أدلى رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل بلقاء للقناة الفرنسية “فرنسا 24”. أقواله فيما يتعلق بإحتمال حدوث تصعيد في غزة كانت واضحة لا لبس فيها: “نحن غير معنيين بالحرب، ونحاول منعها”، كما قال. بحسب أقواله قدمت إيران الدعم لحماس في الماضي، ولكن منذ أن خرجت الحركة بشكل علني ضد نظام بشار الأسد في سوريا، انخفض الدعم، كما قال مشعل، وحماس تعمل على تطوير مصادر دعم أخرى.

لكن لا يبدو أن الكثيرين في قطاع غزة قد تأثروا كثيرا من هذه التصريحات. على الرغم من أن مشعل لا يزال يشغل المنصب رقم واحد في حركة حماس، فلا يبدو أن مكانته كالقائد رقم واحد داخل الحركة بقيت كما كانت عليه في السنوات الماضية. لم يعد صانع القرارات الوحيد في حماس، وبكل تأكيد ليس عندما يتعلق الأمر بالقطاع. في غزة ظهر قائد جديد، كاريزماتي ومقنع، يتحدى بشكل غير علني قيادة مشعل وقيادة حماس في الخارج بشكل عام – يحيى سنوار. هذه المنافسة بين هذين الرجلين وبين قيادة حماس في الخارج وتلك التي في غزة، تضع بصمتها على كل بعد محتمل يتعلق بحماس ولكن تنعكس أيضا في الإختلافات في نمط حياة هذين الرجلين: في حين أن الأول – مشعل – والذي وُلد في الضفة الغربية (قرية سلواد)، يمضي وقته في فنادق راقية في الخليج ويلتقي مع زعماء مثل الرئيس التركي، فإن الآخر – سنوار – يقيم في مخيم خان يونس للاجئين. على مدى 22 عاما قبع في السجن الإسرائيلي حتى تم إطلاق سراحه في صفقة شاليط. يفضل الإبتعاد عن الأضواء ويُعتبر قائدا متطرفا وقاسيا يجر وراءه قيادة الذراع العسكري لحركة حماس. الخلاف واضح في حين أن مسائل كثيرة أخرى تسلط الضوء على اتساع الفجوة بين “الغزيين” و”من في الخارج”: المصالحة مع فتح والعلاقات مع مصر والأهم من ذلك: مستقبل حماس إلى أين؟

الماء والزيت

ربما إذا، يجب البدء في المنافسة الطبيعية بين الضفة وغزة، وليس فقط في حماس بل في المجتمع الفلسطيني أيضا. ليس سرا أن سكان الضفة ينظرون إلى الغزيين نظرة “فوقية”. وهذا ما كان الوضع عليه أيضا داخل حماس في أعقاب إغتيال الشيخ أحمد ياسين عام 2004 وبعده بوقت قصير عبد العزيز الرنطيسي. خسرت حماس إثنين من أبرز قيادييها في غزة ونظرائهم في الضفة الغربية كانوا قابعين في السجون الإسرائيلية أو تم اغتيالهم. إغتيال الرجلين كان بداية لـ”الجيل الذهبي” لقيادة حماس في الخارج. مشعل ونائبه أبو مرزوق وآخرون اعتُبروا أهم وأرفع الشخصيات في الحركة في كل مكان، بما في ذلك في غزة وفي الذراع العسكري امتثلوا لأوامرهم. ولكن محمد ضيف وبعده أحمد العجمي بدآ بالبروز أكثر وأكثر، مع ذلك لم يكن هناك شك حول من هي قيادة الحركة. الإفراج عن يحيى سنوار غير شيئا ما في مبنى القيادة ككل. بشكل تدريجي أخذ سنوار مكانه كالرجل رقم واحد في الحركة في القطاع: يُعتبر واحدا من مؤسسي الذراع العسكري، “كتائب عز الدين القسام”، وبعد 22 عاما في السجن الإسرائيلي ومحاولته نسف صفقة شاليط لأنه اعتتبرها “متسامحة” للغاية، فهو يحظى باحترام كل أعضاء حماس. لم ينتظر سنوار كثيرا وبدأ ببسط سيطرته على مراكز القوة في الحركة في القطاع. وربما الشيء الأكثر أهمية في إطار صراع القوى هذا بين قيادة حماس في غزة وبقية أنحاء العالم هو نجاح سنوار في توضيح أن سلم أولويات الحركة يجب أن يتغير. بالنسبة له فإن غزة لم تكن محطة في الطريق إلى هدف السيطرة على الضفة الغربية ومنظمة التحرير الفلسطينية، كما راى مشعل ذلك، ولكنها هدف مقدس بحد ذاته – الكيان الأول والوحيد الذي تسيطر فيه مدرسة “الإخوان المسلمون” الفكرية. في المقابل فإن أعضاء المكتب السياسي في الخارج رأوا في منظمة التحرير الفلسطينية الهدف الأهم وإذا كانت هناك حاجة إلى تقديم تنازلات في غزة من أجل الإستيلاء على المنظمة من الداخل فلا بد من تقديم هذه التنازلات.

