في الوقت الذي لم تعد تملك فيه الكثير لتقدمه لسكان القطاع الذين طالت معاناتهم، الحركة تسعى للحصول على تنازلات مجزأة من خلال التهديد بتصعيد العنف.

أظهر إطلاق الصواريخ على إسرائيل ليلة السبت عودة “حماس” إلى استراتيجيتها الحقيقية والمجربة في التصعيد.

جميع العناصر المعتادة كانت هناك في الأيام التي سبقت الهجوم: تبادل للضربات البلاغية بين إسرائيل وحماس، تزايد التوتر بين فتح وحماس، محاولات مصرية غير ناجحة في التوسط بين رام الله وحكام غزة، إغلاق معبر رفح أمام المغادرين، انخفاض في توفير الكهرباء في غزة، وطبعا احتجاجات يوم الجمعة.

هذه المرة شارك في المظاهرات 13,000 فلسطينيا، وهي زيادة  لم تشهدها قطاع غزة منذ أكثر من شهرين – لكن هذه المرة أكثر عنفا وأكثر تصميما وأكثر التزاما كما يبدو لفعل كل ما هو ممكن لإلحاق أضرار بالسياج الحدودي. وكما كان متوقعا، كانت هناك خسائر بشرية: امرأة فلسطينية تُدعى أمل ترامسي (43 عاما).

بقدر ما يعرف الجميع فإن أهم محرك لقرار حماس بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل يوم السبت، أو على الأقل غض الطرف عن قيام فصيل آخر بإطلاقها، هو رفض إسرائيل السماح بتحويل مبلغ 15 مليار دولار التالي من قطر إلى القطاع المحاصر.

تهدف هذه الأموال إلى دفع رواتب موظفي حماس في كل شهر، وتعتبرها إسرائيل وقطر شريان حياة للحركة التي تجنبت وقوع تصعيد أكبر في الأشهر الأخيرة.

موظفة حكومية معينة من قبل حماس في غزة توقع على وثيقة للحصول على 50% من راتبها المتأخر من أموال تبرعت بها قطر، مع انتظار الآخرين في الطابور، في مكتب البريد الرئيسي في غزة، 7 ديسمبر، 2018. (AP Photo/Adel Hana)

لقد تأخرت عملية نقل الأموال الآن بأسبوعين، ولجأت حماس إلى حيلتها القديمة: للضغط على إسرائيل حتى تسمح بتحويل الأموال، كل ما عليها أن تفعله هو تصعيد التوتر على الحدود. في غضون أيام قليلة، بكل تأكيد، ستوافق حكومة رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو على السماح بدخول الأموال إلى القطاع.

إحدى الطرق للنظر للأمر هي أن حماس تقوم بأخذ أموال نظير الحماية، وتقول لإسرائيل إن الدفعات المنتظمة ستسمح لها بضمان عدم قيام أي طرف بإطلاق النار عليها. إذا لم تقم إسرائيل بدفع المال، سيتجدد إطلاق الصواريخ.

يبدو من غير المقبول أن تسمح حكومة يمين إسرائيلية، بقيادة نتنياهو، بهذا الترتيب، وبالأخص في سنة انتخابات. في الواقع، ليس أن إسرائيل ملتزمة بهذا الترتيب فحسب، بل يبدو أنها عازمة على الحفاظ عليه في المستقبل القريب من أجل تجنب تصعيد آخر – حتى في الوقت الذي يبدو فيه واضحا أن جزءا من هذه الأموال يذهب إلى تلك القطاعات في حماس التي تجهز للحرب القادمة مع إسرائيل.

في الحقيقة، لم تغب هذه النقطة عن سكان غزة. ينظر الكثيرون في القطاع إلى هذه الدفعات القطرية بعين من الشك، حيث أن الأموال لا تصل إلى الجمهور الواسع، وهي مخصصة لمسؤولي حماس ومقاتليها.

في الواقع، يبدو أن حتى إسرائيل تقوم بالمزيد من المساعدة لإضفاء الإستقرار على حكم حماس. بحسب تقارير في وسائل إعلام عربية، قامت إسرائيل بالضغط على مصر في الأيام الأخيرة للسماح بفتح معبر رفح في كلا الاتجاهين حتى من دون موظفي السلطة الفلسطينية لإدارة المعبر – ومرة أخرى، لمنع تصعيد أوسع.

قوى أمن إسرائيلية موالية لحركة حماس تحرس معبر رفح في مصر، 7 يناير، 2019. (Said Khatib/AFP)

على الرغم من كل هذا، من المشكوك فيه أن عودة الروتين إلى معبر رفح ستساعد كثيرا. إن وضع غزة الاقتصادي لا يشهد تحسنا، حتى بعد التوصل إلى الترتيب الغير رسمي الهش بين إسرائيل وحماس. إن القطاع بحاجة إلى حل أكثر شمولية وذات قاعدة أوسع. في الوقت الحالي لا يجري العمل على حل كهذا، والتداعيات واضحة: في الأسبوع الماضي ذكر تايمز أوف إسرائيل أن حماس جددت دفعاتها لوحدة إطلاق البالونات والطائرات الورقية الحارقة، وكذلك لمنظمي الاحتجاجات الليلية على السياج الحدودي. جميع هذه الخطوات تشير إلى أن المنظمة تسعى إلى توليد المزيد من الإستفزازات الدراماتيكية في محاولة لإجبار إسرائيل على السماح بدخول الأموال القطرية، إلى جانب مطالب اقتصادية أخرى على الأرجح.

في غضون ذلك تواصل الحركة، التي يبدو أن إسرائيل تحميها من الانهيار وتفتقر إلى أي انجازات حقيقية لتفتخر بها للتعويض عن معاناة غزة الطويلة، الخوض في تعطيل عملية الكوماندوز الإسرائيلية في القطاع في شهر نوفمبر، التي قُتل فيها الضابط الإسرائيلي برتبة لفتنانت كولونيل “م”.

في أعقاب موجة العنف الأخيرة، عقد أبو عبيدة، المتحدث باسم الجناح العسكرية لحركة حماس، “كتائب عز الدين القسام”، مؤتمر صحفيا السبت حول التوغل في شهر نوفمبر. لم يتم عرض شيء جديد أو ثاقب – لا الصور المزعومة للجنود الإسرائيليين ولا إعادة تمثيل الحادث باستخدام كاميرات شوارع. كل الصور عُرضت من قبل.

النقطة كانت بسيطة: الاحتفاء “بإنجاز” حماس (وتذكير جمهورها) بعرقلة العملية الإسرائيلية. لم تكن هذه الرسالة موجهة لإسرائيل، بل للرأي العام الفلسطيني حتى في الوقت الذي يتابع فيه سكان غزة بقلق بينما تخطط الحركة لجولة أخرى من التصعيد مع إسرائيل.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.