في نهاية جلسة نقاشية مساء الثلاثاء نظمها زعماء يهود أمريكيون، سألنا أحد الحضور عما إذا كنا ندرك مدى إسرائيل للوعي الذاتي حاليا بالنسبة للعديد من أنصارها في الخارج، حيث يبدو أنها تتحرك نحو اخراج رئيس وزراء فعال للغاية من منصبه لإرتكاب جرائم رشوة مزعومة والتي تنطوي على مبالغ تافهة.

في اجتماعنا السنوي الذي عقد في القدس لمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى، سخر صاحب السؤال من أن المبلغ الذي يقارب 300,000 دولار أمريكي الذي يزعم أن نتنياهو وزوجته سارة قد تلقياه على شكل سيجار وشمبانيا من الأصدقاء الأثرياء أرنون ميلشان وجيمس باكر، غير هام بحيث يمكن تجاهله.

على خلفية هذا المبلغ، سأل هذا الشخص بغضب، هل إسرائيل ستخسر زعيم فريد من نوعه في قدرته على الحفاظ على البلاد آمنة ومزدهرة؟

مفوض الشرطة روني الشيخ يحضر اجتماع لجنة الشؤون الداخلية في الكنيست في القدس، في 20 فبراير / شباط 2018. (Yonatan Sindel/Flash90)

كان هناك بوضوح قدر من التأييد لهذا الرأي في الغرفة؛ تلقى صاحب السؤال الدعم بالتصفيق. كان أحد زملائي في حلقة النقاش، في نفس السياق، قد اقترح في وقت سابق أن مفوض الشرطة روني الشيخ لا ينبغي أن يتابع تحقيقات الفساد المختلفة مع نتنياهو، لأن رئيس الوزراء بحاجة إلى تركيز اهتمامه الكامل على التحديات الأمنية التي تواجه إسرائيل؛ يجب أن يتم تأجيل أي تحقيقات جنائية حتى انتهاء ولايته.

مع تواجد إيران الآن مباشرة على حدودنا الشمالية، وتأزم الوضع قبل أيام فقط من خلال إرسال واحدة من طائراتها بدون طيار الى أجواء البلاد في تحد مباشر لم يسبق له مثيل؛ مع تقوية حزب الله، واقتراب نهاية حقبة محمود عباس، وأيضا بروز بوتين في المنطقة، وعدم القدرة على التنبؤ إذا كان الرئيس الأمريكي داعما، ليس واضحا ما اذا كانت هناك بالفعل تهديدات وعدم استقرار في معظم الاتجاهات.

يحضر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مراسم افتتاح غرفة طوارئ جديدة في مستشفى برازيلاي في مدينة عسقلان الساحلية في 20 فبراير / شباط 2018.(AFP PHOTO / JACK GUEZ)

وبالنظر إلى السنوات الأخيرة التي حافظت فيها إسرائيل بقيادة نتنياهو على الإستقرار النسبي والنمو الاقتصادي القوي في حين انهار معظم الشرق الأوسط حولها، والبراعة التي يضع فيها نتنياهو قضية إسرائيل أمام قادة العالم الرئيسيين، فمن السهل أن نفهم لماذا العديد من الناس الذين يراقبون من الخارج ويهتمون بهذا البلد سيكونون مرعوبين من فكرة أن إسرائيل تحت حماية أي شخص آخر. في الواقع، فإن الاستطلاعات التي أجريت في الأيام القليلة الماضية – بالرغم من أن أوصت الشرطة بمحاكمة نتنياهو بتهمة الاحتيال وخيانة الأمانة والرشوة في حالتين، ومع استمرار مزاعم جنائية جديدة – أكدت على مدى دعم نتنياهو على نطاق واسع بين الإسرائيليين أيضا. حتى كتابة هذه السطور، لم أرى بعد استطلاعا يشير إلى أي شخص غير نتنياهو كخيار مفضل لمنصب رئيس الوزراء.

المدير العام لوزارة الاتصالات شلومو فيلبر في جلسة للجنة في الكنيست في القدس، 24 يوليو، 2016. (Yonatan Sindel/Flash90)

حتى اليوم، بعد أن أعلن زعيم المعارضة الإسرائيلية آفي غاباي أن “عهد نتنياهو قد انتهى”، وتحوّل أحد أقرب مساعدي رئيس الوزراء، مدير وزارة الاتصالات شلومو فيلبر، الى شاهد لمصلحة الدولة ضده، ليس هناك قول قاطع متى أو حتى ما اذا كان نتنياهو سيسقط. قد يكون من المعقول التأكيد على أن فيلبر يمكن أن يتحول إلى شولا زاكين بالنسبة لنتنياهو، أي يتحول من مساعده لفترة طويلة وأمين على أسراره الأكثر حكمةإلى شاهد لمصلحة الدولة، خاصة أن شهادة زاكين كانت محورية في إدانة رئيس الوزراء إيهود أولمرت وسجنه في نهاية المطاف. لكن ينبغي التأكيد أن نتنياهو يحافظ على افتراض البراءة وعلى أنه لم توجه إليه تهمة بأي جريمة، ومن غير المرجح أن يتم توجيه الاتهام إليه لعدة أشهر أخرى.

إيهود أولمرت (يسار) وشولا زاكين، سبتمبر 2011. ( Uri Lenz/Flash90)

ومع ذلك، فإن فكرة أن هذا أو أي رئيس وزراء آخر، وهذا أو أي إسرائيلي آخر، مهما كان فعالا وماهرا بشكل فريد ظاهريا، ينبغي أن يكون له ميزات قانونية الخاصة – أي فوق القانون – لا تحتوي على التدقيق عن كثب.

