اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي بأن اتفاق السلام الإسرائيلي الفلسطيني الذي يأمل في ادارته قد لا يحدث فعلا.

معترفا في اجتماع مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا بأنه بسبب غضب رام الله بعد اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، فإن المفاوضات المسبقة لمثل هذا الاتفاق قد لا تنفصل أبدا عن الواقع.

“لست متأكدا إن ذلك سيحدث”، قال ترامب.

غير أن مبعوثه الموثوق به في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، لا يزال يناضل ويسافر العالم لتعزيز السعي الذي أعلن عنه الرئيس – والذي يصفه البعض بالمستحيل – للصفقة النهائية.

يدافع غرينبلت بحماس وحزم عن تحرك الإدارة الأمريكية بشأن القدس، ولكن عمله مع الأطراف على الأرض يبدو وكأنه يأخذ مسارا مختلفا عن ترامب.

وفي الوقت الذي يقول فيه ترامب أن القدس “خارج المفاوضات”، أكد مبعوثه هذا الأسبوع مرة أخرى ان الادارة لا تتخذ موقفا جراء الحدود، وأن الوضع الراهن في الأماكن المقدسة يجب أن يبقى دون تغيير.

كان ترامب قد هدد الأسبوع الماضي بخفض المساعدات المالية بشكل كبير للسلطة الفلسطينية غير المتعاونة، قائلا إن الذين ينتقدون السياسة الامريكية لا يجب أن يتوقعوا تمويلا منها.

“إننا نعطيهم مبالغ هائلة، مئات الملايين من الدولارات سنويا. هذه الأموال هي للتفاوض”، قال ترامب، مشيرا إلى أنه مستعد لمعاقبة الفلسطينيين حيث يضر اذا لم يوقفوا معارضتهم لمحادثات السلام التي ترعاها الولايات المتحدة. “لماذا يجب أن نفعل ذلك كبلد إذا كانوا لا يفعلون شيئا لنا؟”

ويبدو أن هذا النهج يتعارض تماما مع استراتيجية غرينبلات لصنع السلام، التي يبدو أنها تقوم أساسا على تحسين نوعية حياة الفلسطينيين من خلال تقديم المزيد من المساعدات إلى مشاريع في الضفة الغربية وغزة.

المبعوث الامريكي الخاص جيسون غرينبلات يصافح مدير سلطة المياه الفلسطينية مازن غنيم خلال اطلاق مشروع لتحسين معالجة مياه الصرف للمزارعين الفلسطينيين، في اريحا،
15 اكتوبر 2016 (AFP/Jaafar Ashtiyeh)

وظيفة غرينبلات تمتلك عنصرين رئيسيين: أولا، شرح تصريحات رئيسه والتحركات بأمانة. ثانيا، القيام بالعمل الميداني لتقريبه إلى تلك الصفقة في نهاية المطاف.

قال غرينبلات في مؤتمر أمني عقده في تل ابيب: “على الرغم من الانتقادات التي اعقبت اعتراف الرئيس ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل، فقد شهدت في الأغلب قبولا متناميا للسلام في المنطقة”.

مضيفا: “خلال رحلاتي وجدت أن الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب، صغارا وكبارا، العلمانيين والمتدينين، المسلمين، المسيحيين، أو اليهود، مع استعداد متزايد من إمكانية السلام. جلب الرئيس ترامب مجموعة نظرة وطاقة جديدة لمهمة صنع السلام. من الواضح أن أعمال الرئيس ترامب ولغته قد غيرت التوقعات بشأن ما هو ممكن. لقد أعاد تنشيط النقاش ولغة السلام في المنطقة”.

وأضاف أن “الضغط الحالي من اجل السلام يعكس التوجه غير التقليدي للرئيس الى المنطقة”.

وقال غرينبلات أيضا أن “محاولات ذات نية حسنة” لانهاء هذا الصراع قد فشلت، ولهذا يعتقد ترامب “ان هناك حاجة الى تفكير جديد وقرارات جريئة … وقد تصرفنا وفقا لهذا التوجيه”.

