رفض تناول الطعام هي مشكلة يواجهها من يمتهن الطب يوميا، عند الأطفال المرضى والبالغين الضعفاء والمرضى المصابين بالهذيان وآخرين. ما الذي يميز رفض التناول الطعام لأسباب سياسية؟ هل لأن المضرب عن الطعام لأسباب سياسية هو شخص كفؤ لديه الحق بأن نحترم كرامته بشكل أقوى؟ هل لأن الإضراب عن الطعام لأسباب سياسية يتعلق بجذب القدر الأكبر من الأضواء والتغطية الإعلامية؟ هل لأن الحكومة هي طرف صاحب مصلحة واهتمام كبيرين بنتيجة الإضراب؟

لكل هذه الأسباب وأكثر، بحثت الحكومات ومنظمات حقوق الإنسان الدولية ومصالح السجون والمستشفيات المحلية عن صيغة لتنظيم الإطعام القسري لهؤلاء الأسرى/الرهائن/المتظاهرين/المرضى. في حين أن نقابة الأطباء العالمية وجمعية الصليب الأحمر الدولي ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تعتبر جميعها التغذية القسرية غير مقبول ولا تتماشى مع مبدأ إستقلالية المريض وانتهاكا للحق في الصحة، أو ترتقي إلى التعذيب، قررت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية أنها الإجراء لا يُعتبر غير إنساني ومهين إذا كان يهدف إلى إنقاذ حياة المضرب عن الطعام.

في إسرائيل، اعتمدت نقابة الأطباء الإسرائيلية وجهة النظر الأولى ومنعت أعضاءها بشكل قاطع من التعاون مع التغذية القسرية، في حين مررت الحكومة تعديلا على قوانين السجن يسمح للمحاكم بإلزام المستشفيات بإدخال التغذية القسرية عندما يتوجه إليها الطبيب الذي يرى أن هناك خطرا على حياة المضرب عن الطعام. من الواضح أن للحكومة مصلحة في أن تكون لديها هذه الوسيلة لإلغاء استقلالية المريض عندما يكون من الممكن أن تخلق وفاته شهيدا وتثير إضطرابات عامة خطيرة. لكن ذلك لا صلة له باعتبارات الأطباء. من واجب الأطباء إحترام رغبات المرضى، في هذه الحالة، الإمتناع عن إطعامهم. لكن مسار الطبيب داخل هذه الديناميكية أبعد من أن يكون واضحا.

لنبدأ أولا من نقطة أن المضرب عن الطعام لا يرغب حقا بالموت، ولكنه يفضل تحقيق أهدافه السياسية بإستخدام الإضراب كسلاح مناورة ضد خصمه. إذا حقق أهدافه، سيوقف إضرابه. في معظم الحالات يدرك المضرب أن إضرابه لن يحقق الحرية لشعبه، سواء كان ذلك في آيرلندا أو جنوب أفريقيا أو فلسطين. للإضراب بشكل عام هناك أهداف محدودة أكثر يمكن التفاوض عليها بنجاح، مثل إنهاء إعتقال إداري، تقصير فترة الإعتقال، تحسين ظروف الحجز من خلال تمكين الزيارات لأبناء العائلة والمحامين، إزالة القيود خلال الخضوع لرعاية طبية إلخ…

علاوة على ذلك، مع إستمرار الإضراب، يمكن لحالة المريض النفسية أن تتأثر مع تأثر الدماغ بالتغييرات الأيضية في الجسم، وقراراته قد تصبح أقل عقلانية. الحكومة أيضا لا تكون دائما مصرة على إبقاء الأسير على قد الحياة، لأن الوضع السياسي لا يكون قابلا للإنفجار دائما والمضرب لا يكون دائما شخصية بارزة. في بعض الحالات قد يفضلون موته على الظهور كضعفاء وقابلين للضغط، مشجعين بذلك المزيد من الإضرابات عن الطعام.

نقابة الأطباء الإسرائيلية وضعت هي أيضا حدودا على حظرها لإجراء التغذية القسرية. في حين أنه يتم دائما معالجة مريض ليس بوعية بحسب رغبته الأخيرة المعروفة أو التي أعرب عنها، في حالة المضربين عن الطعام تقول النقابة إنه ينبغي السماح للمريض بالدخول في حالة غيبوبة وتغذيته بعد ذلك، حتى مع العلم أن المريض لم يرغب بذلك. النقطة هنا هي أن معارضة التغذية القسرية ترتبط بتجنب الإذلال والوحشية والألم ومخاطر التغذية القسرية لمريض في وعيه يقاوم إطعامه أكثر من إرتباطها بالمبدأ النابع من إستقلالية المريض.

