انتهاء حرب الخمسين يوم على غزة – الحرب الأطول لإسرائيل منذ قيامها بسنة 1948 – تتميز بنزعتين متناقضتين. من جهة, المجتمع الإسرائيلي مال بشكل ملحوظ الى اليمين. الاستطلاعات تدل انه إن عقدت الانتخابات اليوم, حزب الليكود وحلفائه المركزيين (حزب البيت اليهودي الخاص بنفتالي بينيت, وحزب يسرائيل بيتينو الخاص بأفيغادور ليبرمان) سيتلقون دعم أوسع؛ بينما أحزاب المركز واليسار سيتقلصون بشكل ملحوظ. لأول مرة منذ عشرين عاما, لا يوجد في الدولة اغلبية داعمة لحل الدولتين. من الجهة الأخرى, عبر جميع الاطياف السياسية, اغلب الاسرائيليون غير مقتنعين بأن الدولة انتصر بهذه الحرب. انهم يعيشون في خوف دائم من مواجهات مسلحة أخرى في المستقبل القريب, ويطوقون لإيجاد حل نهائي لما بات ليكون نمط متكرر لدوائر عنف.
الرغبة المشتركة للتسوية تتناقض مع الميل لإقامة حكومة ذات رؤية رافضة بشكل منهجي أي تسوية مع الدول المجاورة لإسرائيل. البعض قد يرى هذا الخلل البنيوي كمؤشر للمزيد من الجمود؛ آخرون قد يرونه كفرصة للتغيير. الكثير يتعلق بالمسار الذي يختاره الإسرائيليون في نقطة التقاطع المفصلية هذه. منذ حرب 1967, لم تلحق أي حكومة إسرائيلية أي صراع مسلح بمبادرة سلام. هذا الطريق الذي لم يسلك قد يكون بالضبط الطريق الضروري للتغلب على التوترات التي تضرب بالمجتمع الإسرائيلي, والذي ممكن ان يقوده باتجاه مستقبل مقبول للعيش.
المدة القصيرة منذ ابتداء وقف اطلاق النار في 27 آب-أغسطس قد ابرزت ميول الحكومة ليس فقط لتبرير العملية في غزة وكيفية التعامل معها, ولكن أيضا ميولها للانتقال لأمور مختلفة. هذا يساعد بتفسير السهولة التي تم بها انتقال التركيز من الواجهة الجنوبية الى الشمالية. الدولة الإسلامية تستبدل حماس بسرعة متزايدة كمصدر القلق الأساسي, وبهذا تبعد الأنظار عن تأثيرات الحرب وعواقبها المحلية والخارجية. هذا الميول أيضا يساعد بتفسير استرضاء القسم اليميني من الائتلاف عن طريق تنفيذ – بالرغم من الإدانات العالمية الشديدة – القرار لمصادرة ما يقارب ال4000 دونم من الأراضي من الطرف الفلسطيني من الخط الأخضر في اعقاب اختطاف وقتل ثلاثة شبان اسرائيليون قبل حرب غزة.
إعادة احياء النقاش حول الميزانية – خصوصا حول ميزانية الدفاع على حساب الميزانيات المدنية – هو وجه اخر لهذا النمط. وهكذا أيضا الانشغال المجدد بقضايا فساد مهترئة وصراعات قوة في المراتب الحكومية العليا. الرسالة المعلنة واضحة: الآن بعد انه يبدو بأن المناوشات قد انتهت (بالرغم من عدم وجود أي اتفاق نهائي), يتوجب علينا العودة الى مظاهر الروتين السابق. وكأن المألوف يولد نطاق راحة مماثل للحياة الطبيعية؛ العودة للوضع القائم متساوية مع الثبات.
انه من الجذاب – بل المغري – الاستسلام لهذه العقلية. الانتقال من صيف حقا مؤلم الى تحديات قديمة وجديدة في الداخل والخارج يساهم كثيرا للامتناع من عملية تأمل ذاتي مؤلمة التي الحكومة الحالية ترهبها بشدة. نظرة دقيقة لما أدى لحرب الخمسون يوم وكيفية قيادتها يعني الاعتراف بأن أهدافها لم تكن واضحة, انها لم تحقق انتصار حربي, انه لربما كان هناك فشل دبلوماسي خلال الحرب, ان إسرائيل باتت منعزلة اكثر عالميا في ظل الحرب, وأن الحكومة أبدت خلل جدي بتصرفها خلال اكثر الأوقات حساسية. هذا أيضا يعني التعامل, بشكل مباشر, مع التأثيرات الاقتصادية ل”الجرف الصامد”, وتأثيراتها الاجتماعية (خصوصا الارتفاع المفزع للعنصرية والتعصب), مع آثار المواجهة المطولة مع جهة حربية غير رسمية, مع نتائج القتل والدمار في غزة, والأهم من كل هذا, مع الوصول أخيرا الى درجة من التفهم والتسوية مع القضية الفلسطينية.