بدلا من فرض حل من الخارج، يجب أن يكون للإسرائيليين والفلسطينيين “مساحة لاتخاذ قراراتهم بشأن مستقبلهم”، قال . بدلا من إلقاء اللوم على أحد الطرفين أو الآخر في فشل المحادثات، “يجب أن نركز على فتح مجالات جديدة للتعاون تعود بالنفع على الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء”.

الولايات المتحدة ستؤيد “ما يمكن ان يتفق عليه الجانبان”، قال غرينبلات. “لن نفرض اتفاقا على اي من الطرفين”. ولكننا نعرف ان الرغبة فى السلام حقيقية وقوية ويجب تسخيرها”.

وتطرق غرينبلات الى ما سببه زلزال كبير في جهود الادارة في صنع السلام، مؤكدا أن قرار ترامب الصادر فى 6 ديسمبر بشأن القدس لم يحكم على أي وضع نهائي “بما في ذلك الحدود المحددة للسيادة الاسرائيلية في القدس”.

واعتبر أن الإعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل لا يشير الى “التحيز ضد جانب واحد” ولا يعني أن الولايات المتحدة تتخلى عن عملية السلام.

وأضاف: الولايات المتحدة ملتزمة دائما بالتوصل الى اتفاق يضمن مستقبل سلمي مزدهر لكل من الاسرائيليين والفلسطينيين. لهذا السبب تواصل هذه الادارة العمل على وضع خطة سلام يمكن ان تجلب كلا الطرفين الى طاولة المفاوضات”.

وعلى الرغم من ردود الفعل السلبية على إعلان ترامب بشأن القدس، قال غرينبلات للمشاركين في معهد دراسات الأمن القومي: “لقد بقينا جاهدين في العمل ولم نبتعد للحظة عن جهودنا فيما يتعلق بخطة السلام”.

“من السهل االتخلي عن طاولة المفاوضات. لكن ذلك لا يساعد أحدا، بل يقلل أو ربما يلغي فرص التوصل إلى اتفاق سلام شامل. وسيكون ذلك رهيبا للشعب الفلسطيني”.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (من اليمين) يلتقي بجيسون غرينبلات، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاص للمحادثات الدولية، في مدينة رام الله في الضفة الغربية، 14 مارس، 2017. (WAFA)

وفي اليوم التالي، شارك غرينبلات في الدورة الاستثنائية لما يسمى لجنة الإتصال المخصصة، وهي مجموعة من المانحين الرئيسيين للسلطة الفلسطينية، التي عقدت في بروكسل.

في الإجتماع الذي حضره أيضا وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي تساحي هنغبي ورئيس الوزراء الفلسطيني رامي حمدالله وغيره من كبار المسؤولين الفلسطينيين – كرّر غرينبلات الكثير من النقاط التي أدلى بها في تل أبيب.

ومع ذلك، في بروكسل ذكر المزيد من التفاصيل حول جهوده على أرض الواقع لدفع عملية السلام من خلال تحسين جودة حياة الفلسطينيين

واعترف بأنه لم يحرز سوى تقدم ضئيل منذ الاجتماع الأخير للجنة، لكنه أشاد بنجاحات “هامشية”، مثل تركيب خدمة الجيل الثالث في الضفة الغربية الأسبوع الماضي.

وأضاف قائلا: “لكن هناك مجالات كثيرة يجب ان نفعل فيها بشكل افضل – افضل بكثير”، مشيرا الى ضرورة اكمال الصفقات التي من شأنها تحسين توزيع الكهرباء والمياه في الأراضي الفلسطينية.

“يجب أن نستخدم العام القادم للإستفادة من الفرص الناشئة. إن العمل على زيادة التجارة الفلسطينية مع جيرانها سيكون خطوة هامة نحو تحقيق الإستقرار في الإقتصاد الفلسطيني”، قال غرينبلات .

