تشهد الانتخابات الامريكية التي ستنظم في الثامن من نوفمبر القادم بعض التفاصيل التي لم تحصل من قبل، وأهمها ترشح امراة لمنصب الرئاسة للبيت الابيض عن الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، وثانيها ترشح شخص مثير للجدل عن الحزب الجمهوري دونالد ترامب، وظهور مرشح ديمقراطي هو بيرني ساندرز والذي يمثل توجه جديد في السياسة الامريكية الداخلية والخارجية حيث مثل موقف متعاطف واكثر توازنا مع الشعوب المظلومة وخاصة موقفه من القضية الفلسطينية.

ان ادارة الرئيس باراك اوباما تميزت بموقف حياد سلبي اتجاه القضية الفلسطينية، ولم يحدث اي اختراق سياسي في الملف الفلسطيني الاسرائيلي طيلة فترة حكم الرئيس اوباما، اذا استثينا مفاوضات التسعة شهور بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي في العام 2013، بل تميزت تلك الفترة بالجمود السياسي في الملف الفلسطيني الاسرائيلي مقابل استمرار اسرائيل في سياساتها التوسعة في الاجراءات الاحادية الجانب؛ الاستيطان،والجدار وغيرها من الانتهاكات، هذا كله جاء بعكس الادارات السابقة وخاصة ادراة الرئيس بيل كلينتون 1992-2000 م، وجورج بوش الابن 2001-2009م، حيث كان هناك بعض المبادرات والانفراجات وان كانت محدودة، وخاصة خارطة الطريق في عهد بوش الابن،ومؤتمر السلام في كامب ديفد في عهد كلينتون.

للمساعدة في فهم الآثار المتوقعة لهذه الانتخابات في الشأن الفلسطيني، لا بد أولا من مناقشة فرص المرشحين الرئيسيين للفوز في هذه الانتخابات، ومن ثم والانعكاسات المحتملة على القضية الفلسطينية في حال نجاح اي من المرشحين.

اولا مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون
ترجح غالبية استطلاعات الراي التي اعلنت في الولايات المتحدة الىفوزمرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون في الانتخابات، ويبدو ذلك من خلال تقدمهافي الولايات ذات ثقل سكاني كبير مثل كاليفورنيا ونيويورك وفلوريدا، وحتى جورجيا التي تعتبر معقل من معاقل الحزب الجمهوري.
وقد أظهرت غالبية من الناخبين وخاصة النساء و الاقليات دعمها، وخاصة الامريكيون السود والامريكيون من اصول الاتينية والمهاجورن الجدد والمسلمين .
على صعيد المؤسسة الحزبية هناك التزام كبير من اعضاء الكونغرس من الحزب الديمقراطي بدعم مرشحة الحزب، وهذا ينعكس على القاعدة الشعبية الجماهيرية للحزب أيضاً.
أضف الى ذلك فان مرشحي الحزب للانتخابات التمهيدية للحزب اعلنوا عن دعمهم لها، وعلى رأسهم بيرني ساندرز.
وكانت مواقف الرؤساء الأميركيين السابقين، من الحزب الديمقراطي، داعمةً لها، وخاصة الرئيس الامريكي الاسبق بيل كلينتون، والرئيس الحالي باراك اوباما.

