الانتخابات، ظاهريا احد أكثر الاحداث الديمقراطية، وكثيرا ما تزيد من التيارات غير الديمقراطية والإجراءات المناهضة للديمقراطية. كما كان في الماضي، اليوم أيضا، باسم الديمقراطية, قد تقوض انتخابات تنافسية بشكل فعلي مبادئ الديمقراطية وتضعف المعايير الديمقراطية. الأمثلة التاريخية والمعاصرة تعود- لأوروبا في فترة ما بين الحربين العالميتين حتى سلسلة من الاستفتاءات الأخيرة في أوروبا الشرقية والعالم العربي. في إسرائيل، يشمل الموسم الانتخابي الحالي على العديد من إشارات التحذير الديمقراطي تحت ستار الاحتفاء بالطعن الانتخابي المفتوح. من هذا المنظور، تتشكل انتخابات 17 مارس في كونها انتخابات على مستقبل الديمقراطية في إسرائيل.

على مدى العقد الماضي وأكثر، عانت إسرائيل من ركود ديمقراطي كبير. الصعود السياسي لليمين في البلاد ومعه ترسيخ وجود رسمي، اغلبي، لتعريف الديمقراطية، كان مرافقا بابتعاد تدريجي عن الالتزام بعناصر اساسية للديمقراطية الليبرالية. تمت مهاجمة مبدأ المساواة هذا بشكل مباشر من خلال تطبيق متفاوت لمختلف قطاعات المجتمع. لقد تلسست الحقوق المدنية الأساسية على الولاء للدولة وسياسة قادتها الحاليين. فقدت الأقليات- العربية واليهودية على حد سواء حماية الدولة, متى انحرفت عن الوجهات السائدة. والديمقراطية نفسها, كالصورة المفضلة للحكومة, قد تم التشكيك بها من قبل أولئك الذين يصرون على أن الاهتمامات الوطنية تفوق كل الاعتبارات الأخرى. الديمقراطية، واحدة من أعمدة إسرائيل الحديثة، أصبحت مسألة حزبية الى حد كبير.

اثنين من التحالفات الكبرى، يمثلان على التوالي، النهج الرسمي والموضوعي لحكومة ديمقراطية، ويتنافسان الآن مع بعضهما البعض على دعم 25% من السكان الذين يشكلون ما معروف كمركز غير متماسك ومتردد. فقدت المجموعة القومية المهيمنة سياسيا (بقيادة الليكود بنيامين نتنياهو، نفتالي بينيت, هبايت هيهودي وحزب يسرائيل بيتينو بقيادة أفيغدور ليبرمان) معظم السندات لديمقراطية ثابتة لصالح راية القومية القائمة على اليهودية التي في الدرجة الأولى تسعى لتطبيق اختبارات العرقية في عضوية المجتمع السياسي. في المقابل، على عكس ذلك, الأحزاب اليسارية- مركزية، (بدءا من الاتحاد الصهيوني لهرتسوغ وليفني وحتى ميرتس والقائمة العربية المشتركة) ما زالوا ينظرون الى ديمقراطية إسرائيل باعتبارها واحدة من الخصائص المميزة للبلاد واساس ناظم ملزم لكل لجميع مواطنيها.

منافسة شد الحبل في الصراع بين القوميين والديمقراطيين, تهيمن عميقا في الساحة العامة منذ عدة سنوات، مع سلسلة من المبادرات التشريعية التي كسرت أسس الديمقراطية في البلاد وأعطت شرعية للجهود الرامية إلى إخضاعهم الى جذورهم اليهودية (التي لا تزال غير محددة بعد). توجت هذه الاختلافات سلسلة من مشاريع القوانين المقترحة على ‘إسرائيل: الدولة القومية للشعب اليهودي’، ممهدة الطريق إلى الإعلان عن انتخابات مبكرة.

انتخابات تنافسية حرة ونزيهة هي السمة المميزة للديمقراطية الشكلية، والتي يؤكد أن تفاوتات بالآراء والجماعات والمصالح تملك فرصة عادلة لاستمالة الناخبين. نتائج الانتخابات تسمح للقرار على الحكومة الجديدة والتي يحظى بدعم غالبية الناخبين. إمكانية التغيير من خلال صناديق الاقتراع تمكن التغيير السياسي مع الحفاظ على استقرار النظام.

ولكن حتى ادنى تعريفات الديمقراطية هذا لا يمكنه أن يتحقق الا إذا تم منح جميع عناصر السكان فرصة متساوية للمنافسة والنجاح في الطقوس الانتخابية. لم يتم الحفاظ على الحق المبدئي هذا في هذه الجولة. قبل عام, قاد ائتلاف بقيادة الليكود تغييرا في قانون الانتخابات، ورفع الحد الأدنى لدخول الكنيست إلى 3.25 في المئة. ينظر الى هذا على نطاق واسع, كانه وسيلة لتقليص تمثيل المجتمع العربي المتنوع في اسرائيل، لكن ربما الرد على هذه الخطوة جاء بنتائج عكسية: القائمة العربية المشتركة المنشأة مؤخرا في طريقها إلى أن تصبح ثالث أكبر حزب في البلاد.

