يعتبر الأدب “الأفغاني المعاصر” من الحقول الأدبية المميزة، وذلك لما يتسم به من خروج عن منطق الإبداع الأدبي المتعارف عليه في العالم. إنه بمعنى ما، أدب خرج من رحم الأزمة والمعاناة، وتطور بشكل سريع؛ خاصة من الناحية الأسلوبية واللغوية. فالكتاب الأفغانيون يشتغلون كثيرا على اللغة، وعلى الصورة الدلالية في الكتابة الروائية والشعرية. ومن هنا، يتجلى أن أزمة الهوية والأرض والمنفى من العوامل التي تدفع الأدباء الأفغانيين إلى البحث عن سبل عديدة للخروج من هذه المعاناة. وبهذا المعنى تصبح اللغة من ذلكم المنظور؛ هي العالم الوحيد الذي يكشف فيه الكاتب عن نواياه النفسية والاجتماعية الخفية. وفي ذلك إشارة إلى أنه أدب يمزج بين القديم والجديد، بين سلطة الحداثة وركائز التقاليد والأعراف، بين محاولة تحرر الأنا وإشكالية الآخر. وهذا يجعل القارىء يجد نفسه أمام لغة رمزية تحمل في طياتها تاريخا لمجتمع جريح جعلت منه الحرب أداة مبدعة. وبحسب نزر من الباحثين والنقاد الذين يهتمون بالأدب الفارسي، فالأدب الأفغاني المعاصر هو انعكاس لأدب ثوري تأثر بمجموعة من التيارات الفكرية والأدبية من مثل لا الحصر؛الأدب الإيراني والأدب الهندي، بحكم القرب الجغرافي والصراع التاريخي بين هذه البلدان. لكن وللأسف الشديد، فهذا الأدب لا يزال مجهولا ولا يعرفه إلا القليل من الباحثين عن عوالم إبداعية جديدة. ومن المعروف أن أفغانستان بلد الشعر والشعراء، على الرغم من أنها قد / أو ربما أنجبت حركة «طالبان» وأبطالها الظلاميين، غير أنها تميزت أيضا بإنجاب أدباء وشعراء لا يزال معظمهم مجهولاً في الغرب والعالم العربي.

لقد رسم العالم صورة سوداء عن هذا البلد، وجعل منه أرضا للدم والحروب. كما أن السياسة الأمريكية شوهت صورته وجردته من كل المؤهلات. وبسبب كل مما تقدم، لا نجد إلا فئة ضئيلة وحس تهتم وتتكبد عناء البحث في فن وأدب أفغانستان. ثم إن هذا البلد الملطخ بالدم، يتميز ضمن ما يتميز به بأشكال فنية فريدة من نوعها لاسيما في مجال الموسيقى والأدب والسينما والرسم والفن التشكيلي. وقد كان لحصول الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي على جائزة «غونكور» الفرنسية عن روايته «حجر الصبر» عام 2008 النقطة التي أفاضت الكأس ودفعت القراء المتعطشين إلى قراءة المزيد من أعمال هذا المبدع، بل والانفتاح على كتابات كتاب آخرين كالشاعر الكبير مجروح وخالد حسيني ومحمد حسين محمدي وخليل الله خليلي وآخرون. وعلى كل حال، لن ندخل في تفاصيل السير الذاتية لكل كاتب، ولكن ما يهمنا كباحثين هو تعريف العالم وخاصة العربي بضرورة قراءة وترجمة هذا الأدب الثوري والروحاني.

إن الأدب الأفغاني، هو صرخة عميقة لمجتمع لم يعرف الاستقرار يوما. مما كان له وقع كبير على جل الكتاب على المستوى النفسي، وبالتالي فإن مؤلفاتهم –أو إنتجاتهم- هي عبارة عن محاولة لكشف معاناة هذا المجتمع عن طريق كتابات شعرية وروائية درامية ينتصر فيها دائما الدم والصمت. وهو بذلك أدب يعالج إشكالية الحرية في عالم يسوده الدين والتطرف، ويجعل من المرأة شيئا مجردا من الحس والوجود. هو إذن، ولا شك في ذلك، أدب وجودي يحاول كل أديب فيه إعادة خياطة الذكريات بلغة شعرية عميقة تعكس عمق الجرح والألم. ومن ثمة، يصح القول بأن هذا النوع من الكتابة محاولة لبناء الذات وفرض وجودها بقوة. ومع ذلك، تعتبر اللغة من المشاكل التي منعت العديد من الكتاب من التعبير بكل حرية، فنجد على سبيل المثال كتابا فضلوا الكتابة باللغة الفرنسية كالروائي عتيق رحمي والكتابة زرياب، ومنهم الآخر من فضل الكتابة بالإنجليزية كخالد حسني المعروف بكتاباته الراقية وعناوينه التي تدهش القراء قبل قراءة أعماله. كما يعمل بعض الأدباء الأفغان على التعريف بأدب بلادهم عن طريق الترجمة، مثلما فعل عتيق رحيمي مع الشاعر الكبير مجروح.