يمكن القول بأنه ينبغي حماية زعيم وطني مقيد من حيث فترات الحكم من التحقيق والملاحقة القضائية في معظم الظروف. فرنسا، على سبيل المثال، توفّر الحصانة لرؤساءها، الذين قد لا يخدمون أكثر من فترتين مدة كل منهما خمس سنوات. لكن في إسرائيل دون تحديد فترات الحكم المسموحة، يمكن لرئيس الوزراء أن يستخدم هذه الحماية ليس فقط الضر بمصداقية الإطار الديمقراطي ولكن العمل بنشاط لتفكيكه، بما في ذلك سلطات إنفاذ القانون. خلال كفاح من أجل حياته السياسية، لم يقتصر نتنياهو على انتقاد معارضته السياسية، بل أيضا على وسائل الإعلام، وفي الفترة الأخيرة حتى الشرطة التي اتهمها بالتحيز وعدم الموضوعية. حرية رئيس الوزراء من حتمية الرد على أية جرائم مزعومة حتى انتهاء منصبه، قد تجعله يميل إلى القيام بكل شيء لضمان ألا يأتي ذلك اليوم.

نتنياهو، صاحب ثاني أطول فترة في منصب رئيس وزراء إسرائيل (يجب أن يستمر حتى يوليو 2019 لتجاوز ديفيد بن غوريون)، أقنع نفسه منذ فترة طويلة بأن وجوده في مكتب رئيس الوزراء هو أمر حاسم لبقاء إسرائيل. العديد من الإسرائيليين، والعديد من أنصار إسرائيل في جميع أنحاء العالم، لديهم هذا الرأي. لكن إسرائيل تحتاج الى ديمقراطيتها أكثر من احتياجها الى نتنياهو أو أي رئيس وزراء آخر، ولا ينبغي أن يتطلب قول ذلك. كما أن صائغي تلك الديمقراطية، بحكمة لا تنسب إليهم في كثير من الأحيان، وفروا إطارا يكفل معالجة حالات مثل تلك التي تواجه نتنياهو ومحققيه بالحساسية المناسبة والتوازن المناسب.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع سكرتير مجلس الوزراء آنذاك والنائب العام الحالي أفيحاي ماندلبليت، 26 مايو / أيار 2015. (Marc Israel Sellem/Pool/Flash90)

عندما أجبت على سؤالنا ليلة الثلاثاء، تذكرت المقابلة التي أجرتها مؤخرا مع نائب رئيس المحكمة العليا المتقاعد إلياكيم روبنشتاين. كنا قد تحدثنا قليلا عن التحديات التي تواجه النائب العام أفيحاي ماندلبليت في وزن الأدلة وتحديد ما إذا كان يجب محاكمة نتنياهو. روبنشتاين، وهو نائب عام سابق بنفسه، كان حذرا بشكل معقول في ما كان يريد قوله. لكن بعد أن انتقلنا لمناقشة قضايا أخرى، اختار إعادة الحديث مرة أخرى إلى هذا الموضوع الشائك، لأنه أراد الاشارة إلى أن التحقيق مع رئيس الوزراء في منصبه ليست خطوة التي اتخذت بسهولة في إسرائيل، وأن إجراءات غير عادية تنطوي على الموضوع.

ذهب روبنشتاين إلى أحد أرفف الكتب في مكتبه بالمحكمة العليا، وأخرج مجلدا من خلال صفحاته حتى وجد ما كان يبحث عنه، وأشار إلى الفقرة التي تحدثنا عنها، قائلا: “تحدثنا في وقت سابق عن التحقيق. انظر، هذا مكتوب هنا في القانون الأساسي، “لن يتم فتح تحقيق جنائي ضد رئيس الوزراء إلا إذا كان بموافقة النائب العام. سیقدم النائب العام قرار الاتھام إلی المحکمة المحلیة”، انظر، ھذه العملیة الخاصة …”

إذا نظرنا إلى بعض من الانانيين المتنوعين والمتطرفين وغير المؤهلين النسبيين الذين يعتقدون بأنهم قادرون على اتخاذ تلك المهام الشاقة، كرئيس وزراء إسرائيل، فمن السهل أن نفهم لماذا يخشى الكثيرون في الداخل والخارج لإسرائيل دون نتنياهو. لكن إذا زعم أن رئيس وزرائنا قد خرق حكم القانون – إذا قطع صفقات غير مشروعة مع بارونات الأعمال ووسائل الإعلام لتعزيز ثروتهم، مقابل فوائد على شكل هدايا وتغطية صحفية مواتية (كما يدعى في القضايا 1000 و2000 و4000 ) – فاذا يجب التحقيق في الشكوك. لم تصدر أوامر بإجراء تحقيقات عرضية؛ كما كان من الصعب على روبنشتاين أن يشير إلى أن “عملية خاصة” مطلوبة، يشرف عليها أكبر موظف قانوني في البلد.

هذه هي الطريقة التي تعمل بها ديمقراطيتنا. والديمقراطية المستقرة التي تعمل بشكل صحيح هي أكثر أهمية لوجود إسرائيل، وقدرتها على النمو اقتصاديا وتلبية التحديات الأمنية، من ابقاء السلطة في يد أي رئيس وزراء، بغض النظر عن موهبته. إن ديمقراطيتنا المستقرة التي تعمل بشكل سليم، التي تكفل سيادة القانون، هي لب صمودنا الوطني. الاختيار بين الحفاظ على ذلك، والحفاظ على نتنياهو، هو ليس خيارا على الاطلاق.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.