إسرائيل تمر في حالة إضطراب عاطفي. بعد ظهر يوم الخميس الماضي، ارتكب يشاي شليسل جريمة الكراهية الثانية له خلال عشر سنوات: توفيت شيرا بانكي (16 عاما) متأثرة بالجراح التي تعرضت لها قبل ثلاثة أيام بعد طعنها؛ خمسة آخرون ما زالوا يتعافون من جراحهم. بعد ساعات قليلة من جريمة الطعن، تم حرق علي سعد دوابشة حيا؛ يصارع والداه وشقيقه من أجل البقاء على قيد الحياة. خط مباشر يربط بين هاتين الجريمتين، وهما الأخيرتين ضمن سلسلة من الهجمات التي لا توصف ضد مدنيين يهود وعرب – جميعهم ضحايا أبرياء لعملية طويلة ومتقيحة من تصاعد التعصب والتسيب الأخلاقي.

مهما كثرت الإدانات للجناة ومن سمح لهم بالإزدهار فإن ذلك لن يمنع الهجوم القادم. لا يمكن لأي قدر من الإستنكار للمتطرفين الذين خرجوا من بيننا أن يمنع تكرار هذه الفظائع. لا يمكن لأي قدر من الضرب على الصدر أن يستعيد التعقل. تمر إسرائيل في زلزال أخلاقي هو تتويج لسنوات عديدة من تهميش قيمها الأساسية. الثبات الداخلي الخاص بها يعتمد على قدرتها في إعادة تكوين البوصلة المعيارية والإلتزام بمبادئها بلا تردد.

هناك وجهات نظر متعددة حول جذور الإضطراب الحالي في المجتمع الإسرائيلي. بالنسبة للكثيرين، فإن الحالات الأخيرة من العنف النامي من الداخل ما هي إلا تجلي مؤسف لعدم كفاءة واسعة النطاق في إقتلاع الشوفان البري الذي ظهر في حديقة إسرائيل البشرية – ربما نتيجة تساهل في غير محله مع تطرف نما برعاية محلية. أولئك الذين يؤيدون الإستخفاف بأكثر المسلحين تطرفا وإتخاذ خطوات لإزالتهم من صميم المجتمع الإسرائيلي يأملون بإستعادة التوازن الظاهري الذي زعزته الأحداث الأخيرة وإستعادة الأرضية الأخلاقية العالية. ولكن هذه الأصوات – ومن ضمنها أصوات رئيس الوزراء وقادة آخرين كثر غيره عبر ألوان الطيف السياسي – من الواضح أنها فشلت في إستيعاب كلمات الرئيس رؤوفين ريفلين ليلة السبت: “كل مجتمع لديه هوامش متطرفة، ولكن اليوم علينا أن نتساءل: ما الذي يسمح في المناخ العام للتطرف والمتطرفين بالسير بثقة، في وضح النهار؟ ما الذي مكّن هذه الأعشاب بتهديد سلامة الحديقة بأكملها؟”

ولكن يبدو أن آخرين إستوعبوا الرسالة. إلى جانب الغضب، أعربوا عن شعور بالخجل وطلبوا الصفح الجماعي. هذه بداية بحث موسع وصادق ومؤلم من دون شك، ولكنه ضروري في النهاية عن تحديد مصادر الفوضى الأخلاقية السائدة والوسائل لتصحيحها.

تم إشعال الشرارات الأولى لما تتطور إلى حريق كبير فورا بعد 1967، بقرار الحكومة العمالية بالسماح للإستيطان اليهودي وراء الخط الأخضر. وامتد ذلك أكثر عندما شجع حزب “الليكود” هذا المشروع. تحت ستار الأمن، تم السماح لذرائع واهية بالتفوق على تردد عميق الجذور حول عواقب إستمرار الحكم الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني ضد إرادته.

خلال العقود الثلاثة التي تلت ذلك قًسمت إسرائيل بين أولئك الذين يحبذون قدسية الأرض على حرمات الأشخاص وأولئك الذين يسعون إلى حل عادل لصراع مستمر منذ قرن من الزمن بين إسرائيل وجيرانها. إغتيال يتسحاق رابين على يد ييغال عامير أوصل هذا النقاش إلى ذروة قاتلة. إلى جانب إنهيار عملية أوسلو، مثل ذلك أيضا تفوق النظرة الإلهية بشأن الأرض على نظام معياري مستند على الأشخاص في المجال العام الإسرائيلي.

تعتيم آفاق التوصل إلى حل سلمي للصرع مهد الطريق إلى إندلاع الحرائق الصغيرة التي إنبثق عنها عنف بين إسرائيل وجيرانها الفلسطينيين. لم يستغرق ذلك وقتا طويلا لتمتد هذه الإنفجارات من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى داخل إسرائيل. خطة فك الإرتباط مع غزة عام 2005 كشفت عن مدى الإنقسام داخل الدولة؛ وكذلك، وللمفارقة، جهزت المناخ لتجاهل تحدي سيادة القانون بإسم مبادئ أسمى ووطنية مزعومة.

وبالفعل، على مدى السنوات العشر الماضية، تزامنت عزلة إسرائيل الدولية الآخذة بالإزدياد مع توطيد معايير أخلاقية قومية جديدة مهيمنة تفضل تفسيرا مركزيا عرقيا للحاجات والمصالح والتطلعات الإسرائيلية. هذه العقلية المتجانسة – المدعومة من قبل معارضة ضعيفة وإنتهازية في كثير من الأحيان – لم تترك مجالا لإنتقادات بناءة أو معارضة معقولة. فكرتان ذات صلة تقوضان صلاحية الإعتراض الشرعي: الفكرة الموجهة للخارج، “العالم كله ضدنا”، ولازمة بديهية جديدة تؤكد أن الإختلاف عن الخطاب السائد يرتقي إلى الخيانة.

