قليلة هي الأشياء التي تحظى بدعم شامل من المعسكرات السياسية المتنافسة في إسرائيل، ولكن قرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بدء “الإستعداد” للإنسحاب من اليونسكو كان واحدا منها.

هناك شعور كبير بالعدائية في إسرائيل تجاه منظمة الأمم المتحدة للتعليم والعلم والثقافة بسبب سلسلة من القرارات المناهضة لإسرائيل التي مررتها في السنوات الأخيرة – الكثير منها ينفي العلاقة اليهودية بالمواقع التاريخية المقدسة في أرض إسرائيل.

ومع ذلك، فإن انسحاب إسرائيل لن يأتي على الأرجح بالتغيير المطلوب في المنظمة، كما يرى ناقدون. ولو حدث أي شيء، فإن ذلك سيؤثر سلبا على مصالح الدولة اليهودية، كما يقول هؤلاء.

لطالما اختلف الإسرائيليون حول ما إذا كان من الأفضل لإسرائيل التواصل مع منظمات منحازة، في محاولة لتحسينها من الداخل، أو الانسحاب منها بهدف نزع الشرعية عن هيئات كهذه. حتى الآن فيما يتعلق باليونسكو، اختارات اسرائيل عادة الخيار الأول، على الرغم من الإحباط المتزايد من عبثية القرارات الأحادية. في الأسبوع الماضي، حققت المدرسة الفكرية الثانية انتصارا كبيرا.

إعلان الانتصار أولا، والانسحاب لاحقا

تكمن المفارقة في أن إسرائيل أعلنت عن رغبتها بالإنسحاب بعد يوم من تحقيقها لبعض النجاح في المنظمة. وجزء من هذا القرار لم يكن مدعوما بتخطيط إسرائيلي، ولكن بقرار أمريكي مفاجئ بالانسحاب.

لقد احتفلت اسرائيل لتوها بنجاح دبلوماسي كبير. في 11 أكتوبر، صوت المجلس التنفيذي للمنظمة بالإجماع على تأجيل التصويت على عدد من مشاريع القرارات المناهضة لإسرائيل.

وقال السفير الإسرائيلي لدى اليونسكو، كرمل شاما هكوهين، مباشرة بعد التصويت إن “القرارات التي اتخذتموها للتو، كما آمل، هي رياح تغيير ستكون بمثابة مستقبل هذه المنظمة”.

وتابع قائلا: “عندما أصبحت إسرائيل عضوا في اليونسكو قبل 68 عاما، شاركنا حلم عالم أفضل، وحلم مستقبل أفضل. لا نزال متمسكين بهذا الحلم، ولا نزال نؤمن أن بإمكان اليونسكو المساهمة لعالم أفضل من أجل أطفالنا”.

سفير إسرائيل لدى اليونسكو كرمل شاما هكوهين يلقي بنسهة من قرار حول القدس في سلة مهملات، 26 أكتوبر، 2016. (Erez Lichtfeld)

سفير إسرائيل لدى اليونسكو كرمل شاما هكوهين يلقي بنسهة من قرار حول القدس في سلة مهملات، 26 أكتوبر، 2016. (Erez Lichtfeld)

في بيان علق فيه على “الانجاز” غير المسبوق، وصف شاما هكوهين هذا الانتصار بأنه “ثمرة ثلاث سنوات من العمل الدبلوماسي الشاق والمرهق والمحبط”. وأضاف: “من هذه اللحظة توجهنا إلى الجولة المقبلة، ولا يوجد هناك سبب للوقوف على أمجادنا”.

ما لم يكن يدركه في ذلك الوقت أن “الجولة القادمة” ستكون الدعوة لإلغاء منصبه. لأنه بعد دقائق من إعلان الولايات المتحدة عن انسحابها من اليونسكو، أوصى شاما هكوهين بأن تحذو إسرائيل حذوها.

بعد نحو 30 ساعة من إعلانه النصر في معركة واحدة والبدء بالإستعداد للمعركة المقبلة، حث فجأة إسرائيل على الانسحاب من الحرب بالكامل. (بحسب تقرير في صحيفة “هآرتس”، فوجئت إسرائيل من قرار واشنطن بالإنسحاب من اليونسكو).

وزير الثقافة الفرنسية السابقة والمديرة العامة المنهبة حديثا لليونسكو أودري أزولاي تتحدث خلال مؤتمر صحفي بعد انتخابها في 13 أكتوبر، 2017، في مقر اليونسكو في باريس. (AFP PHOTO / Thomas Samson)

وزير الثقافة الفرنسية السابقة والمديرة العامة المنهبة حديثا لليونسكو أودري أزولاي تتحدث خلال مؤتمر صحفي بعد انتخابها في 13 أكتوبر، 2017، في مقر اليونسكو في باريس. (AFP PHOTO / Thomas Samson)

في مفارقة أخرى، في 13 أكتوبر – بعد يوم من إعلان إسرائيل عن نيتها الإنسحاب من اليونسكو – هزمت أودري أزولاي، وهي سيدة يهودية لها أقارب عائلة في إسرائيل، منافسها القطري بعد انتخابها مديرة عامة للمنظمة.

