ يهوديّة مكوّنةٌ مِن زَوج فقط، إذ لم يُرزق هذh الزوج بأي أبناءٍ، فعاملاني وكأنني ابنٌ لهما، لأنّي إلى حدٍ ما أعتبرُ نفسي ابناً من أبناءِ هذه الأسرة.

وخلالَ رحلةٍ أخرى استَغرقَتْ قرابةَ العامِ في إحدى قُرى جنوبيّ فَرنسا ، تملّكتني الدهشةُ حينَ تلقّيتُ في أحدِ الأيامِ صُندوقاً مليئاً بالخضارِ والفواكهِ الفرنسيّة الطازجِة كهديّة بمناسبةِ السنة اليهوديّة الجديدةِ من شخصٍ لا أعرفُهُ. لقد كان فلّاحاً يهوديّاً فرنسياً علِمَ بزيارةٍ أخٍ يهوديّ لهُ لهذه القريةِ قادماً من الخارج، فقرّرَ أن يُرسِلَ لهُ تلكَ الهديّة.

جاريَ العزيز ،كثيراً ما أتعرّضُ لِهذا السؤالِ أثناءَ تنقّلي بينَ المطاراتِ : ” هَل أنتَ يهوديّ ؟ ” وهو سؤالٌ يُطرحُ بنَبرتَينِ مُختلفتين : إمّا بنبرةِ الحدسِ والفضولِ، أو بنبرةِ الحِقدِ والكراهيةِ، حيثُ التفريقُ بينَ النبرتين أمرٌ ليسَ بتلكَ الدرجةِ من الصعوبة.

صحيحٌ أنّ الشدائدَ والمحنَ التي تعرّضَ لها اليهودُ قَد أضعفَتهُم، إلّا أنّها قوّتهُم في الوقتِ نفسه. تاريخيّاً، فإنّ أحدَ أهمّ الأسبابِ التي تجعلُ اليهودَ متعلّقينَ ببعضِهِم البعضَ هو الحاجةُ المُلحّة لذلك، ولِتعلمَ يا جاريَ العزيزُ فقد أثّرَ شعورُ العائلةِ اليهوديّةِ الواحدةِ بشكلٍ كبيرٍ على الصراعِ القائمِ بينَنا; فجميعُ المحاولاتِ التي كانت تَهدفُ إلى تدميرِ دولةِ إسرائيلَ إو إضعافِها أدّت إلى حَشدِ مزيدٍ من الدعمِ للدولةِ اليهوديّة مِن قِبلِ اليهودِ من كافّة أرجاءِ العالم. لكنّ المفارقةَ هُنا تكمنُ في أنّ ذلكَ الشعورَ الزائدَ بالإنتماءِ للعائلةِ اليهوديّة من شأنهِ أن يُضعِفَ منَ قوّة التماسُكِ والتَعاضُدِ اليهوديّ; فالتوقّعاتُ المُتبادلةُ بينَ أبناءِ العائلةِ نفسِها قد تقودُ إلى شعورِ الفردِ بخيانةٍ من قِبلَ أخيهِ الذي ينتمي إلى نفس العائلةِ إذا ما خيّبَ أحدهُم ظنّ الآخر، وفي تلكَ اللحظةِ التي يَثبتُ فيها وجودُ خيانةٍ للمَصالحِ والقيمِ اليهوديّةِ من قبلِ اليهودِ أنفسِهِم، فإنّهُم سُرعانَ ما ينقلبُونَ على بعضِهم البعضَ بطريقةٍ شرسةٍ تخلو من أيّ احترامٍ أو اعتبار لأواصرِ الأخوّة بينهُم، وهذا هوَ الجانبُ المُظلمُ من العائلةِ اليهوديّة.

تظهرُ العائلةُ اليهوديّة على صورةِ شعبٍ واحدٍ، حيثُ أنّ مركزيةّ تلكَ الصورةِ في الهويّة اليهوديّة تساعدُ في تفسيرِ قضيّة وجودِ ” المُلحدينَ اليهود “، وهوَ أمرٍ يبدو وكأنّهُ شذوذٌ عن الديانةِ اليهوديّة إلى حدٍ ما. فعلى سبيل المثال، تنظرُ الديانةُ الإسلاميّة والمسيحيّة إلى أتباعهِما الذين لا يلتزمونَ بالمباديء والتعاليمِ الأساسيّة لأيّ من الديانتين على أنهُم خارجونَ عَن الدينِ، أي أن عدمَ التزامهم بتلك التعاليمِ يعني أنّهُم ليسوا بمسلمينَ أو بمسيحيينَ بعد الآن، إلّا أنّ الأمرَ مختلفٌ تماماً في الديانةِ اليهوديّة; فأيّ يهوديّ يُؤمنُ بشعبهِ اليهوديّ ويُساهمُ في منفعةِ أبناءِ مُجتمعهِ ويربّي أبناءَهُ ليكونوا يهوداً يُعتبرُانساناً يهوديّاً من أبناءِ العائلةِ اليهوديّة بلا أدنى شكّ.