ثانيا مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب
بالرغم من تقدم مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون في غالبية استطلاعات الراي، الا ان هناك من يرى في دونالد ترامب مرشحا قويا ويمنحه ثقته من الناخبين الامريكين وخاصة في الولايات التي تتركز في الوسط الغربي حيث يتقدم ترامب في تلك الولايات، ويتقدم ترامب على المرشحة كلينتون في اوساط الناخبين البيض الرجال ويحاول استقطاب اصوات الشباب، ولكنه يفتقد الى تأييد الاقليات، وذلك بسبب تصريحاته العنصرية التي تمثلت بتأييده لحمل السلاح ودعوته لبناء جدار مع المكسيك لمنع تسلل المهاجرين، أفقدته الكثير من الاصوات مما يعرفون ب “لاتن أمركا” والذي يشكلون نسبة مهمة في التصويت في الانتخابات.
على صعيد المؤسسة الحزبية يبدوان هناك عدم التزام او تمرد داخل الحزب الجمهوري في دعم ترامب، اذ صرح 12 عضو كونغرس من الحزب الجمهوري، على الأقل، بانهم لن يصوتوا له، وهذا ينعكس على القاعدة الشعبية الجماهيرية للحزب الجمهوري في دعم وتاييد دونالد ترامب.
اضف الى ذلك فان رؤساء الولايات المتحدة السابقين عن الحزب الجمهوري وخاصة جورج دبليو بوش الابن وجورج بوش الاب لم يحضروا مؤتمر الحزب الجمهوري الذي اعلن ترشيح دونالد ترامب كمرشح الحزب للانتخابات الرئاسية 2016، ومرشحي الحزب السابقين لرئاسة الولايات المتحدة ميت رومني وجون ماكين لم يحضرا مؤتمر الحزب ولم يدعما ترامب.
كذلك فإنّ ترشح السيناتور الجمهوري الأسبقغاري جونسون عن الحزب اللبيرتاري الامركي للانتخابات قد يشكل عقبة كبيرة امام المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الطريق الى البيت الابيض.
وقد اظهر استطلاع للراي نظمته مجلة أتلانتك، بين يومي (5-9) أكتوبر، أن كلينتون تحظى بدعم 49% من المشاركين في الاستطلاع ، بينما أعرب 38% منهم عن تأييدهم لترامب، مع أنه في استطلاع آخر للمجلة ذاتها، قبل أسبوعين من هذا الاستطلاع، كان هناك تعادل بين المرشحين، بنسبة 43 بالمئة لكل منهما. فيما أعلن نحو 13 بالمئة تأييدهم لمرشحين آخرين أو عدم توصلهم لقرار بعد.

الانعكاس على القضية الفلسطينية
لقد جرت العادة في الانتخابات الامريكية ان تكون المؤسسة التقليدية للحزبين المتنافسين مؤيدة لاسرائيل تاييدا مطلقا، وفي هذه الانتخابات فان موقف الحزبين ومرشحيهما للرئاسة يمثلان هذا الموقف التقليدي، مع ظهور تاييد اقوى واشد لدى الحزب الجمهوري ومرشحه ترامب لدعم اسرائيل من الحزب الديمقراطي ومرشحته هيلاري كلينتون.
لقد كان ظهور بيرني ساندرز وانتقاده لاسرائيل يمثل موقفا اكثر اعتدالا على الرغم من انه عائلة يهودية بولندية الاصل قتل افرادها في معسكرات الابادة النازية، وعاش ساندرز في كيبوتس يهودي في الارضي الفلسطينية المحتلة لفترة من الزمن .
ويمكن تلخيص موقف ساندرزبما كان يقول “كنت دوما، وسأبقى مؤيدا لحق اسرائيل في الوجود، وفي ان تعيش بسلام، بنسبة 100%، وأعتقد ان سلاما دائما في المنطقة لن يتحقق من دون معاملة عادلة ومحترمة للشعب الفلسطيني”.
ان موقف الحزب الديمقراطي من اسرائيل يتعدى مواقف بيرني ساندرز فيوجد تحرك حقيقي داخل قطاعات الحزب وهذا يعود لعدد من الاسباب منها زيارة نتنياهو في العام 2015 والقائه خطاب في الكونغرس الامريكي، وتجاوزه للرئيس باراك اوباما مما اثار رودود فعل رافضة لهذه التصرف امريكيا وديمقراطيا حتى قاطعه 56 عضو من اعضاء الكونغرس من الديمقراطيين من بينهم ساندرز. وثانيها ان الجيل الشاب في الحزب الديمقراطي لم يعرف صورة اسرائيل الضحية المظلومة في الهوليكوست، بل يعرف اسرائيل التي تشن الحروب وتقتل المدنيين وتحتل الاراضي العربية وتبني الجدار والمستوطنات.

