من اللحظة التي اقتحمت فيها قضية “اغتصاب الطفلة ابنة السابعة” حياتنا حدثت أمور كثيرة، بدا فيها الواقع وكأنه مشاهدة “بينج” لمسلسل مثير، لم نصل فيه بعد إلى الحلقة الأخيرة. في كل نشرة أخبار تم اطلاعنا على تفاصيل جديدة، وفي كل يوم تغيرت الحبكة وتطورت، إلى درجة ضاع فيها الكثيرون في التفاصيل. هل تشعرون أن الأمور اختلطت عليكم؟ أنتم لستم لوحدكم.

لماذا اكتسبت هذه القصة زخما مثل صاروخ يتم إطلاقه إلى الفضاء؟ لأنها تحتوي على مواد متفجرة. أولا وقبل كل شيء، لا يمكن استيعاب الكلمات “اغتصاب طفلة ابنة السابعة”. الجميع يدرك أن هذا أمر فظيع. ليس من الضرورة بأن تكون من يسار أو يمين الخارطة السياسية حتى تشعر بالصدمة.

الشخصيات في هذه القضية وكأنها مأخوذة من رواية إثارة. عائلة حريدية تقيم في مجتمع مغلق. من يدرك ما الذي يحدث في داخل المجتمع؟ على مر السنين ظهرت قصص عديدة عن الجرائم التي ارتكبت في هذا المجتمع ولم تتم معالجتها في إطار مؤسسات الدولة. وبالطبع تلك القصص التي وصلت إلى المحاكم ووسائل الإعلام.

الى هذا المجتمع المغلق دخلت شخصية خارجية. العربي من القرية المجاورة. بمجرد كونه عربي أصبح مشتبها به، ناهيك عن مذنب محكوم عليه بالإعدام.

وكل هذا يحدث في الضفة الغربية، وهي مكان القانون فيه سائل. لليهود هناك جهاز القضاء الإسرائيلي في حين أن الفلسطينيين يمثلون أمام المحكمة العسكرية في مخيم “عوفر”.

لا أحد يعرف ما حدث هناك بالضبط. حتى أن هناك تساؤلات عما إذا كان هذا الحادث المسمى “اغتصاب” وقع أصلا. هناك من هم متأكدون من أن الحادثة وقعت، وهناك من يشككون في ذلك وهناك من هم واثقون من أنها لم تحدث أصلا. الجميع يعتمد على معلومات غير مكتملة يقوم بنشرها أصحاب مصالح لا يمكن لمن يتلقى هذه المعلومات أن يعرف ما إذا كانت هذه المعلومات “نيوز” أو “فيك نيوز”.

أنا أيضا لا أعرف بالطبع ما كان هناك، ولذلك هذا ليس هو الموضوع الذي أود مناقشته.

اذا ما الذي يميز هذه القضية عن غيرها؟

هذه القضية مثيرة للاهتمام لأنها تلقي بضوء ساطع على نظام “العدل” في الأراضي. فهذا لم يعد حادث إلقاء حجارة أو زجاجات حارقة أو سطو أو سرقة. هذه المرة واجهت الشرطة المحلية حادثة أكبر منها بدرجات كثيرة.

تكمن “مشكلتهم” في أنهم حققوا في الحادثة، كالعادة. يجلب المستوطنون أو الجيش أو جهاز الأمن العام (الشاباك) المشتبه به إليهم، وبسرعة يصبح هذا المشتبه متهما وفي مدة قصيرة تتم إدانته في “عوفر” وإلقائه في السجن.

لم يتم اتخاذ إجراءات تحقيق بسيطة وأساسية، لأنه لا توجد هناك حاجة لكل هذه الإجراءات في المحكمة العسكرية. القاضي في “عوفر” على معرفة شخصية بمنسقي المعلومات الاستخباراتية في الشاباك والشرطة ويلبي طلباتهم بدون طرح الكثير من الأسئلة، فهم يقدمون له الملفات السرية، وبلمح البصر تكون هناك إدانة.

عندما تسير الأمور بهذه الطريقة، لن تكون هناك مشكلة في تعديل رواية النيابة كما يحلو لها.

حدثت الجريمة في شهر أبريل. اه لا؟ لا بأس – اكتب أنه حدث في وقت ما.

وقع في قرية المشتبه به. لا؟ لا بأس – أكتب أنه حدث في المنزل الذي عمل فيه.

قام بجرها من رجلها. ماذا، هذا غير ممكن؟ “سوري”، اكتب أنه قام بنقلها في مركبة.

لم يقم طبيب مختص بفحص الطفلة، لا بأس في ذلك – يكفي قيام طبيبة عائلة بالفحص. ما الحاجة أصلا لطبيب مختص؟

من الصعب فهم ما مر على الطفلة بسبب ضعف شهادتها، لا بأس – اكتب اغتصاب في ظروف خطيرة وضف إلى ذلك شخصين تواجدا في مكان وقوع الجريمة؟ أين هم هذين الشخصين؟ انسى الأمر، لسنا بحاجة إلى التعامل مع هذا الهراء.

لا يوجد DNA في موقع الجريمة، لا بأس – سجل اغتصاب.

لا توجد جروح عميقة، لا بأس – اغتصاب.

لا توجد أدلة جنائية، هل نحتاج إليها؟

اذا هل بهذه الطريقة تسير الأمور في الضفة الغربية؟ هل هذا ما يحدث؟ هذا ما يحدث بالضبط!

ما هو عدد العرب الذين تمت إدانتهم بالاعتماد على إجراءات تحقيق بهذا المستوى؟ لن نعرف العدد أبدا، ولكن من الجيد أن نعرف أن الأمور تسير بهذه الطريقة.

يتحرك “النظام” وكأن المسؤولين لم يكونوا هنا في السنوات الخمسين الأخيرة. فجأة يتم عقد اجتماع طارئ مع النيابة والمدعي العام العسكري وكل المسؤولين الذين وجدوا أنفسهم في موقف محرج.

ولكن إلى أين سيسعى هؤلاء المسؤولون؟ إلى الحقيقة؟ إلى الكشف عن الجاني الحقيقي؟ بالطبع لا.

سوف يسعون جاهدين لتعميق البئر، وسيقومون بتعيين فرق للبحث عن عرب آخرdن “لاقناعهم بالتي هي أحسن” بأن يشهدوا ضد العربي المسكين بأنه هو من قام باغتصاب الطفلة، وسيقومون بالإلقاء به في السجن لأن النظام لا يرحم من يحاول أن يقاومه. فلا مجال لمقاومة ضغط الاحتلال و”عدل” المحكمة العسكرية في “عوفر”.

الضغط حتى الانكسار

هناك ما يدعو للتفاؤل. إن الممارسات التي تنجح في الضفة الغربية، تتسرب أيضا إلى داخل الخط الأخضر.

ما قيمة الشرطة إذا لم يكن بالإمكان التحكم بها؟

ما قيمة النيابة إذا لم يكن بالإمكان التحكم بها؟

ما قيمة المحكمة إذا لم يكن بالإمكان التحكم بها؟

إن المواطنين الذي يدخلون تحت طواحين نظام “العدل” الإسرائيلي، يخرجون منه أشخاصا مختلفين. يتعرضون للضغط حتى الانهيار. ويخرجون منكسرين ومحطمين تماما. الموت هو الشيء الوحيد القادر على تحريرك من “العدل” الإسرائيلي.

نُشرت المدونة في موقع زمان إسرائيل باللغة العبرية قبل إسقاط التهم في قضية الإغتصاب.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.