يعتبر الاستيطان شكل من اشكال الاستعمار في العصر الحديث ، فقد اختلفت اشكال الاستعمار في العصر الحديث فمنها الاستعمار الاقتصادي والسياسي والوصاية والانتداب ، ولكن اشد اشكال الاستعمار هو الاستعمار الاستيطاني ، وقد استخدم الاوروبيون هذا الشكل من الاستعمار في امريكا الشمالية واستراليا ، واستخدمه الفرنسيون في الجزائر بشكل كبير حتى تم اعتبار الجزلائر جزء من فرنسا وتمثيل الجزائريين في الجمعية الوطنية الفرنسية ، ولكن العبرة في الاستيطان وخاصة في الجزائر مهما طال فان مصيره الزوال والفناء والاندثار.

والاستيطان في الحالة الفلسطينية ظاهرة منتشرة منذ الاحتلال التركي لفلسطين ، فقد اقيمت مستوطنة بيتاح تكفا على اراضي بلدة ملبس الفلسطينية قضاء يافا في العام 1878م وعلى الرغم من التسهيلات التي كان اليهود يحصلون عليها من الدولة التركية في الاستيلاء على الاراضي الفلسطينية ، فان اجمالي مساحة هذه الاراضي التي حصل عليها اليهود في فلسطين واقاموا فيها المستوطنات لم يتجاوز 8% من مساحة فلسطين التاريخية حتى العام 1948م ، ولكن النكبة التي حصلت في العام 1948م استولى اليهود بموجبها على 78% من مساحة فلسطين التاريخية و التطهير العرقي والتهجير الفردي والجماعي للسكان الفلسطينيين ، مهد الطريق امام اقامة المستوطنات الاسرائيلية على الاراضي المحتلة في العام 1948م وقدوم الملايين من يهود العالم واستيطانهم في فلسطين والتي اصبحت تعرف فيما بعد بدولة اسرائيل في ظل حكم عسكري على من تبقى من اهل فلسطين العرب في الارض المحتلة عام 1948م.

فقد قامت دولة اسرائيل اساسا على الاستيطان وعلى احلال شعب مكان شعب ، فقد كان الاستيطان حاضرا في كافة مراحل هذه الدولة فبدون الاستيطان لن تكن لتقوم دولة اسرائيل، فاصبح الاستيطان جزء من العقيدة السيسولوجية والامنية والاقتصادية والانثروبولوجية للحكومات الاسرائيلية وللقادة السياسيين والامنيين في اسرائيل ، وهذا ما يفسر تعاقب الحكومات الاسرائيلية وانسجامها وتوافقها التام في موضوع الاستيطان.

وبعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967م وضم القدس لدولة اسرائيل في مطلع الثمانينات من القرن الماضي ، كان الاستيطان حاضرا وبقوة في سياسة الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة ، فتم احتلال تلال الضفة الغربية واقامة المستوطنات عليها ، واقامة مستوطنات في قطاع غزة وفي غور الاردن ، وهجمة استيطانية لم يعرفها التاريخ من قبل في القدس الشرقية ، مع ان الامم المتحدة اصدرت القرار 242 والذي يدعو اسرائيل الى الانسحاب من الاراضي المحتلة في العام 1967م و لم تعترف الامم المتحدة بضم القدس من قبل اسرائيل ولكن الحكومات الاسرائيلية ضربت بعرض الحائط كافة القرارات الدولية ولم تلتزم باي منها.

والاستيطان يعتبر جريمة في القانون الدولي الانساني والذي يحرم تسكين وتوطين مواطني دولة الاحتلال في الارض المحتلة ، وبهذا تكون اسرائيل ببناء المستوطنات في الاراضي المحتلة في العام 1967م قد ارتكبت جرائم كبيرة في الاراضي المحتلة ، ورغم كل ذلك فانها تتنصل من كافة الاتفاقات الموقعة بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية وتستمر ببناء المستوطنات في الضفة الغربية .