برنامج الحزب الديمقراطي وتناوله للصراع الفلسطيني الاسرائيلي
تتولى لجنة مختصة صياغة البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية، وفي هذه الانتخابات وحرصا على توحيد صفوف الحزب تم تشكيل لجنة للصياغة من ممثلين عن آخر مرشحين في الانتخابات التمهيدية للحزب وهما مرشحة الحزب كلينتون ومنافسها ساندرز .
وقدت تم تعيين ستة اعضاء من قبل كلينتون، وخمسة اعضاء من قبل ساندرز، وقامت رئيسة اللجنة شولتز بتسمية أربعة اعضاء، وكانت المفاجئة قيام ساندرز بتعيين اثنين من اصل خمسة من المؤيدين لحقوق الفلسطينين والناقدين لاسرائيل، وهما كورنيل ويست، وجميس زغبي، وزغبي اول عربي يقوم بمهمة كهذه في تاريخ الانتخابات الامريكية.
وقد جاء برنامج الحزب الديمقراطي اكثر اتزانا من برنامج الحزب الجمهوري فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي على الرغم من انه يمدح اسرائيل ويعتبرها قوية وامن وحيوية للولايات المتحدة، لانهما تتقاسما مصالح استراتيجية وقيما مشتركة من الديمقراطية والمساواة والتسامح والتعددية، ويقول ايضا ان الديمقراطيون يعارضون اي جهد لنزع الشرعية عن اسرائيل بما في ذلك في الامم المتحدة او من خلال حركة المقاطعة، وفيما يتعلق بالقدس فهو يعرض صيغة متناقضة فهو يعترف بان القدس مسالة تتعلق بمفاوضات الوضع النهائي، ولكنه في نفس الوقت يشدد على انها يجب ان تبقى عاصمة لدولة اسرائيل ومدينة مفتوحة امام اتباع جميع الديانات، ويتعهد بمواصلة العمل اتجاه حل الدولتين عن طريق مفاوضات مباشرة بين الطرفين تضمن مستقبل اسرائيل كدولة يهودية وامنة وديمقراطية، ضمن حدود معترف بها وتضمن للفلسطينين استقلالا وسيادة وكرامة.

مواقف هيلاري كلينتون
لقد كان للمرشحة كلينتون مواقف من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي اثناء توليها لوزارة الخارجية الامريكية (2009- 2012)، وقد مثلت موقف الإدارة الأمريكيةالذي يدعو الى المفاوضات للتوصل الى حل يقضي بوجود الدولة الفلسطينية التي تعيش الى جانب دولة اسرائيل بسلام، وقد صرحت عن ذلك بقولها “ان السبيل الوحيد لحل الصراع في الشرق الاوسط هو المفاوضات”.
ان اختيار كلينتون للسناتور تيم كين لمنصب نائب الرئيس، والمعروف عنه مناصرته لاسرائيل ربما يؤثر سلبا على الموقف الديمقراطيين من القضية الفلسطينية، فهو داعم للمساعدات العسكرية الامريكية لاسرائيل، ولعب دورا هاما في تحسين العلاقة بين نتنياهو واعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ، وسافر عدة مرات الى اسرائيل اثناء عمله كحاكم لولاية فرجينيا، ولكنه في نفس الوقت يؤيد حل الدولتين لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

البرنامج الانتخابي للحزب الجمهوري
جاءبيان الحزب الجمهوري اكثر تشددا من ترامب نفسه في دعم اسرائيل والحديث عنها، حين وصف اسرائيل في خمسة فقرات وأكد على ان اسرائيل منارة ديمقراطية وانسانية، ويزعم ان دعم اسرائيل هو تعبير عن المبادىء الاساسية الامريكية، ويعترف ان القدس هي العاصمة الابدية غير القابلة للتجزئة للدولة اليهودية، ويحق لاسرائيل ان تدمج الضفة الغربية ضمن اسرائيل العظمى اي الاراضي الواقعة بين البحر المتوسط ونهر الاردن، ويدعو الى نقل السفارة الامريكية الى القدس، ويصف حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على اسرائيل، بانها معادية للسامية، ويرفض المفهوم الخاطىء القائل ان اسرائيل قوة احتلال، ويدعو الى وقف فوري لكل تمويل امريكي الى الكيانات التي تعترف بالفلسطينين كدولة عضو في المنظمات والاتفاقات والمعاهدت الدولية، ويرفض البرنامج اي اشارة الى دولتين او الاعتراف بالفلسطينين كشعب .