ولعل الأهم من ذلك هو أن الوضع الإنساني في غزة يحتاج إلى تحسين. “إن الرئيس ترامب يريد حقا المساعدة”، أضاف. “لقد حان الأوان لإعادة تكريس أنفسنا لتسهيل الاستثمارات في البنية التحتية الجديدة التي ستزود شعب غزة بمزيد من الطاقة والمياه”.

وقال إن الولايات المتحدة مستعدة للعمل مع اسرائيل والسلطة الفلسطينية وغيرها على الساحة الدولية لدفع العديد من المشروعات الى زيادة جودة الحياة الفلسطينية.

ثم تناول غرينبلات الفيل في الغرفة: تهديد ترامب المتكرر بخفض المساعدات للفلسطينيين، وهو تهديد تم تنفيذه جزئيا بالفعل بحجب حوالي 100 مليون دولار لتمويل وكالة الأمم المتحدة التي تعنى باللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

“على الرغم من اننا نتفهم ان البعض قد يختلف مع نهجنا تجاه القدس ونهجنا تجاه عملية السلام فلا احد يستطيع ان يقول اننا لم نف بالتزاماتنا المالية للفلسطينيين”، قال غرينبلات.

“الولايات المتحدة هي أكبر مانح للفلسطينيين في التاريخ، وعلى هذا النحو، لا ينبغي لأحد أن يعظنا بشأن مساعدتنا المالية”.

لكن ترامب، على دراية بتقديراته الغير مرضية بين الفلسطينيين، يعتبر بشكل واضح أن المساعدات الأمريكية لرام الله هي نفوذه الرئيسي في إعادتهم إلى طاولة المفاوضات.

وقال الرئيس الأمريكي في دافوس الأسبوع الماضي: “إننا نعطيهم مئات الملايين من الدولارات كمساعدات ودعم، وهذه الأموال لن تصل اليهم إلا إذا جلسوا وتفاوضوا على السلام”.

وقد يميل المراقبون إلى تجاهل تصريحات الرئيس غير المحجوبة، مدعين أنه قد تم التصريح بها في لحظة الحدث ولا تصف بدقة أهداف السياسة الخارجية للإدارة. في هذا السياق يمكن للمرء أن يوازي هذا الواقع مع أقوال ترامب عبر تويتر في أكتوبر الماضي أن وزير خارجيته، ريكس تيلرسون، كان “يضيع وقته في محاولة للتفاوض” مع كوريا الشمالية.

إلا أن ترامب أكد امس الثلاثاء خلال خطابه المصمم بعناية انه جاد بشأن خفض المساعدات لمن يقفون في طريق جدول اعماله وطلب من الكونغرس “ضمان ان تكون المساعدات الخارجية الامريكية تخدم المصالح الامريكية دائما، وتذهب فقط إلى أصدقاء أمريكا، وليس أعداء أمريكا”.

سواء كان قرارا واعيا أو مجرد حدث بهذه الطريقة، اعتمدت الإدارة نهج الشرطي الجيد/ الشرطي السيء لرفض الفلسطينيين الاشترام في اللعبة. في حين أن ترامب يلوّح بعصاه، غرينبلات يوزّع الجزر.

وقال ايتان غلبوع الخبير في العلاقات الاميركية الاسرائيلية في جامعة بار ايلان: “إن هذه الطرق المختلفة للتحدث الى الفلسطينيين لا تتعارض بالضرورة مع بعضها البعض. يقول غرينبلات إن الفلسطينيين يعانون، وإذا حضروا إلى الطاولة، فسوف نساعدهم. يقول ترامب، إن لم يأتوا إلى الطاولة، سيعانون أكثر من ذلك. انها حقا وجهان لعملة واحدة”.

وحتى الآن، لم تستجب رام الله تماما لأي من النهجين. لكن هذا لن يمنع ترامب و غرينبلات من المحاولة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.