ولعل هذا يفسر لماذا يتم حاليا وضع الكثير من الجهد في إعلان عدم أهلية ترشيح حنين زعبي على أساس عدم الولاء (وجهد أقل من ذلك بكثير, مستثمر في تحد مماثل لباروخ مارزل- حامل عباءة العنصرية للراحل مئير كهانا) . على الرغم من أن محكمة العدل العليا, قد تغير تصويت ممثلي الأحزاب في اللجنة الانتخابية، من أهم اساسات الحقوق الديمقراطية- حق التصويت وحق الترشح- تخضع مرة أخرى إلى تلاعب حزبي.

وفي ظل هذه الظروف، ليس من المستغرب أن مجموعة من حقوق الاقليات المدنية يتم الدوس عليها بالتخلي عنها. كل من الليكود والاتحاد الصهيوني، وإن كان ذلك بطرق مختلفة تماما، هاجم حرية التعبير: في السابق, عن طريق الاعتداء بشراسة على يديعوت أحرونوت المخضرمة، ومن ثم, من خلال محاولة تكميم التوزيع المجان لجريدة يسرائيل هايوم الموالية لنتنياهو. مع استقلال الصحافة في أدنى مستوياتها منذ سنوات، يتم تخطي الحد بين حرية التعبير والتحريض عدة مرات يوميا.

لغة الحملة، في كل مجدها الغير موضوعي،تيشبه معركة ضارية بين مواقف متنافسة, من المرجح انها أقيمت على عاطفية الناخبين، في كثير من الأحيان, على حساب زعزعة مستمرة لاستقرار النظام الديمقراطي في البلاد. في الواقع، ليس فقط الحقيقة ان تأطير السياسة هذا العام هو طائفي بشكل استثنائي ومجزئ, فقد استخدم القوميين بوقاحة جهاز السلطة لتشويه سمعة الليبراليين من أجل تحصين معسكرهم الخاص (عبث رئيس الوزراء مع تشكيل هيئة المحلفين لاختيار الفائزين في جائزة اسرائيل المرموقة هي حالة كهذه).

يمتد هذا النمط إلى الحريات المدنية الأخرى كذلك. والحق في تكوين الجمعيات محمي بشكل صارم عندما يكون الحديث عن أنشطة يمينية غير ربحية ممولة من الخارج (وأبرزها “العاد” في القدس ومجلس يهودا والسامرة). في تناقض صارخ، مجموعات ناشطين التي اتحدت لتشجيع تغيير في الحكومة (مبادرة V-15، كمثال) تطارد بلا هوادة ويتم تنديد الممولين الذين يدعمونهم في الداخل والخارج من قبل المسؤولين الحكوميين.

ان الهالة العدوانية للحملة واضحة بشكل خاص فيما يتعلق بمسألة حقوق الأقليات. ما لم يكن يحدث قبل عشرين عاما, أصبح الآن شائعا: العرب- التي تعتبر كمجموعة تمييزيه ومشتبهه بشكل طبيعي- تخضع لتعدي يومي. الحقيقة أن لوزراء الحكومة الكبار كانت الجرأة لجعل لصوص السيارات و العرب كلمات مرادفة, أو الدعوة لمقاطعة الشركات العربية ما هو إلا غيض من فيض من ما أصبح مجموعة من خطابات جامحة ضد أي جماعة تجرؤ على الاقتراح ان المواطنة- بغض النظر عن الجنسية أو الدين، أو الجنس- تحمل بعض الحقوق الغير قابلة للخضوع لتلاعب والتي يشملها إعلان استقلال إسرائيل.

لقد تم تعزيز هذا الموقف ماديا، مع زيادة المخصصات للقطاعات التي يحتمل أن تكون داعمة خلال موسم الانتخابات، على حساب الضعفاء والمحرومين. استمرار هذه المحسوبية دون خجل، ليس فقط يساهم في قبول قواعد اللعبة، لكنه يتحدى مفاهيم معاملة مساواية كحيوية لثبات الديمقراطية.

خلال العد التنازلي ليوم الانتخابات، مخاطر التضحية بالمبادئ الديمقراطية تبدو ان تزيد من التنافس الديمقراطي. تماما كإصرار رئيس الوزراء على التحدث في الكونغرس قبل أسبوعين من الانتخابات, الذي أدخل سلالات حزبية مدمرة الى الحزبين الداعمين لإسرائيل في الولايات المتحدة، اذ أن خوفه من ازالة شرعية مخاطر الليبرالية تجعل من ديموقراطية إسرائيل ضحية لحملة الحزبية في صناديق الاقتراع (انسحاب جميع الأحزاب اليمينية من مؤتمر هآرتس على الديمقراطية هذا الأسبوع هو تجسيد لذلك).

توسع هذه الانتخابات التي شرخ الانقسامات الاجتماعية، مقوضة الحريات المدنية، ومعززة العداوة بين المجموعات ومشوهة الخطاب العام. قبل كل شيء، إنهم يسيئون لأساسيات الديمقراطية بشكل ساخر (المتلاعب بها حتى الان إلى حدود معينة بعد سنوات من الاحتلال لشعب آخر ضد إرادته) من أجل كسب الأصوات. يمكن للمرء فقط أن يأمل ضد الأمل أن تتمكن ديمقراطية إسرائيل من البقاء بعد الانتخابات ‘الديمقراطية’ وأن تتمكن البلاد من العمل على إعادة تأهيل ديمقراطي حقيقي.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.