تكمن المشكلة في أن الجوع لفترات طويلة قد يؤدي إلى إضطرابات حادة في توازن الشوارد في الدم، ما قد يؤدي إلى الموت المفاجئ بسبب سكتة قلبية وليس إلى دخول بطيء في غيبوبة يمنح وقتا لإعادة التغذية بشكل فعال. هناك مسار وسيط آخر وهو إقناع المضرب عن الطعام بتناول فيتامينات من أجل منع حدوث ضرر عصبي دائم بعد إنهاء الإضراب.

على مستوى مبدئي أكثر، خرجت مجموعة من الأطباء بقيادة بروفسور شمعون غليك ضد نقابة الأطباء الإسرائيلية، معتبرة أن إنقاذ حياة المريض هو واجب أساسي للطبيب، أيا كانت الظروف. هذا التوجه قائم على أسس راسخة في الشريعة اليهودية. وتتردد أصداؤه أيضا في القيمة الخاصة للحياة التي تُعتبر جزءا لا يتجزأ من الثقافة الإسرائيلية كما تعبر عنها الجهود التي تُبذل لإجلاء ومعالجة جندي جريح، وفي التشريعات المتسامحة للغاية التي تسمح بعلاجات الخصوبة على حساب المال العام حيث لا ينطبق ذلك في بلدان أخرى. لهذا الموقف أيضا مشاكله عندما يُؤخذ إلى أقصى الحدود، مثل الإبقاء على حياة شخص فاقد للوعي يعاني من مرض مستعص مربوطا بأجهزة التنفس والتغذية الإصطناعية لأشهر طويلة، أو تجاهل نداءات مريض يعاني من مرض مستعص في وعيه الكامل للسماح له بالتخلص من معاناته التي لا تحتمل. علاوة على ذلك، إذا كانت الحياة بحد ذاتها هي القيمة، عندها لا يهم الطبيب ما إذا كان المريض هو شخص جيد أو سيء، يهودي أو غير يهودي، صديق أو عدو.

يحدث الإضراب عن الطعام لأسباب سياسية تحت ظروف عملية إستثنائية. ينبغي التعامل مع الإضرابات الجماعية من خلال قواعد واضحة داخل نظام السجون، وبشكل عام تكون الإجراءات التأديبية كافية لإنهاء الإضراب – مثل الحبس الإنفرادي، إبطال جميع الإمتيازات والإتصالات مع العالم الخارجي. يكون العديد من المضربين أقل إلتزاما من الناحية الفردية لكن ما يحفزهم هو الضغط الجماعي وهم عادة الذين يأكلون ويشربون سرا مع الإلتزام ظاهريا بالصيام (بغض النظر عن خدع مثل وضع الطعام في زنزانة مروان البرغوثي ونشر فيديو له وهو يأكل).

وعلى النقيض من ذلك، فإن المضرب عن الجوع البارز الذي يتم تحويله إلى مستشفى عام لتلقي العلاج يشكل تحديا مختلفا تماما. هؤلاء هم الأشخاص الذين هم على إستعداد حقيقي للموت والذين لا ترغب الحكومة حقا في أن يتحولوا إلى شهداء. للطبيب المستقل دور حاسم في هذا الوضع من خلال تشكيل علاقة طبيب-مريض لا أكثر ولا أقل. يتوقف ذلك على نهج غير حكمي يولد الثقة المتبادلة. إذا كان الطبيب يرغب حقا في السعي إلى الحفاظ على حياة المريض وأن يجعل ذلك واضحا تماما له، ولكن في الوقت نفسه يظهر التعاطف ويقوم بكل ما هو ممكن للحفاظ على كرامة المريض، عندها يمكنه المساهمة في خلق المساحة للمفاوضات مع السلطات حول مكاسب وسيطة تسمح كذلك للأسير بإنهاء إضرابه بصورة ناجحة وللحكومة بالحفاظ على سيطرتها على ظاهرة الإضراب عن الطعام بشكل عام.

الحفاظ على كرامة المريض تشمل أمورا مثل الإصرار على سحب الأغلال خلال الفحوصات الطبية، وعدم وجود حراس في الغرفة خلال الإستشارة الطبية، والسماح للمريض بالخصوصية الشخصية وظروف لائقة للإستحمام والنوم. لقد رأيت أحد هؤلاء المرضى الذي تم وضعه في غرفة بسرير واحد مع أربعة حراس مسلحين تحدث أحدهم مع الآخر بسعادة في كل ساعات النهار والليل، بالإضافة إلى المراقبة بأجهزة التليفزيون ذات الدوائر المغلقة في الغرفة وفي الحمام. والأسوأ من ذلك كله تناول الحراس لأطعمة ذات روائح شهية في الغرفة ما أدى إلى آلام لا لزوم لها في معدة مريض في مراحل متقدمة من الضعف. من خلال الاهتمام بالمضرب عن الطعام في المستشفى واعتباره مريضا محترما صاحب كرامة يمكن تجنب مسألة التغذية القسرية بأكملها.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.