رسالة عيد الفصح اليهودي هي رسالة خالدة لكنها تأتي في الوقت المناسب أيضا. لعدة قرون سلطت هذه الرسالة الضوء على الإنتهاكات المتكررة للسلطة والقوة والجهود البشرية المتعاقبة للهروب من أغلالها. هذا العام لم يكن مختلفا: في جميع أنحاء العالم – وبالأخص في الشرق الأوسط – يتم إرتكاب جرائم لا توصف من قبل مستبدين عازمين على الحفاظ على السلطة على حساب مواطنيهم، في حين تسود الفوضى في الأماكن التي تم فيها تحدي الطغاة لكن لم يحل نظام جديد محلهم. في بلدان ديمقراطية كثيرة، ضوابط تم فرضها لتجنب عدم الاستقرار أطلقت العنان لأشكال تعصب من العصور الغابرة فضلا عن الإضطهاد الفردي والجماعي المرتبط بالعنصرية. في الوقت نفسه، يتحد الناس معا لمحاربة القمع بأشكال متعددة في تعبير ملموس عن الروح الإنسانية. هذا النضال المستمر واضح بشكل خاص اليوم.

وهكذا يعاد تشكيل درس عيد الفصح بكل تعقيداته مرة أخرى: فالعيش بلا خوف واضطهاد لا يضمن لوحدة الحرية – يتطلب ذلك الحرص الدقيق على معايير وآليات لضمان الحرية الإنسانية. عدم القيام بذلك يوّلد جولات جديدة من عدم اليقين والبؤس. ومن هنا يأتي تحدي موسم الأعياد هذا: تحديد المظالم والبحث عن سبل لضمان القضاء عليها. بالنسبة للإسرائيليين اليوم، يعني ذلك مكافحة تزايد إنحرافات السلطة التي تعوق ديمقراطيتهم وتضع إنسانيتهم موضع شك.

التهديد على الحياة الديمقراطية في إسرائيل والحماية التي تمنحها أصبح ملموسا الآن. إن ذلك هو نتيجة مباشرة للفهم الخاطئ بأن النقاش الديمقراطي والإنقسام بين اليمين واليسار هي أمور مرادفة. في السنوات الأخيرة تبنى عدد كبير من المواطنين وجهة النظر، المهيمنة في الدوائر الحاكمة، بأن اليسار والليبرالية الديمقراطية يسيران معا، في حين أن اليمين السياسي، وفي أحسن الأحوال، الديمقراطية الإجرائية، هما رفيقان لا ينفصمان. لا يوجد ما هو أكثر تضليلا وضررا لقدرة الإسرائيليين على تعزيز حريتهم الخاصة بهم.

على النقيض من الرأي الشائع، فإن البدائل للديمقراطية ليست الراديكالية أو التطرف على طرفي الطيف السياسي، وإنما الإستبدادية في واحد من أشكالها المختلفة من جهة، أو الفوضى والإضطرابات المستمرة من جهة أخرى. في كثير من الأحيان، تأتي علامات الإستبداد والفوضى معا وتعزز بعضها البعض. في جميع الحالات تؤدي إلى زوال الحكم الديمقراطي والحريات التي تنطوي عليه.

يجري العمل على عملية الإنكماش الديمقراطي في إسرائيل منذ سنوات، واكتسبت زخما بسرعة مرعبة خلال العام المنصرم، مع التضحية بحقوق مدنية أساسية من أجل مظاهر سلطوية آخذة بالإزدياد. منذ الربيع الأخير، تم تمرير المزيد من القوانين غير الديمقراطية (من ضمنها ولكن ليس فقط “قانون الإقصاء” غير الحكيم، و”قانون المصادرة” الذي لم يتم تطبيقه بعد، وتعديل ل”قانون المقاطعة” و”قانون V-15″ الذي صودق عليه حديثا). القيود التي تم فرضها على الحريات الأساسية – لا سيما تلك المتعلقة بالتعبير وتكوين الجمعيات – تضاعفت من خلال الجهود المنهجية للسيطرة على وسائل الإعلام، وبلغت ذروتها في حل قسم الأخبار الذي لم يولد بعد في هيئة البث العام الإسرائيلية حديثة الولادة.

