كان الخبر المتعلق بقرار مجلس حلف شمال الأطلسي (الناتو) قبول اعتماد سفارة الأردن في بروكسل رسمياً لدى الحلف ملفتاً للنظر. وقد أشار وزير الخارجية الأردني إلى أن “اعتماد السفارة رسمياً يُعدّ مفصلاً هاماً يضيف إلى علاقة الأردن المتقدمة والمتميزة مع الحلف والدول الأعضاء فيه”، مضيفاً إلى أنه “سيوفر أساساً متيناً لمزيدٍ من التقارب والتعاون مع أمانة الحلف وأعضائه، آخذاً بعين الاعتبار بأن الاْردن يحظى بالشراكة الأكثر تقدماً بعلاقاته مع الحلف من بين الدول الشريكة الأخرى”.

توحّد عادةً الأممُ التي تواجه خطراً مشتركاً سياساتِها الدفاعية في تحالفاتٍ عسكرية (مثل الناتو)، وبينما يُعدّ الحلف تحالفاً رسمياً، يمكن للدول أن تتّحد في تحالفاتٍ غير رسمية أيضاً، بحيث تتشارك في المسؤوليات والأعباء الدولية من دون غطاء منظمة دولية. على أية حال، لا نعلم حتى الآن ما المقصود بـــ”الشراكة” المبتغاة مع الحلف، إلا أنني أعتقد بأنها غيرُ رسمية الطابع (أي من حيث العضوية فيه).

من حيث المبدأ، يكون التواصل بين شركاء أي تحالف عسكري أو أمني ضرورياً، بحيث يمكن لكل دولة أن تأخذ على عاتقها تولي نشاطات دفاعية معينة، مع علمها بأن الدول الأخرى ستتولى النشاطات الأخرى المكمّلة في المقابل. ومجدداً، مهما كانت طبيعة التحالف، فإن جهود الدفاع الوطني أم المشترك (التي تهدف إلى تحقيق أهداف مشتركة)، ما هي—كما نسميها في علم الاقتصاد—إلا “سلعة عامة”؛ وهذا يعني أمرَين محوريّين: أولاً، أن استهلاك دولةٍ ما للسلعة (الدفاع) لا يقلل من السلع المتوفرة لاستهلاك الآخرين. وبالتالي، على جميع الدول استهلاك القدر ذاته من الدفاع؛ وثانياً، أن المنافع التي تستمدها دولةٌ ما من السلعة العامة لا تعتمد على مدى مساهمتها في توفيرها؛ فالجميع سيستفيد من سياسات الحلف الدفاعية (وربما ليس بنفس القدر).

هاتان الخاصيتان—اللتان يتمتع بهما الدفاع كسلعةٍ عامة—تثيران مسألة أخرى ذات أهمية بالغة، وهي تتعلق بـظاهرة “المُنتفِع المجاني”. ولأن الدول المشاركة في الحلف سينتفعون، سواءً ساهموا بالدفاع أم لا؛ سيكون هنالك دافع لأي دولة بأن “تنتظر” الآخرين من أجل أن يقدّموا تلك السلعة العامة، لكي تتمتع بميزة المنتفع المجاني. هذا، ولأن استهلاك المنتفع المجاني لا يقلل من القدر المتوفر لاستهلاك الآخرين، فإن أولئك الذين “يدفعون” للاستفادة من السلعة، سيكون لديهم دافعٌ بسيط لمنع الآخرين من الانتفاع المجاني. وبالتالي، فإن الأمم، تماماً كالأفراد، تواجه مشكلة الانتفاع المجاني، وما ينتج عنها من قلة توفير الدفاع كسلعة. ولأن الأمم ذات الثقل العسكري الأكبر يُحتمل أن تقدّر جهود الدفاع الجماعية المشتركة، أكثرَ من الأمم الأقل ثقلاً، وخبرةً، وتأثيراً، فقد تحاول الأمم صغيرة الخبرة أو الثقل العسكري أن “تستغل”—بالانتفاع المجاني—جهودَ الدول العسكرية الكبرى؛ وهكذا، عادةً ما تساومُ الدولُ الأعضاء في التحالفات على المشاركة في “تحمّل” الأعباء أو الجهود المشتركة. إلا أن المشكلة هنا—ومن الناحية الاقتصادية—تتمحور حول تحقيق المشاركة “العادلة” و”الفعّالة” من تحمّل الأعباء، وفي معرفة ما هي الواجبات المناسبة لكلّ طرفٍ مشاركٍ في السياسة الدفاعية الجماعية (المشتركة)؛ فحتى لو اتفقت البلدان على وجوب المساهمة، ولو “نسبياً”، يبقى السؤال المطروح: “نسبةً لماذا”؟