جاريَ العزيز، لطالما سمعتُ هذه العباراتِ مِراراً وتِكراراً ولسنواتٍ طويلةٍ تتردّدُ على ألسنةِ الفلسطينيينَ خصوصاً، والمُسلمينَ عُموماً: ” ليسَ لدينا أيّ مُشكلةٍ مع اليهوديّة كَديانةٍ، لقّد عاملناكُم أفضلَ مّما عامَلكُم المسيحيّون ، لكنّ هذا لا يعني موافقَتنا أوتفهّمنا لقضيّة إصراركُم على كونكِم أمّةً يحقّ لها أن تَمتلكَ سيادةً وطنيّة، كوننا نَعرفُ حقّ المعرفة بأن اليهودَ ليسو أمّةً، بل هُم أبناءُ ديانةٍ فقط”.

إنّ تجاهُل قضيّة “الأمّة اليهوديّة” يُساهمُ لدرجةٍ كبيرةٍ في استمرار هذا الشرخِ القائمِ بيننا، فحتّى بعضُ الفلسطينيينَ المُعتدلينَ الذين أعرفهُم والذينَ يطمَحونَ إلى انهاءِ شلّالِ الدمّ بينَنا يُنكرونَ حقيقة كونِ الشعبِ اليهوديّ شعباً مُتأصلاً على هذه الأرض. بالتالي، كلّما واصلَ القادةُ الفلسطينيينُ التمسّكَ بتلكَ القناعاتِ القائمةِ على تعريفِ اليهودِ على أنّهُم أبناءَ ديانةٍ فقط، رافضينَ حقّنا في التعريف عن أنفسِنا كأبناءِ أمّةٍ يهوديّةٍ عريقٍ ذاتِ عقيدةٍ إلهيّة خاصّةٍ بها، فإنّ البابَ سيظلّ مُشرعّاً تجاهَ اعتبارِ إسرائيلَ كياناً غيرَ شرعيّ بنظر العرب والمسلمين، مما يجعلُ من وجودِ إٍسرائيلَ على هذه الأرضِ قضيّة تثير العديدَ من علاماتِ الاستفهام بنظرِ الفلسطينيين.

جاريَ العزيز، يحتلّ مبدأ “الأمّةَ اليهوديّة”، أي تعريفُ اليهودِ على أنّهُم أمّةٌ بحدّ ذاتِهِا، مكانةً هامّةً ذاتَ بُعدٍ روحيّ عميقٍ في الديانةِ اليهوديّة، إذ لو تمّ اعتبارُ اليهودِ مُجرّد عائلةٍ أقصى هَمّها هوَ الحفاظُ على وجودِها، فيما تَجمعُ وحدةُ المصير فقط بينَ أبنائِها ، لكانَ وجودُنا اليوم رغمَ صِراعُنا من أجلِ البقاءِ لآلافِ السنينَ أمراً مِن سابعِ المُستحيلاتِ في ظلّ ترحالِنا وتشتّتُنا في شتّى بقاعِ المَعمورة ، إلّا أنّ صراعَ اليهودِ من أجلِ البقاءِ قد نجحَ نظراً لِتحقّقِهِ على هذينِ المُستويين : البقاءُ كعائلةٍ واحدة ، والبقاءُ كأبناءِ عقيدةٍ واحدة.

لقد ساهمَ شعورُ العائلةِ اليهوديّة في فهمِ مَعنى ” قَدَرِ الشعبِ اليهوديّ ” ، أي وجودَ دورٍ روحيّ يجبُ أن يلعبهُ الشعبُ اليهوديّ في تطوّر البشريّة ، حيثُ ساهَم هذا في تقويّة اليهودِ والشدّ من أزرهِم نظراً لأنّ حقيقة قَدَر اليهودِ قَد أعطت معنىً لمصيرهِم.

تُمثّلُ الديانةَ اليهوديّة قصّةُ حبٍّ بينَ اللهِ من جهة ، وأمةٍ بشريّةٍ من جهة أخرى ، إلّا أنّ قصة الحبّ تلكَ مُضطربّةٌ ولطالَما شابَها المدّ والجَزر. ففي بعضِ الأحيانِ ، وكما تُخبرنا التوراة ، يتّهمُ اللهُ اليهودَ بأنّهُم فاقدو الإيمان ، في المقابلِ يتهّمُ اليهودُ اللهَ بأنّهُ قد تخلّى عنهُم وأخلّ بعهدِهِ مَعَهُم ، خاصةً في تلكَ الأوقاتِ العصيبةِ التي تعرّضَ خلالَها اليهودُ للاضطّهادِ ، إلّا أن قصّةَ الحبّ تلكَ ستستمرّ طالَما استمرَ وجودُ اليهودِ على هذه الأرض.

إنّ غايةَ الديانةِ اليهوديّة هوَ تطهيرُ أمّةٍ واحدٍة ضمنَ غايةٍ أكبرَ وأشمَل ، وهيَ تطهيرُ البشريّة جمعاء. واستناداً إلى هذا المُعتقَد ، فقَد اختارَ الله مجموعةً عشوائيّة من البشرِ – اختارَ بشراً بالتحديد ولَم يختَر قدّيسينَ – وأظهرَ نفسهُ لهُم على جبلِ سيناء ، حيثُ لم يُظهرِ الله نفسَهُ لموسى وحدهِ كروحٍ ذاتِ شأنٍ عظيمة ، بَل أظهرَ نفسهُ لجميعِ أبناءِ إسرائيل. هذهِ البساطةُ التي اتّصفَ بها شعبُ إسرائيلَ كأمةٍ من العبيدِ الذين تمَ اعتاقٌهُم كانَ إلى درجةٍ ما أحدَ الأسبابِ التي جعلَتهُم شعباً مُختاراً. بمعنى آخر ، لم يتمّ اختيارُ اليهود لكونهِم مُميّزينَ بالفطرة ، بَل لعدمِ كونهِم مميّزينَ بالفطرة ، وهوَ ما يثبتهُ قولِنا ” أيّ شخصٍ ، كلّ شعبٍ ، أيّ شعبٍ “.

