الإرهاب هو أقبح الأدوات السياسية: إنه شكل من أشكال العنف ذات الهدف والموجه بالأساس ضد مدنيين أبرياء من أجل خلق خوف شديد وزرع خراب واسع النطاق لتحقيق أهداف سياسية معينة. إستخدام الإرهاب هو أمر حقير: إنه عديم الرحمة ولا يعرف التمييز ومتوحش وبعيد كل البعد عن الإنسانية. كل عمل إرهابي – سواء في باريس أو القدس، في باماكوا أو في نيويورك، في دمشق أو بانكوك – هو أمر غير مقبول. الإدانة الواسعة لموجة الإرهاب الأخيرة التي لا توصف أكثر من مبررة؛ أما الخلط المتكرر لهذه الأفعال مع دوافعها – التي تخلط بين السبب والنتيجة – فلا.

المسؤولون الإسرائيليون، بدعم من الإعلام، ساهموا في هذا الخلط. فورا بعد الأحداث المروعة في باريس في الأسبوع الماضي، صرح رئيس الوزراء نتنياهو: “في إسرائيل، في فرنسا، الإرهاب هو إرهاب والوجه الذي يقف وراءه هو الإسلام المتطرف ورغبته في تدمير ضحاياه”.

رئيس بلدية القدس، نير بركات، كرر هذه الأفكار: “يدرك العالم بأسره الآن ما نمر به في إسرائيل والقدس – إرهاب قاتل تدفعه الكراهية ذاتها ورسالة قتل الأبرياء في الغرب”. وزير الأمن العام، غلعاد إردان، من خلال إعطاء هذه المقارنات وزن عمليات حربية، ذهب أبعد من ذلك: “يجب على دولة إسرائيل أن تكون بمثابة مثال وتقود الحرب ضد الإسلام المتطرف، الذي قام مبعوثوه بذبح أشخاص أبرياء في باريس ونيويورك ومدريد وإسرائيل. حماس والدولة الإسلامية يشاركان منصة أيديولوجية تقود الهجمات حول العالم وموجة من الإرهاب في هذا البلد”.

مقارنات مضللة

رسم خط مستقيم بين الأحداث في أوروبا وتلك الأقرب إلى البيت هي خدمة علاقات عامة سيئة في أحسن الأحوال. ليس فقط أن ذلك يشمل تشويها للمفهوم، ولكنه في محاولة إظهار أن إسرائيل والغرب على نفس القارب، هناك إشارة إلى أن الحلول للإرهاب متطابقة. الإصرار على مقارنات كهذه، مهما كانت مريحة سياسيا لمن في السلطة في الوقت الراهن، هو عمل غير مسؤول بالمرة. يفترض ذلك وبشكل غير صحيح أن أعمال الإرهاب المعاصر تقف وراءها الدوافع نفسها، ويقوم بتنفيذها نفس الجناة، وتعطي النتائج نفسها ويمكن القضاء عليها بالوسائل نفسها. إن ذلك غير صحيح ومضلل.

هناك العديد من التعاريف للإرهاب كحالات تجلياته الشائنة. كلها تبدو بأنها تحتوي على مواضيع مشتركة. نية أولئك الذين يقومون بتنفيذ عمليات إرهابية هو في الأساس: زرع الإرهاب (الذعر) كطريقة للتعبير عن رسالة سياسية ضد النظام القائم. الإرهاب في الأساس هو عمل مجموعات سرية أو أفراد معظمهم على إتصال بجهات غير حكومية مشاركة في صراعات غير متكافئة سواء محليا أو وطنيا أو – بشكل متزايد، عالميا (من المعروف أيضا إنخراط دول في أعمال كهذه). علامة الإرهاب هي العنف – سواء فعليا أو بشكل محتمل. تهدف أنشطته إلى تحقيق تداعيات نفسية بعيدة المدى ما وراء الضحايا والأهداف الفوريين. في العالم المعاصر، يعتمد الإرهابيون على الإعلام لتضخيم ومضاعفة تأثيرهم، وبالتالي إعطاء أنشطتهم نوعية مسرحية.

فوق ذلك كله، Terrorism”” (باللغة الإنجليزية) هو أداة سياسية – تكتيك يهدف إلى تحقيق هدف معين. كوسيلة، يتم تمييزه عن ” “Terror (وهو مصطلح يدل على الخوف الشديد والتخويف أو الرعب) في أنه ليس مجردا. من خلال التعريف فإن مصطلح “Terrorism” بالإنجليزية هو ملموس ومركز ومحدد. يأتي بأشكال كثيرة وينبع من عدة مصادر.

أهداف متنوعة

هذا هو السبب في أن أهداف الإرهاب (Terrorism) اليوم متعددة. الهجمات الأخيرة ضد مدينة الأنوار نفذها أتباع لتنظيم “الدولة الإسلامية” وهدفت إلى مهاجمة الرموز المادية للحضارة الغربية على أرضها، بينما حذرت في الوقت نفسه صناع القرار الفرنسيين من إستمرار الهجوم العسكري ضد معاقل “الدولة الإسلامية” في الشرق الأوسط. يختلف ذلك تماما عن عمليات الإرهاب الفردية بمعظمها التي تقع في إسرائيل والضفة الغربية – التي تستهدف في الأساس (مع وضع الإحتجاجات الرسمية جانبا) سنوات من الاحتلال والقمع الإسرائيلي – أو، في هذا الشأن، جولات متتالية من إطلاق الصواريخ الصادرة من غزة، والتي تسعى، برعاية حماس، إلى زعزعة الاستقرار في إسرائيل.