المسؤولون الإسرائيليون اعتبروا فوز أزولاي أنباء سارة، ولكن ذلك لم يؤثر على تأييدهم لإنسحاب اسرائيل من الوكالة الثقافية. يوم الأحد قال نتنياهو إنه يأمل بأن تتخلى اليونسكو عن طرقها “المعادية للسامية”، لكنه أضاف أنه غير متفائل حيال ذلك. “بالتالي، ما زالت توجيهاتي بترك المنظمة قائمة وسنمضي قدما لتنفيذها”.

قرار اسرائيل قوبل بانتقادات ليس من قبل اليونسكو فحسب، بل أيضا من قبل بعض الدول الأعضاء وحتى جماعات يهودية تكون عادة منتقدة للوكالة الثقافية بسبب انحيازها ضد إسرائيل.

شمعون صامويلز، مدير العلاقات الدولية في مركز “سيمون فيزنتال”، قال: “هذا ليس بالوقت المناسب لتلخي الديمقراطيات عن اليونسكو. انسحابهم سيترك فراغا سيملأه بسرعة أعداء الحرية”.

روسيا أشارت إلى المفارقة في انسحاب إسرائيل من اليونسكو بعد يوم من الاحتفال بـ”رياح التغيير”.

في بيان نددت فيه بالخطوة الإسرائيلية، أشارت ماريا زاخاروفا، المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية، إلى أن الإنسحاب الإسرائيلي “جاء في وقت ظهر فيه اتجاه نحو تخفيف التوتر المسيس خلال مناقشة ’القرارات الفلسطينية’ المتعلقة بالحفاظ على البلدة القديمة في القدس وإعادة بناء وتطوير قطاع غزة وكذلك مسائل تتعلق بالثقافة والتعليم والمساواة بين الجنسين وعمل الشبيبة في الأراضي الفلسطينية”.

المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (screen capture via YouTube)

المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (screen capture via YouTube)

وأضافت زاخاروفا أن الخطوة الإسرائيلية “ستضع حدا للتعاون الروسي-الإسرائيلي في إطار المنظمة”، مشيرة إلى الجهود الثقافية لمنع التطرف والرديكالية وبرامج لإحياء ذكرى المحرقة.

للمفارقة، روسيا هي إحدى الدول التي صوتت بانتظام لصالح مشاريع القرارت العربية التي دفعت إسرائيل إلى الانسحاب. مع ذلك، عند النظر إلى الانسحاب الإسرائيلي من اليونسكو من المهم التذكر أن القرار لتقديم اقتراح مشريع قرارات مناهضة لإسرائيل أو دعمها  يتم اتخاذه في العواصم من حول العالم وليس في مقر اليونسكو في باريس.

وقال المتحدث السابق بإسم وزارة الخارجية الإسرائيلية ييغال بالمور: “ليست هناك أي مشكلة في المنظمة. المشكلة هي مع الدول الأعضاء التي تقوم بطرح نصوص محددة وتصوّت بهذه الطريقة”.

إن العمل المهني لليونسكو “على ما يرام”، ويمكن أن يشهد العديد من المسؤولين الإسرائيليين على ذلك، كما قال. وأضاف: “لقد استفادت إسرائيل مهنيا من العمل مع اليونسكو على برامج محددة، ولا علاقة لكل ذلك مع القرارات المشينة التي تم التصويت عليها في اللجنة التنفيذية”.

وقال بالمور إن إيرينا بوكوفا، المديرة العامة المنتهية ولايتها للمنظمة، لم تكن بكل تأكيد معادية لإسرائيل – بل على العكس من ذلك.

السفير الإسرائيلي لدى اليونسكو كرمل شاما هكوهين، مع المديرة العامة للمنظمة إيرينا بوكوفا، 26 سبتمبر، 2017. (Erez Lichtfeld)

السفير الإسرائيلي لدى اليونسكو كرمل شاما هكوهين، مع المديرة العامة للمنظمة إيرينا بوكوفا، 26 سبتمبر، 2017. (Erez Lichtfeld)

وأضاف: “لقد خرجت عن صلاحيتها الدبلوماسية التقليدية للتعبير عن عدم ارتياحها الكبير من بعض عمليات التصويت حول إسرائيل، ولكن بالطبع لم يكن لذلك أي تأثير على أي من الدول التي احتشدت هناك للتصويت بناء على اعتبارات سياسية بحتة وجبن دبلوماسي ولامبالاة فاضحة أو جدول أعمال واضح وصريح ضد إسرائيل”.