لقد جسّدَ اليهودُ اختباراً حقيقياً لما سَيحدثُ عندما ترى شريحةٌ مُعيّنةٌ من البشر الذّاتَ الإلهيّة مباشرةً دون أي حجابٍ بينهما ، لذلكَ شهِدَ جبلُ سيناءَ تلكَ القصة التي أظهرَ فيها الله نفسَهُ للبشرِ، لتكونَ تلكَ بدايةَ مشوار الخلاص الذي سيصلُ فيه التاريخُ البشريّ لذروته.

وبالرغمِ من كلّ القواسمِ المُشتركةِ التي تتشاركُها الديانة اليهوديّة مع الديانتينِ المسيحيّة والإسلامية كدياناتٍ توحيديّة ، يظلّ هناكَ أمرٌ مهمّ تتميّزُ بهِ اليهوديّة عن كلتا الديانتين. إنّ الديانتين الإسلاميّة والمسيحيّة هما ديانتانِ عالميّتان ، إذ ترتكزانِ في جوهرهِما على نشرِ رسالتيهِما إلى البشريّة جمعاء ، كما تَرسمُ كلتا الديانتين ،الإسلاميةّ والمسيحيّة ، رؤيةً مستقبليّة قائمةً على وجوبِ الوصولِ إلى تلكَ المرحلة التي سَينظرُ فيها العالمُ لنفسهِ من منظور إحدى هاتين الديانتين ، كما ويؤمنُ أتباعُ تلكَ الديانتين بأنّ نهايةَ العالمِ ستتحقّقُ حينَ يدينُ كلّ البشرِ إمّا بالإسلامِ أو المسيحيّة ، وهُنا يتجسّدُ الفارقُ الذي يميّزُ اليهودية عَن هاتين الديانتين ; فاليهوديّة هيَ عقيدةٌ أرسِلَت لفئةٍ معيّنة ومُحدّدةٍ من البشر ، لا للبشريّة جمعاء.

وفي المقابِل، تتشاركُ الديانةُ اليهوديّةُ مع الديانةِ الإسلاميّةِ والمسيحيّةِ في نظرتهِما العالميّة التي تنصّ على أنّ حقيقةَ اللهِ سَتَتَكَشّفُ يوماً بطريقةٍ حتميّةٍ لا تحتملُ النقاش، تماماً كحقيقةِ عالِمِنا الماديّ الذي نعيشهِ اليوم ، حيثُ تسعى الدياناتُ التوحيديّةُ الثلاثةُ إلى تجهيزِ البشرية لذلكَ اليوم الذي تتكشّفُ فيه حقيقةُ الله حينَ يُظهرُ نفسهُ للجميع. وكذلكَ الحالُ هوَ الحلمُ اليهوديّ للمُستقبل ، فهوَ حلمٌ تعترفُ فيهِ البشريّةُ جمعاء بوجودِ اللهِ ووحدانيّته ، فيصعدونَ روحيّاً حاجّينَ إلى ” بيتِ الله ” في مدينةِ القُدس.

وخِلافاً للمسيحيّة والإسلام، فإنّ اليهوديّة لا تنتطرُ من البشريّة أن تدينَ بالديانةِ اليهوديّة، بل على العكسِ تماماً; إذ أن دورَ اليهودِ على هذه الأرضِ هوَ أن يكونوا طليعةً روحيّة تُثبتُ وجودَ اللهِ، من خلالِ دليلٍ واضحٍ وهوَ بقاءُ اليهودِ كأمةٍ واحدةٍ رغم تعرّضِهِم للاضطهادِ على مرّ العصور. من جانبٍ آخر ، فإنّ أحدَ غاياتِ اليهودِ هو المساعدةُ في تجهيزِ البشريّة لذلكَ اليوم الذي سيتقدّمونَ فيه أفواجاً تجاهَ رفعتهُم وسموّهُم . إن دورَ اليهود يتمثّلُ باختصار في اتّباعهِم لاستراتيجيّة محدّدة جداً تَهدفُ إلى تحقيقِ رؤيةٍ عالمية لجميع البشريّة.

إنّ تركيبةَ وبُنيةَ العهدِ القديمِ من الانجيلِ – التّناخ – توضّحُ الغايةَ مِن وجودِ اليهود ، تلكَ الغايةُ التي تبدأ منذُ بدايةِ خلقِ أوّل البشر – آدمَ وحواء – ، ثمّ نزولهِم المُبهمِ إلى هذا العالمِ الماديّ من ” جنّة عدَن ” ، والتي مثّلت النزول من منزلةٍ عُليا إلى منزلةٍ دُنيا، وصولاً إلى قصّةِ قتلِ الإخوة لبعضهِم بعضاً – قايين وهابيل – ، تلكَ القصّةُ التي عبّرَت عَن عدمِ وجودِ الانسانِ في منزلةٍ أفضلَ من منزلة الحيوانات ، من خلال الصورة المروّعةِ التي جسّدتها التوراةُ في القصة التي أطلق عليها ” الطوفان “.