لذلك فإن الجناة مختلفون أيضا. فهم يأتون من كل أنحاء العالم وكل الديانات. لكل ثقافة هناك العلامة التي تميزها. للتأكيد، معظم العمليات الإرهابية المشينة في السنوات الأخيرة – ولكن بالتأكيد ليس جميعها – هي من صنع يد عدد من الإسلاميين المتطرفين. ولكن سيكون خطأ فادحا أن نفترض أنهم كلهم مصنوعون من قطعة القماش ذاتها. “الدولة الإسلامية” ليس “حزب الله”، و”القاعدة” ليس “حماس”، و”جبهة النصرة” في سوريا ليس مثل “المرابطين”، الذين نفذوا مؤخرا المذبحة الأخيرة في مالي. بعض أكثر الجماعات تطرفا، رغم الأفكار التقليدية، هي سنية وليست شيعية. لهذا فإن محاولات التعميم حول خصائص الأفراد الإرهابيين – دراستهم، وضعهم الوظيفي، حالتهم النفسية، والتزامهم الديني – فشلت أيضا. يرتبط ذلك بالزمان والمكان ويجب التطرق إليه كل حالة على حدة.

رفض التمييز بين السمات الخاصة لكل عمل من أعمال الإرهاب يجعل من التعامل مع تعقيدات هذه الظاهرة أصعب. لسنوات، ركزت ردود الفعل الرسمية على القريب والفوري: على الوقاية، حيثما أمكن، أو الرد من خلال إستخدام القوة. زيادة الإجراءات الأمنية والتيقظ ومجموعة من التدابير الإحترازية تكون في بعض الأحيان قادرة على إحتواء الإرهاب (في كثير من الأحيان على حساب تقييد الحريات وخلق ذعر هائل – وهو ما يريده الإرهابيون بالضبط). قد تنجح الهجمات ضد خلايا ومعاقل للإرهابيين، على الأقل مؤقتا، في إضعاف هؤلاء المقاتلين. ولكن إذا كان التاريخ قد علمنا شيئا في هذا الصدد، لم يتم القضاء على أي مصدر رئيسي للإرهاب من خلال الوسائل العسكرية.

لا نهاية من دون حلول سياسية

القضاء على جذور عمليات محددة من الإرهاب يتطلب، قبل كل شيء، حلولا سياسية، تماما كما هو الحال مع معظم المشاكل السياسية التي يكمن حلها في تقديم بدائل سياسية. بالتالي، أولئك المعنيون بوقف إنتشار “الدولة الإسلامية” سيحسنون صنعا بالبدء بإعادة بناء هياكل الدولة في المنطقة لأنه إنهيار لمنظومة الدولة ما بعد الإستعمار الذي نتج عنه فراغ سياسي سمح بصعود جماعات متطرفة وعنيفة. في إسرائيل، إستمرار تجنب التسوية السياسية مع الفلسطينيين لن يؤدي إلا إلى المزيد من العنف. في أجزاء من أفريقيا، حكومات ضعيفة تشكل أرضا خصبة لإستمرار الإرهاب، كما يعرف النيجيريون، الذين يتعرضون لغزوات “بوكو حرام”، ذلك جيدا. والإستقرار السياسي في لبنان يمكنه أن ينجح في تقليص، وبشكل كبير، من أنشطة الخلايا الإرهابية الآخذة بالتكاثر على سلسلة جبال هذا البلد. أحيانا تكون هذه العمليات طويلة ومعقدة. ولكن يجب أن يتم البدء بالعمل بها إذا كانت هناك رغبة بحدوث تغيير على المدى الطويل. يرفع الإرهاب رأسه عندما تفشل السياسة التقليدية، إحياء الخيارات السياسية القابلة للتطبيق هو الحل الأفضل إلى حد بعيد للرد على إنتشار شروره.

إسرائيل لن تحقق شيئا من وضع كل أعمال الإرهاب في سلة واحدة. الإصرار على خلط كهذا قد يسمح للحكومة بوضع البلاد في صف مجموعة البلدان الأوروبية التي تتعرض لهجوم، ولكن ذلك يشير إلى أن صراعها ضد الإرهاب من الممكن التعامل معه بنفس الطريقة، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. تنظيم “الدولة الإسلامية” لا يقوم بطعن إسرائيليين في الخليل وكريات غات؛ الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين تحتقر “الدولة الإسلامية” وما يمثله.

مهما كان مدى التلاعب السياسي فلا ينبغي أن يؤجل ما هو مطلوب الآن. على إسرائيل التعامل بفعالية وبسرعة مع الإرهاب عندها من خلال التفاهم مع الفلسطينيين وترك الغرب يتعامل مع الإرهابيين عنده بالوسائل السياسية الخاصة به. ففي نهاية المطاف، هذه هي الطريقة الوحيدة للحد من الإرهاب بكل معانيه (Terrorism and Terror).

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.