وتعتبر الحكومات الاسرائيلية ان الاستيطان هو مكسب لها تحصل عليه من اراضي الدولة الفلسطينية ، ولكن الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية و دولة اسرائيل جاء على اساس حل الدولتين وفق القرار 242 دولتين لشعبين وتعيشان جنبا الى جنب بامن وسلام ، ولكن استمرار الاستيطان في الضفة الغربية والقدس يمنع قيام دولة فلسطينية ، والفلسطينيون يريدون دولة كاملة السيادة عاصمتها القدس الشرقية على الاراضي المحتلة في العام 1967م وهذا ما يعترف به العالم اجمع وقد كان قبول فلسطين دولة مراقب في الامم المتحدة في العام 2012م و حصولها على 138 صوت انتصارا لهذا التوجه وتجسيدا عمليا في المحافل الدولية ، ولكن هذا الانتصار هو بحاجة الى تجسيد على الارض بانسحاب اسرائيل من كافة الاراضي المحتلة في العام 1967م .

ان استمرار بناء المستوطنات في الاراضي الفلسطينية المحتلة سيقضي على حل الدولتين ، وهذا ما تمارسة الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة وتجسده بشكل كبير الحكومة الاسرائيلية الحالية ، والتي تتخذ من الاستيطان هدفها الاول للسيطرة على اراضي الفلسطينين في الضفة الغربية والقدس ، ولكن هذا الاستمرار في بناء المستوطنات يقضي على حل الدولتين ويفرض على الجميع حل الدولة الواحدة ، وهنا تكون الحكومة الاسرائيلية الحالية بسياستها المتطرفة كالذي يحفر قبره بيده ، لان حل الدولة الواحدة يعني ضمنا القضاء على دولة اسرائيل ، فعامل الزمن يسير في صالح الطرف الفلسطيني والنمو السكاني في فلسطين التاريخية لصالح الطرف الفلسطيني وهذا ما تثبته كافة الدراسات والاحصاءات.

ان وقف بناء المستوطنات في الضفة الغربية والقدس هو مصلحة اسرائيلية اولا قبل ان يكون مصلحة فلسطينية ، ومن يريد القضاء على دولة اسرائيل هو اليمين المتطرف في اسرائيل وليس الفلسطينيون ، فالفلسطينيون يريدون دولة فلسطينية كاملة السيادة تعيش بامن وسلاام الى جانب دولة اسرائيل على كامل الاراضي المحتلة في العام 1967م ، و اما الحكومة الاسرائيلية الحالية بقيادة الثلاثي المتطرف(نتنياهو ، بنيت ، ليبرمان) فتريد استمرار الاستيطان وسرقة الاراضي الفلسطينية وضم غور الاردن وتهويد القدس ومنع اقامة دولة فلسطينية ، وهذا يقضي على حل الدولتين ، وهنا يكون البديل الدولة الواحدة والتي تعني مع مرور الزمن القضاء على دولة اسرائيل ، فالمطلوب من الراي العام الاسرئيلي ان يقف ضد سياسة هذه الحكومة المتطرفة والتي تسير قدما بالاستيطان ليس لصالح الطرف الفلسطيني ولكن لصالح اسرائيل التي تريد ان تحافظ على كيانها ووجودها في ظل المتغيرات الدولية والاقليمية المحيطة.

ومن هنا فان دولة قامت اساسا على الاستيطان ، ستكون نهايتها الحتمية من خلال لاستيطان ، صحيح ان الاستيطان اقام دولة اسرائيل على الاراضي الفلسطينية ، ولكن الاستمرار في الاستيطان ايضا سينهي اسرائيل من الارضي الفلسطينية ، من خلال منع قيام دولتين ، وهنا البديل سيكون الدولة الواحدة ذات الاكثرية الديمغرافية الفلسطينية ، والذي يعني مع مرور الايام والسنين القضاء على دولة اسرائيل.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.