لهذا ، فإن الفَشلَ البشريّ في تطبيقِ الخطّةِ الإلهيّة استدعى استراتيجيّة إلهيّة جديدة ، بالتالي فقد أمرَ اللهُ ابراهيمَ بأن يُوجـِـدَ أمّةً تباركُ جميعَ الأمم البشريّة على هذهِ الأرض ، كما ذُكرَ في العهدِ القديم . إلّا أن العهدَ القديمَ حصرَ تلكَ القصّة لتدورَ أحداثُها حولَ أمةٍ معينٍة بحدّ ذاتهِا ، لتصوّر صِراعَ تلكَ الأمّةِ أثناء محاولاتهِا للرقيّ والسموّ فوقَ الطبيعةِ البشريّة لدرجةٍ ترتقي فيها تلكَ الأمّةُ لِتُصبِحَ ” مملكةَ الكَهنةِ ، وأمّةً مُباركة “. إنّ خطّة الخلاصِ التي رسَمَها اللهُ ورؤيتهُ للبشريّة تتطلبُ شعباً قادراً على تنفيذِ تلكَ الرؤيةِ على مرّالتاريخ ، وبالنسبةِ للديانة اليهوديّة ، فإنّ مُصطلَحَيْ “الأمّة ” و”العقيدةُ ” هُما مُصطلَحانِ لا يُمكنُ فصلهُما عن بعضِهما إطلاقاً ، إذ لا ديانةَ يهوديّة بدونِ أمّةٍ يهوديّة.

يوضّح الانجيلُ العبريّ رؤيتهُ التي تتحدّث عن نهايةِ هذا العالمِ ، وذلكَ من خلالِ رسمِ رؤيةٍ عالميةٍ تَتَحققُ بحلولِ الوقتِ الذي يكونُ فيهِ وجودُ اللهِ ” مرئيّاً كالماءِ في البحر “، بحسب الكلماتِ التي وضحّها نبيّ الله أشعيا ، إذ ستُعلنُ البشرية توحيدها للهَ بحلولِ ذلك الوقت ، فيما ستعودُ الحكايةِ التوراتيّة إلى أصولِها العالميّة ، كما ستعودُ البشريّة إلى أصلِها من جنة عدن ، ولكن في صورةٍ تجسّدُ منزلة تطوّريةً تَنضجُ من خلالَ تجربتِها عبرَالتاريخِ البشريّ.

وبطبيعة الحال ، يوجدُ ايجابيّاتٌ وسلبيّاتٌ روحيّة لكلّ استراتيجيّة دينية ، أقصدُ التوجّهَ العالميّ للديانتين الإسلامِية والمسيحيّة من جهة ، وتوجّهَ ” الأمةِ الواحِدة المُوحدةِ ” التي يجبُ عليها أن تكونَ مثلاً يُحتذى به من قبلِ جميع أمم الأرض تبعاً للديانة اليهودية . إنّ إحدَ ايجابيّاتِ النظرة العالميّةِ لأي مُعتقدٍ تكمنُ في تحمّلهِ لمسؤولياتهِ المباشرة تجاه البشريّة جمعاء ، الأمر الذي يجعلُني أستذكُر ذلكَ المشهدُ المؤثّرَ حينَ أرى ملايينَ الحُجّاجِ يؤدّونَ شعائرَ الحجّ في مكّة ، حجّاجٌ من مُختلفِ الأممِ والشعوب . لكن ، يظلّ هناك تحدٍ قائمٌ أمامَ الدياناتِ ذاتِ النظرةِ العالميّة للبشريّة ; إذ يتوجّبُ على تلكَ الديانات أن تُدركَ بأن مسارَها ليسَ المسارَ الوحيدَ والمشروع َ الذي يجبُ على المرءِ اتّباعهُ من أجلِ الوصولِ إلى الله.

ونظراً لأنّ الديانةَ اليهوديّة أنزلَتْ لأمةٍ مُحدّدة فإنها تمتلكُ القدرةَ على استيعابِ حقيقةِ وطبيعةِ الأديانِ الأخرى.
إنني كيهوديّ لا أطمحُ لأن أعيدَ بناءَ البشريّةُ انطلاقاً من الصورةِ التي ترسُمُها رؤيتي الدينيّة للبشريّة ، إنني لا أطمحُ لأن أرى جميعَ البشرية تعتنقُ اليهوديّة، لذلكَ فإنّني أشعرُ بعظيم الإمتنانِ للدياناتِ الأخرى التي ترسمُ مساراتٍ مُختلفةٍ تقودُ بنهايةِ المطاف إلى الله. حقيقةً ، لقد ساهَمَت الديانتان الإسلاميّة والمسيحيّةُ في نسجٍ علاقةٍ بينَ اللهِ وأعدادٍ مهولةٍ من الأرواحِ البشريّة ، تماماً كما حدثَ مع الشعبِ اليهودي في قصصِهِ المُقدّسةِ مع الله. حالياً ، تحاولُ الديانةُ اليهوديّة أن تتقرّبَ من الديانتينِ الهنودسيّة والبوذيّةِ ، إذ يحاولُ أحبارُ اليهودِ وعلماؤُهِم الوصولَ إلى فهمٍ عميقٍ لهاتين الديانتين الهامّتين.

