وصف المفكرُ التركي (ضياء باشا) حالَ العالم الإسلامي إبان القرن الثامن عشر بمقطعٍ شعريّ واحد:
أعبُرُ بلادَ الكفّارِ، فأرى مُدُناً ومنازلَ عامرةً؛
وأجولُ في ديارِ الإسلامِ، فلا أرى إلا الخَرابا

على الرغم مِن أن بين كبار العلماء في عالم اليوم مَن هم من المسلمين، إلا أن نسبة إسهام العالَم الإسلامي في ميادين المعرفة والابتكار تبقى متدنية إذا ما قورنت بعدد مسلمي العالم. ويقول (برويز هودبهوي) في كتابٍ له: “الإسلام والعِلم: التزمُّت الديني ومعركة العقل” (لندن: منشورات زد، 1991)، بأن الإنتاج العلمي للعالم العربي (على أساس عدد السكان) يعادل 1% من الإنتاج العلمي لإسرائيل. وحتى وإن كان خُمس مسلمي العالم هم من العرب، إلا أن مقارنةً كهذه تشكل مؤشراً تقريبياً لمدى إسهامات العالم الإسلامي في مجالات التقدم الحضاري، والعلمي، والمعرفي، والإنساني.

كان الأمير الحسن بن طلال (رئيس مجلس أمناء المعهد الملكي الأردني للدراسات الدينية) ملفتاً كعادته من خلال الأفكار، والآراء، والسياسات العامة التي يطرحها، كمفكر، ومراقب، وصانع سلام، على الخبراء والعامة سواءاً بسواء. فخلال محاضرة له حول “الإسلام، وبناء السلام محلياً وعالمياً”، والتي ألقاها الشهر الفائت في جامعة الأزهر بالقاهرة، أشار الأمير الهاشمي الأردني إلى عدة مسائل هامة حول وجوب التركيز على رسالة الاعتدال والتعدّدية. وأود هنا التذكير بالقنبلة الفكرية التي أطلقها الأمير لأتباع الدين الإسلامي الحنيف؛ إذ قال مخاطباً علماء وقيادات مشيخة الأزهر، وطلاب الأزهر الشريف، ومن قاعة الإمام محمد عبده تحديداً: “إنني أقلُّكم عِلماً، ولكنني آتي من تجربةِ أربعة عقودٍ ونيّف في التعاملِ مع فكرةٍ إسلامية أصيلة: وهي الكفُّ عن الادّعاء أننا وحدَنا نمثّل الحقيقةَ المطلقة”!

وبما أنني آتي من خلفية اقتصادية لا أكثر، أودّ التركيز هنا على مسألتين بالغتَي الأهمية، عرج عليهما الأمير الحسن، وهما: إدمان العالم الإسلامي على المساعدات والمنح الأجنبية، والدعوة إلى إنشاء صندوق إسلامي للزكاة. وأنا أتفق مع سمو الأمير في المسألة الأولى، ولكنني أطرح بعضاً من التساؤلات حول الثانية.

أولاً: كان الأمير الحسن محقّاً حول عدم جدوى المساعدات الأجنبية لتحقيق التنمية في الدول النامية ولمساعدتها في محاربة الفقر والبطالة. وخلال زيارته القاهرة، قال الأمير إن العالمَين الإسلامي والعربي “بحاجة إلى التحرّر من التسوّل من الآخرين”. فعلى مرّ العقود، بات من الواضح بأن المجتمعات التي لا تعوّل على المساعدات الأجنبية تتفوق بكثير في أدائها الاقتصادي على الدول التي تعيش في ظل الاعتمادية عليها (وهذا جليّ عند عقد أية مقارنة، مثلاً، بين ألمانيا الشرقية والغربية، أو بين كوريا الشمالية والجنوبية، أو بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية، أو بين الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا).
ثانياً: في سعيه الدؤوب لتطوير البعد المؤسسي الإسلامي، يدعو الأمير الحسن دوماً إلى تدشين “مؤسسة عالمية للزكاة والتكافل”. وإن كان الاعتقاد بأن الزكاة توفر حلولاً للمشاكل المترسخة في اقتصادات العالم الإسلامي، وبأنها، بشكلٍ عام، تمتلك المفتاح الضروري لنظام اجتماعي قادر على توفير العدالة الاجتماعية إلى جانب الرخاء الاقتصادي، فمردّ ذلك هو الادعاء بأن نظام الزكاة في الجزيرة العربية إبان القرن السابع الميلادي ما هو إلا دليل قاطع على قدرة الزكاة على التخفيف من وطأة الفقر وعدم المساواة.

