من الجيد رؤية المضحك في الأشياء، وفي الأوقات الحالكة هو أمر ضروري. اذا تمكنت من ايجاد الفكاهة في الظلمة نفسها فإنك تضرب بذلك عصفورين بحجر واحد. ومع أخذ ذلك في الاعتبار، أنا استكشف ايضا قدرتنا على الأكاذيب المريحة.

يقول فولتير إن “العقل البشري هو عضو معقد مع قوة رائعة تُمكّن الانسان من ايجاد أسباب تُتيح الاستمرار في تصديق ما يريد أن يصدقه”.

ويأخذ يوفال نواح هراري، المفكر المعاصر الساخر والمرح، هذا التوجه إلى أبعد من ذلك: حيث يقول إن قدرة البشر على تصديق “الخرافات” لا تفضلهم على جميع المخلوقات فحسب، بل هي في الواقع مصدر للنجاح – لأنها تحفز مجموعات كبيرة على العمل الجماعي.

أنا أقترح خطوة أبعد من ذلك (ربما نصف خطوة، حيث لا أدعي وصولي إلى مستويات هراري): بسّط الأكاذيب. فالحقيقة بحد ذاتها محيرة، وتقسمنا إلى مجموعات صغيرة من المتملقين. لذا اجمع الناس معا بكذبة بسيطة للغاية؛ كلما كانت هذه الكذبة واضحة، كلما كان ذلك أفضل.

مأزق إسرائيل هو مثال جيد على ذلك.

لقد كُلف نتنياهو للتو بتشكيل الحكومة المقبلة، لأن فريقه من فاز ب65 مقعدا من أصل 120 في الكنيست. وتعد الحكومة المستقبلية بأن تكون تهديدا على الديمقراطية ووباء للحداثة وعدوا للسلام.

الجزء الذي يدفع الضرائب ويدافع عن الحدود ويساهم في أمة الستارت أب في إسرائيل يشعر بالفزع من الفوضى التي تركها الناخبون على أرضية الباركية. ولكن قيل لهم أن عليهم القبول بالخيار الديمقراطي للشعب. طُلب منهم الاعتقاد بأن الانتخابات التي أجريت في 9 أبريل كانت ديمقراطية، وهم يصدقون ذلك.

يمكنني أن أعد على أصابع يد واحدة عدد الأشخاص الذين قابلتهم منذ الانتخابات والذين يميلون إلى الإعتراض على ذلك. ولكن اسمحوا لي بالمحاولة على أي حال.

الإنتخابات لم تكن ديمقراطية. إن مزاعم إسرائيل بوجود نظام ديمقراطي فيها تتشبت بخيط خرافة كبيرة. الخرافة هي أن الضفة الغربية هي ليست بإسرائيل، لذلك فإن كل ما يحدث هناك لا يُحسب في تعريف الدولة، وهذا، على النحو المنصوص عليه، هو كذبة بسيطة وواضحة.

لننظر إلى الأرقام. هناك حوالي 9 مليون مواطن في إسرائيل، وحوالي 3 مليون في الضفة الغربية المجاورة. تسيطر إسرائيل على الضفة الغربية من 52 عاما ولم تظهر أي إشارة بأنها تعتزم التخلي عن سيطرتها. يقول نتنياهو إن على إسرائيل الاحتفاظ ب”السيطرة الأمنية” (وبالنظر على الخريطة لديه وجهة نظر، وحتى الكثير من المعتدلين في إسرائيل يوافقونه الرأي).

لقد قامت إسرائيل ببناء بلدات في جميع أنحاء المنطقة ولسبب ما أطلقت عليها اسم “مستوطنات” (التي لديها العبارة الخاصة بها في العبرية أيضا). وأقامت إسرائيل جامعة في قلب هذه المنطقة والتي حظيت باعتراف سلطاتها الأكاديمية. وتستخدم إسرائيل جزء كبير من موارد المنطقة الطبيعية. وتفرض إسرائيل إغلاقا على المنطقة عند الدخول إليها والخروج منها.

صحيح أن معظم الفلسطينيين يعيشون تحت حكم ذاتي تم تشكيله في تسعينيات القرن الماضي (وهو ما عارضه الليكود بشدة)، ولكن هذه الحكومة أقرب إلى سلطة بلدية ولا تُعتبر حكومتهم في نهاية المطاف؛ إسرائيل هي حكومتهم، فهي التي تقوم بإرسال القوات إلى داخل أراضيهم التي “تتمتع بالحكم الذاتي” والمنفصلة عن بعضها البعض، وهي التي تقوم بنشر الحواجز على الطرقات بين هذه الأراضي، وهي التي تسيطر على البناء والتطوير في الجزء الأكبر من هذه الأرض، وهي التي تقوم باعتقال ومحاكمة أي شخص تختاره، وهي التي تدير العملة أيضا.

لا يوجد في إسرائيل تصويت غيابي، لذلك فإن كل إسرائيلي تواجد خارج إسرائيل لم يتمكن من الإدلاء بصوته في 9 أبريل. ولكن “المستوطنين” فعلوا ذلك بكل تأكيد، مثل المواطنين داخل إسرائيل، ومارسوا حقهم بفعالية كبيرة. جيرانهم الفلسطينيون لم يتمكنوا من القيام بذلك. مدينة الخليل هي مثال حي على ذلك: بضع مئات من اليهود المتطرفين في منطقة تم إخلاؤها قسرا في وسط المدينة كانوا الوحيدين القادرين على التصويت في مدينة تضم 150,000 نسمة (وهذه ليس الأفضلية الوحيدة التي يتمتعون بها).