من جانبٍ آخر ، يكمنُ الخطرُ في العقيدةِ القائمة على مبدأ ” الأمّةِ الواحدِة ” في استغراقِها وهوَسِهِا بذاتِها ، إذ يوجدُ توجّهٌ لدى بعضِ اليهودِ التقليديينَ المُتشدّدينَ دينياً بتجاهلِ بقيّةِ البشرِية ومشاكلِها ، حيثُ بدأ هذا التوجّهُ بالظهور كنتيجةً لما تعرّض لهُ اليهودُ من اضطهادٍ عبر آلافِ السنين ، الأمرُ الذي حذا بالكثير من اليهودِ لاتّباعِ نوعٍ من أساليبَ الحياةِ الانطوائيّةِ بهدفِ حمايةِ أنفسهِم من هذا العالَم . ولكن ، يظلّ هذا التوجّهُ في الديانةَ اليهوديّة والقائمُ على تصوير اليهوديّة على أنّها ديانةٌ ذات عقيدة أرسِلتْ لأمّة مُحدّدة، لا للبشريّة جمعاء ، توجّهاً خاطئاً يُحاولَ تصويرَ اللهِ في صورةِ المُكترثِ لأمر شعبٍ واحد فقط ، لا لأمرِ البشريةٍ بأكملِها.

إنّ اليهوديّة ديانةٌ مُنفتحةٌ ، تتأثرُ بما يحيطُ بها من ظروف خارجيّة ، وهوَ أمرٌ تُثبتهُ زيارةٌ لأي شارعٍ من شوارعِ إسرائيلَ التي تتعدّدُ فيها الأعراقُ والأجناسُ البشريّة. كذلك فالديانةُ اليهوديّة تُرحّبُ بمن يريدُ اعتناقَها ، إلا أن بعضَ الطوائف اليهوديّة كاليهود الأرثوذوكس يجعلونَ من إجراءاتِ اعتناقِ الديانة اليهوديّة أمراً في غايةِ الصعوبة ، في حين أنّ إجراءاتِ اعتناقِ اليهوديّة تكونُ أقلّ تعقيداً بالنسبة لطوائفَ يهوديّة أخرى. وعلى أيّ حال ، فبمجرّد قيامِ المرءِ بما يتوجّبُ عليه القيامُ به لاعتناقِ اليهوديّة فإنّ هذا الانسانَ سيُعاملُ كأي يهوديّ آخر ، إذُ يُحظرُ على اليهودِ تذكيرُ غيرهِم من اخوتهِم اليهودِ بأصولهِم قبل اعتناقِ اليهوديّة ، منعاً لأي محاولةٍ – حتى وإن كانَت مُجرّد محاولةٍ هامشيّة – لتفشّي ظواهر الإقصاءِ والاستثناءِ والتمييز في المجتمعِ الإسرائيلي.

تُجسّدُ شخصيّة راعوث المُؤابية أحدَ أهمّ الرّموزِ والشخصياتِ اليهوديّة التاريخيّة ، والتي لم تكُن يهوديّة الأصلِ ، بل اعتنقَت اليهوديةَ لاحِقاً. وراعوث المؤابيّة هي الجدّة الأولى للملكِ داوود ومؤسِسةَ النهجِ المسياني القائمِ على فكرةِ أنّ المسيحَ المُخلّص سيكونُ من نسل الملكِ داوود ، وفي هذا تذكيرٌ لليهودِ بأنّ العلاقةَ التي تجمعُ بينَ مَن يعتنقُ الديانةَ اليهوديّة والمسيحِ المخلّص قائمةٌ على هذا المبدأ : نحنُ أمّةٌ مُميّزةٌ ، إلا أنّ رؤيَتنا وغايَتنا أمَميّة عالميّة.

وبالرجوعِ إلى سفرِ راعوث ، فقد تضمّنَ إعلانُ الجدّة الأولى للملكِ داوود بكلّ بساطةٍ رغبَتها الصريحةَ باعتناقِ الديانةِ اليهوديّة ، وكانَت تِلكَ الرغبةُ كفيلة بدخولِها للديانةِ اليهوديّة. لقد كان مُجمل ما قالتهُ راعوث حين تحدّثَت مع نعومي – والدة زوجِها – أثناء اعتناقِها لِلديانةِ اليهوديّة : ” إنّ أمّتكِ هيَ أمّتي ، وإلهـَكِ هوَ إلَهي ” ، حيثُ يعكُسُ الترتيبُ لهذين الأمرين التي التزمَت بهما راعوث حقيقةً في غاية الأهميّة ; فهذا الترتيبُ لا يوضّحُ نظرة اليهوديّة القديمة لمسألةِ اعتناقِ الديانةِ اليهودية فقط ، بل يوضّح جانباً مُهماً من جوانب الهويّة اليهوديّة أيضاً، فقد أعلنَت راعوث عن ولائِها للأمّةِ اليهوديّة أوّلاً ، ثم امتثالها لعقيدةِ الله ثانياً ، واضِعةً بذلَكَ الأسسَ التي يقومُ عليها مفهومُ ” الأمّة اليهودية “.