وانطلاقا مما سبق، يتضح أن جرح الأرض والمنفى هو الحبر الذي نقش على معظم الروايات الأفغانية. فالمنفى إتخذ طابعا شعريا وتجاوز طابعه الموضوعي. وبعبارة أخرى، فإن تجربة المنفى جعلت من إعادة بناء “الأنا” أو “الذات” ضرورة ملحة. وهكذا نجد أن أغلب الكتابات تتميز بطابعها الأطوبيوغافي ” سيرة ذاتية” أو كتابات تكون فيها الذات هي المحور الذي تكتمل من خلاله الأحداث.

وبناء على ذلك، يتناول الأدب الافغاني المعاصر إشكالية الذات والهوية المتفسخة، إن لم نقل المنعدمة، نتيجة لتدخل مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية، وكذا تدخل جمهرة من العوامل الخارجية، لاسيما نزع وبتر القيم الإنسانية على يد الأنظمة الديكتاتورية والسياسات القمعية. زد على ذلك، إمكانية البحث عن هذه “الذات” أو الهوية عبر الكتابة والتعبير الأدبي. إذن، يستنار أن الكتابة الأفغانية تتخد طابع البحث عن “الأنا” بين ركام الذكريات وتضارب الأحاسيس الوجودية والعدمية. فجل كتابات عتيق رحيمي مثلا تتمحور حول إشكالية “الأنا” وكيفية بناءها؛ أي أن ذلكم الكاتب يطرح المئات من التساؤلات حول من يكون وأين يوجد أصله. إن كل ما يطرحه – الكاتب- يعني أن الكتابة تتيح له فضاء كبيرا لمحاولة إعادة بناء ما خسره في الماضي، وبالتالي التأقلم مع مناخ المنفى والبعد الجغرافي والروحاني عن الوطن. ولعل من أبرز العوامل التي ساعدته على الثورة على اللغة والطابوهات، نجد استعمال لغة المهجر، والهوية الجديدة الناتجة عن التأثر بالفكر والأب الفرنسي والغربي.

ومن هذا المنطلق، على الباحث في الأدب الأفغاني أن يسلط الضوء على التغيرات النفسية والاجتماعية لـ “أنا” الكاتب المراد دراسة إنتاجاته، ومحاولة الكشف عن تبعات الإصابة النفسية التي خلفها جرح الماضي والمنفى، إن كان الهدف المتوخى من دارسته هو فهم “الذات”. إن الأدب الأفغاني، على العموم، يشبه الأدب الفلسطيني والعراقي من حيث الأسباب والتبعات، ولكنه يتميز عن غيره باللغة المعتمدة، وتحرر الأنا عند الكتابة بلغة الغير بخاصة الفرنسية منها. ويظهر هذا التحرر في رواية “حجر الصبر” حيث يكسر الكاتب كل الطابوهات ويعطي للمرأة الجرأة على الكلام بكل حرية، بعدما حرمها المجتمع من ذلك وقيد حرياتها. وعند هذا الحد تتحرر المرأة في الرواية، وتصبح قادرة على الكلام عن الجنس والجسد بعيدا عن ظلام الدين المتشدد. فتحرير “الأنا” يساهم في تحرير الآخر خلال عملية الكتابة التي تكون عادة فعلا لا شعوريا. غير أن رحيمي، يؤكد على أن اللغة الفرنسية منحته متسعا كبيرا من الحرية لم تمنحه إياه لغته الأم أي “الفارسية”.

إن الأدب الأفغاني، في هذا الصدد، محاولة لبناء الذات عن طريق البحث المستمر عن الهوية من خلال إثبات الوجود عن طريق كتابة، التي تتخذ غالبا طابع الاعتراف. بما يعني أن الرواية الأفغانية ترتكز على الجانب الاجتماعي عبر الكشف عن حقيقة العيش داخل مجتمع تحكمه الأعراف، والتقاليد وهي بذلك نتاج ومنتوج المجتمع ما دامت تعكس صورته بلغة قريبة جدا من الواقع المعاش. كما أنها ترتكز على الجانب نفسي؛ حينما يتعلق الأمر بالاعترافات الذاتية ومحاولة فهم “الذات” عن طريق الكتابة. وإذا صح ذلك، فإنها -أي الرواية الأفغانية- انعكاس سيكولوجي للصدمة النفسية التي عاشها الكاتب سواء خلال الحرب أو في المنفى.

وحاصل القول، إن محاولة بناء الذات تستمر كلما استمر فعل الكتابة. كما أنها مرتبطة أساسا بالصدمة، التي تعرض لها الكاتب خلال تعرض بلاده لصدمات نفسية بصورة دائمة نتيجة الحروب ومختلف العمليات الإرهابية. وهذا ما يجعل الكاتب يحمل بداخله ثقل ذات تتأرجح بين الوجود والعدم. وعليه فالأدب الأفغاني أدب الصدمات والأزمات النفسية والاجتماعية. وإنتاجاته الأدبية هي نتاج للواقع ممزوجا بلغة شعرية تضفي عليه الكثير من الرمزية والخيال. لكن يبقى من الحقول الأدبية الفريدة من حيث الشكل والمضمون. وعلى الباحثين العرب الإهتمام بهذا الحقل والعمل على ترجمته، لأنه سيغير من نظرة القارىء العربي حول الكثير من المفاهيم والتصورات المرتبطة بالإبداع الأدبي والحداثة.علاوة على أنها فرصة لاكتشاف شعراء وكتاب كبار من طينة رحيمي ومجروح.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.