إن عدد السكان، والناتج المحلي الإجمالي، والناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد، والقرب الفعلي من الخطر الداهم أو المتوقع، تبدو جميعها عوامل معقولة. بالإضافة إلى ذلك، حتى لو اتفقت الأمم على الشأن الذي يجب أن تكون الجهود المشتركة متناسبة معه، فثمة معايير معينة للجهد (الواجب) الدفاعي. أحد هذه المعايير هو الإنفاق العسكري، ولكن معياراً معقولاً آخر هو مساهمة أصول الدفاع المادية. وقد لا تكون مساهمات الأصول المادية والقوى البشرية متناسبة مع الإنفاق بسبب الفروقات في التقييمات أو التسعير، والفروقات في الكفاءة، وعدد آخر من العوامل الأخرى. فعلى سبيل المثال، بلغ إنفاق الدفاع الأمريكي في منتصف الثمانينات من القرن العشرين نحو 60% من إجمالي إنفاق حلف الناتو، بينما وفّرت الولايات المتحدة 46% من دبابات المعارك الأساسية، ونحو 40% من الأسلحة والقوة الحربية، ووفّرت ألمانيا نحو 8% من إجمالي إنفاق الناتو، و17% من دبابات المعارك الأساسية، و13% من الأسلحة والقوة الحربية.

قد تبدو مثل هذه الدلائل أولية، إلا أنها توضّح صعوبة قياس المساهمات النسبية لأي تحالفات دفاعية محتملة لأي دولة شريكة للناتو. كما أنه لا يوجد تعريف اقتصادي سهل للعدالة في مشاركة الأعباء. هذا الغموض سيخلق إرباكاً دبلوماسياً لأيّ من التحالفات الإقليمية والدولية المستقبلية، وخاصة في منطقةٍ معقّدة أصلاً، كالشرق الأوسط المأزوم. كما يمكن لمواطني الأردن (كبلدٍ مشارك في أي تحالف) أن يقيّموا الدفاع الجماعي بشكل أقلّ، أو أكثر، من مواطني الدول الأخرى في أيّ تحالف كان (أي أن يقيّموا أثرَ وأهميةَ المشاركة في القضاء على الارهاب في ليبيا بشكلٍ أكبر من مواطني مصر؛ كما يمكن أن يكون لديهم منظور مختلف بالنسبة لمدى خطورة تهديد الحوثيين في اليمن عن منظور مواطني السعودية مثلاً؛ أو أن يتساءلوا عن مدى أهمية مشاركة الأردن في أي عمل عسكري مشترك في شمال إفريقيا إذا ما عادت الحرب الأهلية في الجزائر، مقارنةً بإلحاح المغاربة على مشاركة بلدهم في هكذا نشاط. كما سينظر العراقيون واللبنانيون بنظرة مختلفة لسياسات إيران في المنطقة عن نظرة الإسرائيليين والسعوديين، مثلاً).

هكذا كان واقع الحال داخل أروقة الناتو لسنواتٍ عدة، حيث أحسّت الولايات المتحدة وألمانيا الغربية بخطر أكبر بكثير مما أحسته اليونان، مثلاً، إزاء المدّ الشيوعي. وعلى الرغم من أن الدفاع الوطني أو المشترك ليس جزءاً واضح المعالم لواضعي السياسات في الشرق الأوسط (وبالأخص من حيث خواصّه الاقتصادية)، إلا أنه من الأجدى التنبّه للوصفات التي يقدمها التحليل الاقتصادي من أجل الوصول إلى سياسات دفاعية إقليمية مكتملة العناصر.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.