جاريَ العزيز ، لقد سمِعتُ بعضَ وُجهاتِ النظرِ الفلسطينيّة التي تدّعي بأنّ دولةَ إسرائيلَ تفتقدُ الشرعيّة التاريخيّة نظراً لأن اليهودَ الأشكناز – اليهود من الأصولِ الأوروبيّة – لا ينحدرونَ من أي أصولٍ إٍسرائيليّة على الإطلاق ، بل ينحدرونَ من قبيلةِ الخزار التركيّة التي عاشَت في العصورِ الوُسطى ، وهيَ قبيلةٌ اعتنقَ شيخُها الديانةَ اليهوديّة برفقةِ العديدِ من أبناءِ قبيلتِه في القرنِ الثامنِ بعدَ الميلاد. لقد دحضَ أغلبُ علماءِ التاريخِ هذه النظرية القائلةَ بأنّ اليهود الاشكنازَ ينحدرون من تلكَ القبيلةِ التركيّة ، هذا من جهة ، ومن جهةٍ أخرى ، فإنني أتساءَلُ كيفَ ينظرُ هؤلاءُ الفلسطينيونَ إلى اليهودِ المزراحي ، أي اليهودُ الذي تعودُ أصولهُم إلى أصولَ شرقِ أوسَطيّة ؟

ولكن ، لِنفترضْ جَدَلاً بأن جميعَ اليهودِ الأحياء حاليّاً ينحدرونَ من قبيلةِ الخزار التركيّة ، فإنّ هذا لن يُقدّمَ أو يُؤخّرَ في حقيقةِ كونهِم يهوداً بكلّ معنى الكلمة ; فاليهودُ الذين اعتنقوا اليهودية واليهودُ الذين ولدوا يهوداً جميعهُم سواسية من منظور الديانة اليهوديّة ، فمنذ لحظةِ اعتناقِك للديانةِ اليهوديّة والتزامِكَ بما عليكَ الإلتزامُ به تجاهَ أمّتكَ اليهوديّة ، فإن هذا يعني ضمنيّاً أنّك يهوديّ بأثرٍرجعيّ منذُ نزولِ الديانةِ اليهوديّة ، منذُ اللحظةِ التي ظهرَ فيها أوّل مُعتنِقانِ للديانة اليهوديّة : ابراهيمَ وسارة. وعدا عن هذا كلّه، هُناكَ اعتقادٌ يهوديّ سائدٌ مفادهُ بأنّ روحَ كلّ يهوديّ اعتنقَ الديانةَ اليهوديّة – في أيّ زمنٍ من الأزمان – قَد وقَفَتْ على جبلِ سيناء لاستقبالِ التوراةِ برفقةِ كلّ أبناءِ الشعبِ اليهوديّ.

لقّد عاشَت سارة – زوجَتي – التي نشأت وترعرَت كمسيحيّةٍ تجربةً مُماثلةً لتلكَ التي عاشَتها راعوث عندما اعتَنَقَتْ الديانةَ اليهوديّة ، ففي بدايةِ الأمر أحبّت الشعبَ اليهوديّ – تماماً كما حصلَ مع راعوث عندما أحبّت اليهودَ عبرَ حبّها لرجلٍ يهوديّ واحِد – ، ثمّ أحبّت اللهَ ربّ الشّعبِ اليهوديّ ، ومن ثمّ سلكَت المَسارَ الذي يُسلكهُ اليهودُ للوصولِ إلى الله. وعِندما اعتَنَقَتْ زوجَتي سارة الديانةَ اليهوديّة ، اختارَت على الفور اسم ” سارة ” ، كونهُ الاسمُ التوراتيّ المُرادِف لاسِمِها ; فما فَعلتهُ سارة زوجَتي كان مُشابهاً لما فَعَلتهُ سارة زوجةُ ابراهيمَ حين قَرّرَت أن تَتّبعَ مساراً جديداً للوصولِ إلى الله في حياتِها.

ونظراً لوجودِ الشعبِ اليهودي على هذه الأرضِ لغاياتٍ إلهيّةٍ ، فقد مَنَحَ هذا الأمرُ صفةً دينيّة للشعبِ اليهوديّ ، إذ يُعدّ الولاءُ للشعبِ اليهوديّ واجباً دينياً تبعاً للديانةِ اليهوديّة. لهذا ، لم يَتردّد اليهودُ الصهاينةُ المتديّنونَ في بناءِ شراكةٍ مع اليهودِ الصهاينةِ العلمانيّينَ ونسج علاقاتٍ معهُم ، كونَهُم يهودٌ يدينونَ بالولاءِ والحبّ لأبناءِ أمّتهِم اليهوديّة ويبذلونَ ما بوسعهِم لحمايتهِ اليهودِ والدفاع عنهُم . وبالنسبةِ لوجهة نظرِ اليهودِ المُتديّنينَ فيما يَخصّ قضيّة التعامُل مع اليهود العلمانيّين، فإنّهُم يرونَ فيها شراكةً تؤدي إلى تقويةَ الشّعب اليهوديّ ، الأمرُ الذي يُساهمُ مساهمةً كبيرةً في تحقيقِ الديانةِ اليهوديّة لِغايتِها بنشرِ الرسالةِ الإلهيّة لهذا العالم.

إنّ العلاقةَ المُتداخلةَ بين فكرة ” الأمّةِ اليهوديّة ” و “الدينِ اليهوديّ ” لم تكُن مقبولة إلى حدٍ ما من قِبلِ بعضِ المَجموعاتِ اليهوديّة. فعلى سبيل المثال ، قرّرَت إحدى الحركاتُ الدينيّةُ اليهوديّة التي أطلقَت على نفسها” حركةَ الإصلاحِ اليهوديّ ” في القرنِ التاسعِ عشرَ اعتبارَ اليهوديّة عقيدةً دينيّةً فقط ، إلا أن تلكَ الحركة غيّرَت من أفكارِها بمرور الوقت وصارَت تتبنّى الهويّة اليهوديّة كما هيَ ، تلكَ الهويّة القائمةُ على فكرة الأمّة اليهوديّة والانتماء إلى أرضِ إسرائيلَ معاً.