لم تقم إسرائيل بضم الضفة الغربية رسميا من أجل التستر بورقة التين التي تطلق عليها اسم ديمقراطية. لا يمكن تصور هذه الحالة لدرجة انه لا يخطر على بال أحد أن المستوطنين لا يقيمون في إسرائيل وبالتالي لا يحق لهم التصويت.

كل من ينظر إلى الوضع بوضوح يجب أن يتمكن من رؤية أن ربع الأشخاص الخاضعين لحكم الحكومة الإسرائيلية (في تسوية عمرها أكبر من عمر معظم الأشخاص هنا) مُنعوا من التصويت (كما تم منعهم في كل الانتخابات السابقة منذ استيلاء إسرائيل على المنطقة في عام 1967).

والأمر يصبح مثيرا للسخرية أكثر: لو حصل أولئك الذين عارضوا انسحاب أريئيل شارون من قطاع غزة في عام 2005 على ما يريدونه (والبعض منهم يستعد في الوقت الحالي للحصول على تعيينات وزارية) فسوف تشمل حسابات النظام غير الديمقراطي الفلسطينيين سكان هذه المنطقة والبالغ عددهم 2 مليون، وهو ما يعني منع حوالي 40% من السكان من التصويت.

لو كان للفلسطينيين في الضفة الغربية (أو غزة) نفس الحقوق التي يتمتع بها مواطنو إسرائيل العرب، هل كان اليمين القومي اليهودي، المنتشي بفوزه في الوقت الحالي، سيحلم حتى بالفوز في الإنتخابات؟ من الواضح أن الجواب هو لا.

لننظر إلى ذلك من منظار آخر، السبب الوحيد الذي يسمح لتننياهو بمواصلة حكمه هو أن ربع السكان (40% لو تم منع الانسحاب من غزة) يُمنعون من التصويت.

يمكن الادعاء أن سكان الضفة الغربية يعتبرون أنفسهم فلسطينيين ولن يرغبوا على أي حال بالتصويت. حسنا، أولا قد يتغير ذلك؛ المطالبة بالضم قادمة على الأرجح، وستجد إسرائيل صعوبة في رفض ذلك. ثانيا، هذا لا يهم؛ حقيقة الأمر أنه لا يمكنهم التصويت للحكومة التي تحكمهم.

يجادل البعض بجدية بأنه يجب منح الفلسطينيين حق الاقتراع في دولة أخرى، مثل الأردن، لكنهم يتجاهلون نقطة رئيسية: الفكرة ليست في التصويت لهذه الحكومة أو تلك، الفكرة هي في التصويت للحكومة التي تحكم الأرض التي تعيش فيها.

أنا لا أدعو إلى الضم الكامل. إذا كان الفلمنكيون والولونيين يتمكنون بالكاد من العمل معا كبلجيكيين فأن لا أرى أمورا عظيمة في انتظار ‘إسراطين’. ولكن هذا هو الاتجاه الذي تسير فيه إسرائيل على أي حالمن غير قصد، تحت قيادتها القومية المتشددة الجاهلة.

قد يُرضي فولتير سماع الإسرائيليين يتحدثون عن أمور مثل “دولة ثنائية القومية ليست على الطاولة”. لهم أعين ولا يبصرون أن الدولة ثنائية القومية على الطاولة بالفعل وآخذة بالانسكاب على الأرض وإغراق الغرفة.

الأمر فقط أنها ليست دولة ثنائية القومية ديمقراطية.

الامر انه ليس انه طُلب من الإسرائيليين تصديق هذه الخرافة فحسب، بل والعالم أيضا، بما في ذلك أصدقاء إسرائيل القلقون والفلسطينيون المسحوقون. قد لا يكون ترامب منزعجا من هذا الدوران الجريء على قدم واحدة، لكن ذلك لا يلزم القارئ.

لقد آمنت الكثير من الشعوب عبر التاريخ بالهراء وقامت بارتكاب حماقات، وإسرائيل هي ليست أسوأ مثال على ذلك. ولكن الآخرين لا يتجولون في جميع أنحاء العالم ويصفون أنفسهم ب”نور بين الأمم”، حيث أنه هنا تصبح الأمور مضحكة، وحزينة بعض الشيء أيضا.

إن الطريقة الوحيد لإنقاذها كدولة ديمقراطية هو التقسيم. حتى ذلك الحين، دعونا لا ندعي أن الحكومة التي ستستلم مقاليد الحكم في القدس، والتي ستحكم عمليا ملايين الفلسطينيين، هي حكومة تم انتخابها بشكل ديمقراطي من قبل الشعب الذي تحكمه.

دان بيري هو مبتكر في مجال الإعلام والتقنية، عمل في القاهرة محررا لوكالة “أسوشيتد برس” في الشرق الأوسط، ورئيسا لرابطة الصحافة الأجنبية في إسرائيل. في السابق كان مسؤولا عن “أسوشيتد برس” في أوروبا وأفريقيا والكاريبي. في الإنتخابات الإسرائيلية 2019 عمل مستشارا لحزب “أزرق أبيض” الوسطي. تابعوه على:

twitter.com/perry_dan

www.linkedin.com/in/danperry1

/www.facebook.com/DanPerryWriter

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.