ولكن لربما ليس بهذه السهولة يتم تخدير ما هو, من عدة أوجه, جمهور إسرائيلي في حالة صدمة. الاحداث التي جرت في الصيف الماضي هزت اعداد كبيرة من المواطنين. هؤلاء المقيمون في القرب من غزة, وكذلك جميع السكان في الدولة, عانوا كثيرا. لم تتأثر مصادر رزقهم وحسب, بل نفسياتهم ارهقت وثقتهم بأنفسهم تحطمت. بدون علاقة لميولهم السياسية, لديهم جميعا الادراك المشترك بان الحرب لم تحل شيئا وانه ان لم يتم التحرك الآن, لا يوجد لديهم لما يتطلعون سوى المزيد من نفس الشيء.
هذه النظرة الشبه قدرية, بالإضافة الى الرغبة القوية لنتيجة مختلفة, هي مما تصنع التحولات الجذرية. يمكن توظيف هذه التيارات في خطة للتغيير التي ممكن ان توفر مستقبل مختلف. ولكن الالتزام لمسار بديل اجباري من اجل تحقيق ذلك, هذا وقدر من التواضع. مراجعة جريئة للتصرفات السياسية والحربية خلال الحرب من لجنة تحقيق مستقلة – وليس من لجنة حكومية – ضرورية. هذا هو واجب الحكومة اتجاه نفسها واتجاه مواطنيها. المشاكل التي ظهرت في نطاق الهجوم والدفاع خلال القتال تعدت حدود المقبول. الكارثة الإنسانية في غزة والدمار المادي الشامل هناك يتطلبون تفسير. التجربة المربكة لأهل النقب أيضا تتوجب محاسبة. هذه خطوات مؤلمة؛ التأمل الذاتي الذي تتضمنه عادة طاحن. ولكنه أيضا إتمام الضرورة الديمقراطية لمراجعة الذات, حتى في اصعب الأوقات. القول القائل بأن المجتمعات التي لا تتعلم من اغلاطها محتم عليها ان تكررها ملائم بشكل خاص لإسرائيل, بعد ثلاث حملات في غزة اللواتي لم يحققن حتى الحد الأدنى من الأمن.
هذه الخطوة يجب ان ترافق بخطوات استباقية أخرى. أولا, يتوجب على إسرائيل اتخاذ خطوات فعلية للمساعدة بترميم غزة البطيء والصعب, ابتداء من رفع الحصار الاقتصادي على غزة الذي قوى تأثير حماس في السنوات الأخيرة. ثانيا, على إسرائيل الاعتراف بان بقائها للمدى البعيد متعلق باتفاقيات على مستوى المنطقة – وليس فقط اتفاقيات بين طرفين. الأفق الدبلوماسي (وهو قائم حاليا) يتطلب انفتاح إسرائيلي جدي على حسب مبادرة السلام العربية القائمة منذ 12 عاما والتي تمركز حل النزاع الإسرائيلي-فلسطيني كالأساس الذي يبنى عليه شرق أوسط جديد. ثالثا, إسرائيل لا تستطيع ان تؤجل العودة الى المفاوضات مع الحكومة الفلسطينية برئاسة محمود عباس بهدف حل (وليس فقط إدارة) النزاع. و أخيرا, على إسرائيل الاعتراف بشكل علني ان التدخل الدولي (خصوصا من الولايات المتحدة وأوروبا) ضروري وإجباري في هذه المرحلة – ليس فقط لتجنب الانعزال التام, بل أيضا للوضع الاساسات لتقاطع المصالح المتعددة في منطقة التي تمر بتغييرات.
الإسرائيليون لن يتمكنون من الوصول للحياة الطبيعية, المستقرة والآمنة عن طريق دعن السياسات التي خلقت الوضع الحالي. لا يمكنهم ان يتوقعوا تجنب حروب مستقبلية ان يدعمون قواد الذين لا يعدوهم باس شيء آخر. تصرفات قسم كبير من الإسرائيليين يبدو وكأنه يناقد علناً طموحاتهم الأساسية. في هذه اللحظة المفصلية, من المفيد ان لا نتذكر ان اختيار المسار الذي سيسلك هو في ايادي كل من المواطنين فحسب, بل علينا ان نطبق هذه النظرة في الواقع.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.