وفي الجانبِ المُتشدّد من ألوانِ الطيفِ اليهوديّ نجدُ اليهودَ الأرثوذوكس المتشدّدينَ دينيّاً ، إذ ظهرَت هذهِ الجماعةُ خلالَ القرن التاسعِ عشر في أوروبا كحركةٍ تُعارضُ بشدة أية محاولاتٍ لتحديثِ الديانةِ اليهوديّة ، في حينِ أنّ علاقتهُم بمبدأ ” الأمّة اليهودية ” كانت علاقةُ مُتأرجحة غيرَ واضحةٍ إلى حدٍ ما. ورغم قبولهِم واعترافِهِم لاحِقاً بمبدأ ” الأمّة اليهودية ” كجزءٍ من هويّتهِم الدينيّة ، إلّا أن هذه الحركة – التي تعدّ منشقّةً عن الديانة اليهوديّة فعليّاً – تضعُ الالتزامَ بممارسةِ الشعائر والعباداتِ الدينيّة اليهوديّة في المقامِ الأوّل ، وتعتبرهُ مُقدّماً على وِحدةِ الأمّةِ اليهوديّة ، مُنسلِخةً بذلكَ عن باقي المُجتمعاتِ اليهوديّة التي تمثّلُ التوجّهَ العام للديانةِ اليهودية.

جاريَ العزيز ، إنّ فكرةَ ” شعبِ اللهِ المُختار” لَم تنشأ نتيجةً لرغبةِ اليهودِ في الحصولِ على امتيازاتٍ إلهيّة ، بل رغبةً منهُم في تحمّلِ مزيدٍ من المسؤوليّات ، إذ يُثبتُ التاريخُ اليهوديّ بأنّ هذهِ الفكرة لم تزِد من حجمِ أمجادِ اليهودِ بقدر ما زادَت من حجمِ الأعباءِ المُلقاةِ على عاتقِهِم. إنّ الطريقةُ التقليديّة التي نظرَ بها اليهود إلى تاريخهِم اليهوديّ كانت من خلالِ رؤيتهِم لذلكَ التاريخ كقصّة لأمةٍ فشِلَت في الإلتزامِ بما طلبَ الله منهُم الإلتزامَ بهِ على الرغمِ من إثباتِ وجودهِ لهُم ، وهيَ القصّة التي لخّصها الانجيلُ العبريّ ” كقصةٍ ملحميّة أمَميّةٍ غريبةٍ في تفاصيلِ تَزمّتِها وانتقادِها الدائمِ لأبناءِ الشعبِ الذين كانَ عليها أن تحتفي بهِم ” .

ومَعَ ظهور الديانتينِ الإسلاميّة والمسيحيّة ، أصبحَ نقدُ الديانةِ اليهوديّة لذاتِها نتيجةً لِفشلِها الروحيّ يشكّلُ تهديداً لمدى مشروعيّة وجودِنا كيهود ، الأمر الذي يفتحُ الباب على مصراعيهِ ليكونَ مصدراً للتهديداتِ الخارجيّة للديانة اليهوديّة.

لقد أصبحَت الديانةُ اليهوديّة مُعتقداً عفا عليه الزمنُ ، فيما بدت اليهوديّة كفشلٍ قديمٍ أكلَ الدهرُ عليهِ وشَرب، إلا أنّ اليهودَ نجحوا في تغيير ذلك الواقع وإبعادِ تلك الصفاتِ عن الديانةِ اليهودية من خلال تواجدِهِم في بلدانَ غلبَ عليها طابعُ الحقدِ وكراهيةُ اليهودِ ، الأمر الذي أثبتَ لهُم بأنّ اللهَ لا زالَ مُصِرّاً على المَهمّةِ الروحيّة التي يجبُ على اليهودِ القيامَ بها عبر التاريخ ، إلا أنّ هذه المهمة الروحيّة لن تأخذ مسارَها قبلَ العودةِ إلى أرض إسرائيلَ ، حيثُ سينهضُ اليهودُ مُجدّداً كأمةٍ لها سيادتها الكاملةُ على أرضِها التوراتيّة.

وبالعودةِ إلى فكرةِ شعبِ اللهِ المُختار ،فقد حَرّفَ بعضُ اليهودِ هذا المبدأ من خلالِ تحويلهِ مِن أساسٍ لخدمةِ البشرية إلى سببٍ للانفصالِ عنها ، مع الأسفِ الشديد. وفي الوقتِ نفسهِ ، فقد فتحَ مَبدأ اختيار اللهِ للشعبِ اليهوديّ البابَ على مِصراعيهِ لشعور البعضِ بالغرور والتكبّر انطلاقاً من اعتقادهِم بأنّ مبدأ اختيارِ اللهِ للأمّة اليهوديّة يشكّل مَصدراً قويّاً للّاهوتِ اليهوديّ لتمجيدِ ذاته.