إعطاء الوطنية تفوقا أخلاقيا يفوق، وعند الحاجة، يكون بديلا لقيم المساواة والحرية والعدل أعطى متنفسا لسلسلة جارية من صيد الساحرات تقوم بها دوريات وطنية رسمية وشبه رسمية، او حتى قامت بتعيين نفسها. إحتكار منظومة الأخلاق الجماعية بهذه الطريقة سمح بالمطاردة المستمرة ليس فقط للمسلمين والمسيحيين على يد متطرفي “دفع الثمن”، ولكن أيضا لمواطني إسرائيل العرب كمجموعة. هناك تشكيك في ولائهم للدولة وهناك محاولات لتطويق حقوقهم.

محكمة العدل العليا – الملجأ الأخير للمواطنين ضد سوء إستخدام السلطة – كانت هدفا لهجمات بلا هوادة بإسم طهارة القومية الجديدة. مجموعات حقوق إنسان وحقوق مدنية تتعرض لهجوم مستمر لقيامها بعملها في الكشف عن إنتهاكات للحقوق الأساسية. تم تشويه سمعة أنشطة هذه المجموعات والجهود لنزع الشرعية عنها مستمرة على قدم وساق. تعرض فنانون وممثلون وأكاديميون للمراقبة، في حين تم تجاهل حقوق طالبي اللجوء وأقليات أخرى (بدءا من المواطنين الأثيوبيين في إسرائيل ووصولا إلى قطاع المثليين) وإهمالها بشكل منهجي.

الخلط بين الوطنية والأخلاق الإنسانية وصل إلى حده، حيث بلغ حجم ونطاق التعصب العرقي والرجعية الصارخة إلى مستويات جديدة خلال حرب الصيف الفائت في غزة والحملة الإنتخابية التي تلت ذلك. الأمثلة كثيرة: من هجمات جسدية ضد عرب في شوارع القدس، وحتى تنديد حاقد لأحزاب معارضة من قبل متطرفين من اليمين، الذين أصروا على تأطير السباق الإنتخابي في إطار معركة ضارية “بيننا وبينهم”. لم يقم أحد بإعطاء مثال على رحلة التفكك المعياري للمجتمع الإسرائيلي من الهوامش إلى أروقة السلطة أفضل من بينيامين نتنياهو في يوم الإنتخابات، عندما دعا مؤيديه إلى التصويت من أجل مواجهة “العرب الذين يتوجهون بأعداد كبيرة إلى صناديق الإقتراع في حافلات ممولة من منظمات غير حكومية يسارية”.

كان الأمر مسألة وقت فقط قبل أن تتمدد هذه الحرائق الصغيرة الغير منضبطة على مدى الأعوام لتصبح ألسنة لهب. تم تكرار التعصب الجامح المستشري في مواقع التواصل الإجتماعي وتعليقات القراء في كل وسيلة إعلامية رقمية في الأشهر الأخيرة الماضية في الكنيست، التي أصبحت منبرا للتعبير عن الإحتقار الغير مقيد للطرف الآخر. ويكفي ذكر أنه حينما تجرأ نائب وزير الداخلية على أن يقول لنائب عربي منتخب في الكنيست ب”أننا نصنع لك معروفا بالسماح لكل بأن تكون هنا”، من دون تحمل أية عواقب، عندها تمت إزالة كل القيود الديمقراطية والأخلاقية. إنها خطوة صغير جدا في الواقع من تغاضي رسمي عن خطاب الكراهية إلى تنفيذ رسالته.

إسرائيل تحترق. لا يمكن إحتواء هذه النار ببساطة من خلال التنديد بالتطرف أو زيادة الجهود لمعاقبة الجناة في الجرائم الأخيرة. ولا يمكن إخماد هذه النيران من خلال تحويل العبء الأخلاقي إلى الطرف الآخر، كما حاول رئيس الوزراء القيام به في الأمس فقط : “نحن نستنكر وندين هؤلاء القتلة. سنلاحقهم حتى النهاية”، كما قال. “هم يقومون بإطلاق الميادين العامة على أسماء قتلة الأطفال. لا يمكن تشويش هذا الفرق أو تغطيته”.

يمكن القضاء على النيران التي تستهلك روح إسرائيل فقط إذا أخذت إسرائيل، وإسرائيل فقط، على عاتقها المسؤولية الكاملة على قيمها وكلماتها وأفعالها. عليها الآن تعديل بوصلتها الأخلاقية والعيش وفقا لمعايير المساواة والعدل والتسامح التي وضعتها لنفسها عند تأسيسها. يجب إتباع هذه التوجيهات في الخطاب العام الذي تدعمه الدولة وفي السلوك الذي تتوقعه من كل واحد من مواطنيها.

إذا لم يشارك الإسرائيليون في إعادة تقييم من هذا النوع، ستزداد ألهبة النيران وتلتهمنا جميعا. اليوم فقط أُضيف زيت على النار في تعليقات على الإنترنت تدعو إلى هلاك رئيس الدولة: “أيها الخائب اللعين، نهايتك ستكون أسوا من أريئيل شارون، سترى، أصلي أن يأتي ’يغال عامير’ آخر لتطهيركم أنت والعرب من الدولة اليهودية، وأتمنى لك أيضا إعتلال الصحة وأية معاناة أخرى…” عندما تكون النيران مشتعلة في البيت، فقط إعادة تقييم موجعة وشاملة وأساسية يمكنها أن تمهد الطريق لإعادة بناء أسس متينة وتعددية.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.