وتتمتع اسرائيل بعلاقات ثنائية جيدة مع موسكو وبكين وبلدان أخرى التي تدعم بشكل روتيني قرارات مؤيدة للفلسطينيين في مختلف المحافل الدولية. وقال بالمور: “ولكن في الهيئات متعددة الجنسيات، تتغير قواعد الصداقة. لذلك إذا أردنا التذمر، علينا التوجه إلى بلدان محددة رفعت أياديها لصالح قرارات معادية لإسرائيل. هم من يتحملون المسؤولية كاملة، وليس المنصة التي جمعتهم معا”.

مؤيدو قرار اسرائيل يقولون إن انسحاب بلدان مهمة من اليونسكو سيثير الخوف لدى الدول الأعضاء الأخرى ويدفعها إلى محاربة القرارات الأحادية المناهضة لإسرائيل، خشية انسحاب الولايات المتحدة وإسرائيل من منظمات أخرى أيضا.

وكانت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هالي قد حذرت من انسحاب بلادها من هيئات أممية اخرى إذا فشلت في كبح هوسها ضد إسرائيل.

وقال داني دنون، سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، الخميس، إن “قرار اليوم هو نقطة تحول لليونسكو. هناك عواقب لقرارات المنظمة السخيفة والمخزية ضد إسرائيل”، وأضاف إن “اليوم هو يوم جديد في الأمم المتحدة، حيث هناك ثمن يجب دفعه على التمييز ضد إسرائيل”.

لكن بالمور يختلف مع هذه الفرضية، ويؤكد على أن الانسحاب من اليونسكو لن يؤدي بالتأكيد إلى جعل المنظمة أكثر ودية لإسرائيل.

وقال: “هل ستتأثر أو ترتبك الصين أو كوبا أو ليبيا أو قطر حقا من انسحاب الولايات المتحدة إلى درجة تدفعهم لمحاسبة عميقة للذات لإصلاح أساليبهم؟ أنا لا أعتقد ذلك”. قد تصل الرسالة إلى بعض البلدان الأوروبية. “بشكل عام لن يتأثر مفتعلو المشاكل الآخرون في اليونسكو”.

هل حشرت الولايات المتحدة إسرائيل في الزاوية؟

شموئيل روزنر، صحافي وباحث كبير في معهد سياسات الشعب اليهودي، يقول إن إسرائيل لا ترغب حقا بالإنسحاب من اليونسكو. ويرى أن أنظمة  الأمم المتحدة بالكامل، ومنظمات دولية كثيرة أخرى، منحازة بطبيعتها ضد الدولة اليهودية، ومع ذلك كانت إستراتيجية إسرائيل دائما محاولة التأثير للتغيير من الداخل.

وكتب روزنر يوم الأربعاء في في النسخة العالمية لصحيفة “نيويورك تايمز”، أن إسرائيل تركت اليونسكو لأن الإدارة الأمريكية لم تترك لها خيارا آخر.

وكتب “لا يمكن لإسرائيل أن تسمح بمغادرة الولايات المتحدة من المنظمة بسبب الانحياز ضد إسرائيل وتبقى هي عضوا فيها. في الوقت نفسه، لا يمكن لإسرائيل أن تبدي جحودا تجاه الولايات المتحدة وأن تلمح إلى أن الانسحاب من اليونسكو قد لا يكون الخطوة الأفضل لإسرائيل”.

“لكن الحقيقة هي أن إسرائيل تفضل الاستمرار في استراتيجيتها المتبعة منذ فترة طويلة في الأمم المتحدة: البقاء عضوا والصراع من أجل مصالح إسرائيل. كانت إسرائيل ستفضل العمل على تحسين اليونسكو – جعلها أقل عدائية بعض الشيء، وأكثر من ذلك، أقل هوسا بإسرائيل. ولكن يبدو الآن أن هذا الخيار في خطر”.

المجلس التنفيذي لليونسكو يصوت لاختيار مدير عام جديد، أكتوبر 2017. (courtesy)

المجلس التنفيذي لليونسكو يصوت لاختيار مدير عام جديد، أكتوبر 2017. (courtesy)

في 12 أكتوبر، أبلغت وزارة الخارجية الأمريكية اليونسكو عن نيتها الانسحاب من المنظمة. بحسب دستور اليونسكو، سيدخل القرار حيز التنفيذ في 31 ديسمبر، 2018 (لا مجال هناك للانسحاب قبل هذا الموعد).

إسرائيل من جهتها لم تبلغ اليونسكو حتى الآن عن نيتها في الإنسحاب، بحسب ما قاله المتحدث بإسم وزارة الخارجية عمانويل نحشون يوم الأربعاء. حتى الآن، كل ما فعلته إسرائيل هو “البدء بالإستعداد” للخطوة، كما قال.

بكلمات أخرى، لم يفت الأوان بعد للتراجع عن الإنسحاب.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.