إنّه لأمرٌ سهلٌ على أي شخصٍ يرغبُ في التعمّقِ في الأدبِ الدينيّ اليهودي أن يجدَ أمثلةً على التعصبّ الدينيّ والقوميّ في الديانةِ اليهوديّة ، كما يسهلُ أيضاً ايجادُ العديدِ منَ الأمثلةِ التي تثبتُ وجودَ تسامحٍ دينيّ أيضاً ، فغالبيّةُ محتوى الأدبِ اليهوديّ تزخرُ بمثل هذه الأمثلةِ . بالنسبة لبعضِ اليهود ، فإن الفكرة القائمةَ على أنّ اللهَ خصّ اليهودَ دونَ غيرهِم من الشعوبِ تُعدّ أهمّ من الغايةُ العالميّة الأمميّة للديانةِ اليهوديّة ، غايةُ الشعبِ اليهوديّ في مباركةِ الشعوب والأممِ الأخرى ، بالتالي ، فقد رافقَ تلكَ الغاية بعضَ المبالغةِ فيما يخصً مركزيّة الديانة اليهوديّة في تحقّيقِ هذه الغاية.

وعلى الصعيدِ الآخر ، فإننا نواجهُ مشكلةً تتمثّلُ في الجانبِ المُعاكسِ لتلكَ النَظرة ، إذ أننا نجدُ عبرَ تتبّعِ التاريخ اليهودي بعضَ اليهودِ الذين كانوا يتطلّعونَ بلهفةٍ زائدة للوصولِ لتلكَ اللحظةِ التي تتحقّقُ فيها الغايةُ العالميّة الأمميّةُ للديانةِ اليهوديّة ، مُنفصلينَ بذلكَ عن أبناءِ الأمّة اليهوديّة على اعتبارِ أنّهُم يرغبون في إزالةِ الحدود بينَ البشرِ في هذا الكون الواسع . الأمر الذي يطرحُ سؤالاً مهماً : إذا كانت غايةُ الديانةِ اليهوديّة توحيدَ جميع شعوبِ البشريّة ، فلمَاذا نواصلُ التمسّكَ بهذه الأفكار المتحجّرة الانشقاقيّة الانفصاليّة ؟ لقد مثّل هذا السؤال وجهةَ النّظرِ التي أثارَها وتبنّاها شاؤول ترسوس ، والذي أصبحَ القديس بول فيما بعد.

حقيقةً ، لقد ضاق ذرعُ الكثير من اليهودِ وسئِموا من تلك العصبيّة القبليّة في الديانةِ اليهوديّة ، ممّا دفعهُم إلى تغييرهويّتهِم الدينية من اليهوديّة إلى الهويّة الماركسيّة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، الأمرُ الذي كانت عواقبهُ كارثيّة على اليهودِ أنفُسِهِم .

إنّ التعاملَ معَ الآثار المُترتبةِ على الصراعِ بين فكرة ” تميّز الشعبِ اليهودي ِ” بما خصّه الله من مميّزات، وفكرة ” الأمميّة والعالميّة في الديانة اليهودية ” يُشكّلُ أبرزَ التحديّات التي تواجهُ الشعبَ اليهوديّ حالياً.

فمن جهة ، تتحصّن إحدى هذه الأفكار بداخلِ بعض الجوانبِ المتغطرسةِ من ديانتنا اليهوديّة، ومن جهةٍ أخرى، فإن الفكرة الثانية تفتحُ البابَ على مصراعيهِ أمامَ باقي الأمم والشعوبِ لاقتحامِ الديانة اليهوديّة بطريقةٍ تهدّدُ بتلاشي القصّة اليهوديّة بجميعِ مكوّناتِها.

بالنسبة لي ، وعلى الرغمِ من المدّ والجزر في العقيدة اليهوديّة ، تلكَ العقيدةُ التي ازدهرَت رغمَ كلّ ما تعرّضَت له من كرهٍ وعِداءٍ عبرَ مرّ التاريخ ، إلا أنّ استمراريَ بالالتزامِ بهذه العقيدة التي مضى من عمرِها أربعة آلافِ عامٍ هو شرفٌ عظيمُ ومسؤوليّة كبيرة. إنّ قصة اليهود كانت ولا تزالُ جزءاً مُهماً من قصة البشريّة ، كما أنني أؤمنُ يا جاريَ العزيزُ بأنّ على الانسانيّة أن تُصغيَ لصوت التاريخِ اليهوديّ كجزءٍ مهمٍ من تاريخ البشرية.

جاريَ العزيز ، إذا ما تعمّقتَ في هويتي اليهوديّة فإنك ستجدُ تعايشاً رائِعاً بينَ فكرة ” تميّز الأمّةِ اليهوديّة ” وَفكرةِ ” الأمميّة والعالميّة في الديانة اليهوديّة ” ، إذ تتعايشُ هاتان الفكرتان بداخلي كالتزامَيْنِ وواجبَيْنِ يقّوّي أحدهُما مِن وجودِ الآخر.

لهذا يا جاريَ العزيز ، ها أنا ذا أدعوكَ إلى عالمي الروحيّ ،على أملِ أن يأتيَ ذلكَ اليومُ الذي سنتمكّنُ فيه من استقبالِ بعضِنا بعضاً في عالمِنا الماديّ على أرضِ الواقع.

أنا أدعو كل فلسطيني بالإضافة إلى الآخرين من أنحاء العالم العربي والإسلامي أن تكتبوا لي, هنا او في صفحتي, ردا على أي مسألة أثيرت في هذا الكتاب وسأحاول أن أرد على كل رسالة بروح المشاركة, مهما كان التّحدي.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.