مواقف دونالد ترامب للانتخابات الامريكية
يمثل ترامب موقفا اكثر دعما لاسرائيل، وهذا ظهر في خطاباته وبرز ذلك في المؤتمر السنوي للوبي الصهيوني (ايباك)، اذ كان خطابه اسرائيليا خالصا وداعما بشكل قوي لاسرائيل، وقد احاط نفسة بمجموعة من المستشارين الصهاينة المنحازين لاسرائيل.
يوجد في اسرائيل حوالي 300 الف ناخب امريكي، منهم 80 ألف، يعيشون في المستوطنات يحق لهم الاقتراع، وقد قامت مجموعة مؤيدة لترامب بفتح مكتب لدعم حملته، وحشد التصويت له في مستوطنة كرني شامرون شرقي مدينة قلقيلية بالضفة الغربية.
وأقام مؤيدو ترامب نقاط دعائية في مراكز التسوق في التجمعات السكانية الكبيرة مثل القدس ومودعين و رعنانا وبيت شيمش، ويقدر الجمهوريون ان حوالي 85% من الامريكيين المقيمين في اسرائيل سوف يصوتون لترامب.
تركز حملة ترامب في اسرائيل على اظهار برنامجه المؤيد لاسرائيل، وتشير ايضا الى ابنته اليهودية ابفانكا، واحفاده اليهود، وصرح ترامب ان عدم التزام اسرائيل بالسلام يعود الى عدم وجود شريك فلسطيني، ووصف رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بانه صديق جيد، علما بان ترامب قد ادلى بتصريحات متناقضة فيما يخص اسرائيل حين قال انه سوف يلتزم الحيادية في ملف الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.
وقدأثارت تصريحات ترامب المثيرة للجدل انتقادا من قبل اليهود الامريكيين وخاصة خطابه المعادي للمهاجرين الذي اثار حفيظة الكثير من اليهود، وعندما قال انه سيكون اكثر حيادا فيما يخص الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وعندما صرح انه ربما يقلص حجم المساعدات الخارجية اذتعتبر اسرائيل اكبر الحاصلين على هذه المساعدات.
بناء على ما تقدم يمكن القول ان مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون هي الاوفر حظا للفوز في الانتخابات الامريكية 2016، الا ان المزاج العام للناخبين قد يتغير بين لحظة واخرى، ويكون دونالد تراميب مرشح الحزب الجمهوري هو الفائز، ويبقى ذلك رهنا للايام القادمة، وحتى فرز النتائج والاعلان النهائي عنها.
من الملاحظ ان هناك نوعا من التغير في مواقف قطاعات كبيرة داخل الحزب الديمقراطي في موقفها من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، باتجاه مزيد من التعاطف والتأييد مع الفلسطينين خاصة في القطاعات الذين يعرفون انفسهم بانهم ليبراليون وتقدميون،وهذا ينطبق على السود واللاتين الامريكين والشباب والاصغر سنا، من مواليد ما بعد عام 1980.
إن اهم ما يمز هذه الانتخابات ونتائجها هو ان الاجماع بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري على دعم اسرائيل يمضي في طريق التراجع وان كان هذا المضي بطيئا، وبذلك قد تصبح اسرائيل في الراي العام الامريكي مستقبلا قضية خلافية بين الحزبين، بدلا من ان تكون مسالة فوق الحزبية كما هو معهود.
ومن الملاحظات الهامة في هذه الانتخابات ان المناظرات الانتخابية الي اجريت حتى الان، وهي المناظرة الاولى والثانية لم يذكر فيها ملف الصراع الفلسطيني الاسرائيلي مما يشير الى تراجع اهمية هذا الملف بالنسبة للسياسة الخارجية الامريكية والتي تركز على قضايا محاربة داعش والملف السوري في الشرق الاوسط.
وبالنسبة لبرنامجي الحزبين الجمهوري والديمقراطي فانهما يمثلان سياسية سيئة فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي ويشددان على دعم اسرائيل والحفاظ على علاقات دبلوماسية قوية معها.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.