أما المثال العصري الأبرز فكان في تأسيس أنظمة زكاة تديرها حكوماتُ دولٍ مثل اليمن، والسعودية، والسودان، وليبيا، وماليزيا، وباكستان، والتي تتنوع في أساليب تحصيلها وتوزيعها لإيرادات الزكاة، على الرغم من أن القائمين عليها يزعمون بأنهم يتقيدون بمبادئ نظام الزكاة الأصلي الذي كان سائداً في الاقتصاد الصحراوي للجزيرة العربية. لكن عالمَ اليوم يزخر بالتناقضات الهائلة بين النظرية والممارسة: فالزكاة، كآلية اقتصادية، لم تقدّم في أي مكان من العالم الإسلامي أية آثار تُذكر لخفض الفقر وتحقيق المساواة الاجتماعية. فالزكاة الطوعية (التي تدار بطريقة لامركزية) في ماليزيا قد تم نقدها لانحيازها ضد الفقراء، كما أن السجلات الباكستانية توحي بأن الأخطاء ذاتها تُبتلى بها الزكاة الإلزامية (التي تديرها الدولة بطريقة مركزية). وتُظهر الأرقام الباكستانية، والماليزية، والسعودية أن ثمة أدلة عديدة على وجود تهرّبٍ واسع من دفع الزكاة. ويمضي تقريرٌ رسمي باكستاني إلى القول بأنه سيكون من الخطأ الفادح أن يُعزى فشل نظام الزكاة لمجرد نقصٍ في الموارد، مشيراً إلى وجود فسادٍ، وسوءٍ خطير في الإدارة، ومحاباة، ومحسوبية، واختلاسات، وتحويل أجزاء كبيرة من إيرادات الزكاة للمؤسسات الدينية. كما يلحظ التقرير بأن المستفيدين من الزكاة كان بينهم “أيتام” يعيشون مع والديهم الأحياء، و”نساء فقيرات” يرتدين سلاسلَ من الأساور الذهبية، و”طاعنون في السن” ماتوا منذ زمن بعيد!

هنالك عدة أسباب جعلت من نظام الزكاة مخيباً للآمال: الأول، محدودية إيرادات الزكاة بسبب انخفاض معدلاتها، ووجود ثغرات واسعة في تحصيلها، وتهرب واسع النطاق من دفعها. السبب الثاني، هو أن تكلفة إدارة نظام الزكاة، بما في ذلك الخسائر الناجمة عن فساد النظام الرسمي، كانت عالية. وأخيراً، أن الكثير من إيرادات الزكاة تُنفَق في أبواب أخرى غير الحد من الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية (كالتعليم والحج).

قد يتفق كثيرون مع دعوة الأمير الحسن لإنشاء صندوق إسلامي للزكاة، وقد لا يتفق آخرون معها؛ فمن الناحية العملية، لا يبدو أداء نظامي الزكاة (المركزي الذي تديره الدولة، واللامركزي الطوعي) ناجحاً بالمطلق في توجيه الموارد للفقراء؛ فكيف ستكون الآمال المعلقة على صندوقٍ إسلامي للزكاة تديره الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي؟

لقد ترك الأمير الحسن مغزى قوله، خلال زيارته الهامة إلى القاهرة، مفتوحاً على مصراعيه: “هناك أقاويل تردّدت إنه يوجد مشكلة في إنشائها (أي صندوق الزكاة) بسبب أنها عالمية وإنسانية”. فهل يَقصِدُ بأن ما يقفُ عائقاً أمام الفكرة “أطراف خارجية” أم دولٌ غنية من العالم الإسلامي؟

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.