لن أتطرق اليوم للدوافع والأسباب السياسية وراء كره معظم محلّلي الشرق الأوسط لنظام “الصوت الواحد” في الانتخابات البرلمانية، والذي تراجعت بسببه، حسب ادعاءاتهم، الحياة السياسية والبرلمانية في بعضٍ من الديمقراطيات العربية الناشئة. إن كان نظام “الصوت الواحد للناخب الواحد” بذلك السوء (تطبيقياً، وسياسياً، واجتماعياً)، فهل البديل الأوسع تمثيلاً (أي الديمقراطية النسبية) أفضل حالاً من حيث النتائج والتطبيقات العملية؟ وهل حققت ديمقراطيات العالم الثالث رخاءاً كبيراً لتبنّيها النظام النسبي؟

لكي ندرك معنى الديمقراطية النسبية، علينا أن نتخيّل البرلمان (أيّ برلمان عربي كان) بعد عقود من الآن، متمثلاً بأربعة أحزاب على الأكثر: أحدها للمحافظين (اليمين)؛ وآخر للوسط أو الإسلام “المعتدل”؛ وثالثها لليسار الاشتراكي أو القومي أو الإسلاموي؛ وربما الرابع منها للخُضر أو لفئة الشباب المستقلين. لنقُل أن كلاً من الأخيرَين (الثالث والرابع) له 5% من مقاعد المجلس النيابي. تخيّلوا أيضاً (وهذا هو المتوقع) أن كلّ حزبٍ يديره كبارٌ في السنّ أمضوا عقوداً طويلة في أماكنهم. الذي سيحدث هنا أنه لن يكون ثمّة فكرٍ جديد! والخلافات السياسية المستحكمة ستحسِمُها الأصوات “المتأرجحة”.

هذا النوع من أنظمة الحكم النيابي (وغالباً ما يكون متمثلاً بعدد أكبر من الأحزاب صغيرة الحجم) هو ما ابتُليت به أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية إبان دمقرطتها (لاحظوا أيضاً أن أي حزب يتمكن من تحقيق 5% من الأصوات على الأقل سيصبح ممثّلاً في البرلمانات القادمة). وسيزداد الأمر سوءاً بتقدم كل حزب للترشح على المستوى الوطني حيث تحدِّد مرشحيه قوائمُ تسيطرُ عليها آلياتُ كلّ حزب (وهي عادةً من الساسة القدامى، من أصحاب المحسوبية، والمصالح، والأهداف السياسية الضيّقة)؛ فيضعون أسماءهم على رأس القائمة، بينما يأتي الأصغر سناً في ذيلها (لو وافق رؤساؤها على وجودهم أصلاً!). وإذا فاز الحزب بأربعين مقعداً (أو أكثر) بالبرلمان، سيقع الاختيار على الأسماء الأولى بالقائمة. هكذا نظام سيحبّذه الساسة القدامى؛ فهم لا يفقدون مقاعدهم إلا فيما ندر. أما “الإصلاحيون” والشباب، فيمكن إقصاؤهم بمجرد استبعادهم من القوائم أو وضعهم في ذيلها، فيتوطن الفساد، ويحظى بالحماية، حيث لا يتمكن الناخبون من استبعاد مرشحٍ فرد. وطالما فاز الحزب بـــــ5% من الأصوات، فإن القادة المتربعين على رأس القائمة سيحظون دوماً على مقاعد المجالس النيابية، ويحدّدون من يُوضَع معهم في القوائم، مع ملاحظة أنه، وفي ظل نظم الحكم النيابية، يتلو النتائج تصويت الائتلاف الفائز لأحد أكبر زعمائهم سناً ليتولى رئاسة الوزراء.