القضية الإستراتيجية التي لا يتفق عليها المعسكرين أيضا متعلقة في تصادم الحضارات في الشرق الأوسط والصراع بين السنة والشيعة. في حين أن مشعل والمقربين منه وضحوا منذ عام 2011 تحفظهم من “المحور الشيعي”، فإن سنوار وشركائه في الذراع العسكري رفضوا الإنفصال عن رفاقهم في طهران ودمشق. مشعل حاول أكثر من مرة التقرب من السعودية وحتى أنه قام بزيارتها. ومع ذلك، رجال الذراع العسكري بقيادة ضيف وسنوار من فوقه، واصلوا الحفاظ على علاقاتهم الوثيقة مع “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني واستمروا الحصول بطريقة أو بأخرى على التمويل. لكن إعلان مشعل عن الدعم الواضح للرياض ومعارضته الشديدة لنشاط الحوثيين في اليمن، أديا إلى تقليص كبير في المساعدات الإيرانية لقطاع غزة (تقليصات أقل للذراع العسكري). هذا الخلاف ينعكس أيضا في كل ما يتعلق في الوضع مع مصر. هذا الأسبوع قام وفد ممثل للحركة بزيارة إلى القاهرة والتقى مع رؤساء المخابرات المصرية. يحاول هؤلاء التقرب من قيادة الجناح العسكري في غزة والخارج، على ضوء سلوك الذراع العسكري وسنوار. الأدلة التي تم عرضها على قيادة حماس على قيام نشطاء في الحركة بتدريب قاتلي النائب العام المصري صدمت أعضاء الوفد في القاهرة. هم أيضا يدركون أن الذراع العسكري يدير من تحت أنوفهم سياسة مستقلة في كل ما يتعلق في العلاقات مع مقاتلي داعش في مصر. أي نقل المصابين في صفوف مقاتلي داعش في سيناء لتلقي العلاج الطبي في القطاع وحفر أنفاق إلى داخل مصر ونقل الأسلحة إلى سيناء وتدريب مقاتلي داعش، كل ذلك يُدار بشكل منظم من قبل الذراع العسكري، بعلم يحيى سنوار ومن دون علم أو موافقة أعضاء المكتب السياسي في القطاع وبكل تأكيد من دون علم خالد مشعل في قطر. حتى أن مشعل طالب رفاقه في الحركة بوقف كل عمليات التهريب من القطاع إلى سيناء وقطع العلاقات مع داعش. ولكن هنا أيضا اكتشف أنه مع كل الإحترام للقائد في الدوحة، فإن للميدان متطلباته. أي أن الذراع العسكري قرر الحفاظ على قناة الإتصال بداعش بسبب الحاجة الملحة لتهريب الأسلحة والمال من سيناء وإليها.

النقاشات “الأيديولوجية” تؤدي أيضا إلى خلافات صعبة فيما يتعلق في إدارة الحركة. بكلمات أخرى، من المسؤول عن صنع القرارات في حماس اليوم؟ هل هو اسماعيل هنية أو محمود الزهار، اللذان يعتبران شخصيتين رفيعتين في الجناح السياسي، أو ربما مشعل وأبو مرزوق في الخارج؟ وربما يكون سنوار وضيف ورفاقهما؟ أحد الأمثلة التي أُعطيت على ذلك كان إعدام محمد شتيوي، الذي اتُهم بالتعاون مع إسرائيل، والذي اعتُبر قائد كتيبة الزيتون. قرار إعدامه أثار غضب الكثيرين في صفوف مؤيدي الحركة، ولكن لم يتضح تماما حتى الآن من اتخذ قرار إعدامه؟ هل تم اتخاذ القرار من دون موافقة المكتب السياسي أم أنه تم اتخاذ خطوة كهذه بقرار من سنوار وضيف من دون إطلاع أعضاء المكتب السياسي؟ مثال آخر كان في التصريحات التي أدلى بها عدد من السياسيين في حماس بعد انهيار الأنفاق في غزة. الزهار، على سبيل المثال، صرح بأن حماس تقوم بحفر الأنفاق إلى داخل إسرائيل وأثار إنتقادات من قبل رجال الذراع العسكري على شكل “من وضعك” متحدثا للخروج بتصريحات كهذه.

وفوق كل ما سبق، هناك أيضا الأجندة الشخصية. في العام القادم سيتم إجراء إنتخابات جديدة للمكتب السياسي ومن غير الواضح بعد ما إذا كان سيتم إنتخاب مشعل من جديد. ميزان القوى آخذ في التغير وبسرعة لصالح غزة وقد يرغب سنوار في الترشح لمنصب رئيس المكتب السياسي أو وضع أحد المقربين منه في المنصب. بالنسبة لسنوار هناك الكثير من الرواسب التاريخية والإجتماعية: فهو ممثل اللاجئين والأسرى وسكان غزة الذين اعتُبروا دائما درجة ثانية. وفي حين أنه يتنفس هو ورجاله غبار الأنفاق في غزة، هناك من يحتفل على حسابهم ويدعي بأن عليهم الإمتثال لأوامره – مشعل، ابن الضفة الغربية، السياسي صاحب النظرة بعيدة المدى، سياسي في جوهره، لا يعرف صوت الرصاص أو رائحة السجون.

في نهاية المطاف، كما قيل في السابق، لا يبدو حتى الآن أن هناك انهيار أو انقسام في الأفق. كما يبدو أنه في الأشهر القريبة على الأقل سيواصل مشعل إصدار الأوامر من قطر وسيواصل الذراع العسكري وسنوار تجاهلها.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.