في الديمقراطيات النسبية، نجد أنّ من يمثلون “الشعب” (أو قطاعات عريضة منه)، يمثلون الكلّ ولا أحد! وهذا يمكّنهم من التحدث في العموميات، إذ نادراً ما يُسألون عن السياسات والحلول الابداعية، لا بل أن قلةً من الدول يعمل بها نظام التمثيل النسبي بشكلٍ جيد (سلوفاكيا على سبيل المثال)، إلا أنها إما تكون متجانسة إثنياً، أو أنها حديثة العهد، بحيث لم يضمر البرلمان فيها بعد، ولم يُصَب بالشلل السياسي، كالذي أصاب حكومات التمثيل النسبي الأقدم. ويلاحَظ، في الوقت نفسه، أن ديمقراطيات شرق آسيا لا تعتمد نظام التمثيل النسبي؛ وتُعدّ تشيلي من دول أمريكا اللاتينية القلائل التي لا تعتمد هذا النظام. كما إن العديد من الدول التي ابتُليت بنظام التمثيل النسبي تتسم بالسوء النوعي في السياسات العامة، وتواجه مصاعبَ جمّة في إقرار إصلاحاتٍ ناجحة. فأوروبا مثال جيد هنا؛ حيث ثبت عجزها (باستثناء بريطانيا) في إصلاح قوانين العمل الجامدة والطاردة للاستثمار.

لقد ثبت بأن للديمقراطية النسبية مساوئها في أية دولة تعاني من تقسيماتٍ إثنية، أو ايديولوجية، أو دينية، أو عشائرية؛ فهي تدفع الناس للتصويت وفقاً لهذه القواعد المستقرة سلفاً. حتى أن هامش الـــــــ5% من الأصوات (اللازم لأي حزب لكي يحتل مقاعد في البرلمان)، لا يمثّل عقبةً أمام هذه الأنماط الانتخابية وتأثيرها السلبي؛ ذلك لأنه حين نعتمد نظام التمثيل النسبي، علينا أن نفترض بأن “الآخرين” سيصوّتون بناءاً على الخلفية الدينية، أو المناطقية، أو القبلية، أو الآيديولوجية، ما يضعنا في موضع المخاطرة؛ والسبيل الوحيد لكي “نحمي” أنفسنا من مجتمع “القبيلة”، هو أن نفعلَ الشيء ذاته (أي أن نصوّت بالمثل: حسب انتماءاتنا وولاءاتنا العشائرية، والقبلية، والإثنية، والطائفية، والمناطقية)!

قبل الاندفاع والتحمّس لنظام التمثيل النسبي، على المحللين السياسيين أن يعوا بأن هكذا نظام انتخابي لا يساعد البتة على “توحيد” البلاد والأمم بشكلٍ فعّال؛ فهو ميّالٌ بطبيعته لعدم الاستقرار، وعدم الاعتدال، والفشل في تطبيق وتفعيل السياسات: فمنذ سبعينيات القرن العشرين وحتى التسعينيات، نجد أن كارلوس آندريه بيريس، ورافائيل كالديرا، قد فاز كلّ منهما برئاسة فنزويلا مرتين؛ حيث لم يكن للناخبين أيّ خيارٍ آخر؛ وفي غمار يأسهم للخلاص من الأحزاب القديمة الفاسدة، وغير الكفؤة، والجامدة، صوّت الناخبون لصالح المنظّر اليساري هوغو شافيز! كما رأينا كيف أن سلوبودان ميلوسوفيتش أصبح سلطةً رئيسةً من خلال نسبة متدنية تبلغ 20% من أصوات ناخبي صربيا!

تُرى، وفي ظلّ نظام التمثيل النسبي المنشود في عدة عواصم عربية، هل سيحبّذ الناخبون بأن يروا، بعد عقود من الآن، رؤساءَ وزرائهم، وبرلمانييهم، وقادةَ أحزابهم، على شاكلة شافيز وميلوسوفيتش؟ أم أنهم سيترحّمون على أيام نظام الصّوت الواحد، أو، على الأقل، على مزيجٍ بينهما؟

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.