فصل السلطات والضوابط والتوازنات التي ترافقه وقع فريسة لأهواء سلطة تنفيذية غير راضية عن إستقلالية القضاء. يتم زرع مناخ من العدائية للإنتقاد وللنقاش المفتوح بدلا من التضامن الاجتماعي الآخذ بالإندثار. ويجري التركيز على تنمية مزاج من التفاؤل من أجل الحيلولة دون التصادم مع جوهر الحقائق المعقدة واليأس المتكرر الذي يستحضره.

هذه كلها علامات حية على الإستبداد، المرفقة عادة بأوتوقراطية إستبدادية. إن عباءة الحماية التي تحيط برئيس الوزراء وما أصبحت تُعرف ب”العائلة المالكة” في إسرائيل هي مجرد مثال واحد على المطالبة المتزايدة من حلفائه وشركائه السياسيين بالخضوع الكامل. هذه هي الأعراض الحقيقية للتراجع الأولي للديمقراطية – الذي يدعمه في هذه الحالات اللعب على الوتر القومي.

في الوقت نفسه، يبدو الإضطراب ظاهرا في كل مكان: تزايد العنف في الشارع، نفاذ الصبر في الساحات العامة، التعبير عن الغضب في الطرقات وسط إختناقات مرورية لا تنتهي، تبادلات لفظية غير مترابطة عبر موجات الأثير. والجهود الرامية لإحتواء مظاهر هذا السلوك الفوضوي قليلة ومتباعدة – إلا إذا كان يُشتبه بأن مروجيها يقوضون الهيمنة اليهودية في المجال العام. إن هذه التحررية المتطرفة بلا حدود هي العكس من الضبط الأساسي الذي يفضي إلى تغذية الحرية الديمقراطية.

في العصر الحديث، وفرت الديمقراطيات التوازن الضروري بين تركيز السلطة السياسية بين أيدي قلة وتشرذمها وتشتتها في إضطرابات مطلقة. الإتجاهات الحالية تقلب هذا التوازن بشكل حاد. هناك مقولة أفريقية تقترح طرقا لتصحيح الإختلال الحالي. “القوة هي مثل بيضة: إذا قمت بشد قبضتك عليها، ستُكسر؛ إذا أمسكت بها بتراخي، ستقع”.

في عيد الفصح هذا، سيكون من المستحسن أن تتذكر القيادة الحالية في إسرائيل أن السلطة في الواقع هي سلعة هشة جدا. إذا إستُخدمت بقسوة ومن دون تمييز، ستكون بذلك دعوة لمقاومة واسعة النطاق. إذا إستُخدمت بشكل عشوائي، لن تكون قادرة على حماية الحريات الأساسية وتعزيز بيئة من الثقة. إن الإستعادة الحذرة للضمانات الديمقراطية هي أمر ضروري لتفادي التهديدات المزدوجة المتمثلة بالدكتاتورية والفوضى.

لكن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إذا واصل عدد كبير من الإسرائيليين تجاهل حق الحرية لأولئك الذين يعيشون تحت سلطتهم. إن اليهود الذين يحتفلون، في كل جيل، بتحررهم من العبودية والاضطهاد لا يمكنهم أن يستمروا في تبرير سيطرتهم المستمرة على الشعب الفلسطيني ضد إرادته. بعد نحو خمسين عاما من بدء الاحتلال في عام 1967، على إسرائيل أن تقوم أخيرا بتحرير الفلسطينيين من قيودها وتحرير نفسها من هذه الأصفاد المضعفة أخلاقيا. فقط من خلال التذكر أن من واجب اليهود الإمتناع عن أن يفعلوا للآخرين ما لم يقبلوا بأن يُفعل ضدهم منذ زمن الفرعون الأول، سيكون بإمكانهم إعادة التأكيد على إنسانيتهم والإحتفال حقا بحريتهم الشخصية وبإستقلال إسرائيل السياسي.

إن الجمع بين المعارضة والظلم وعدم المساواة والتحيز والتبعية، إلى جانب الإلتزام بجعل الحرية ذات معنى من خلال الإصرار المستمر على تشجيع الحقوق الفردية والجماعية هو ما يجعل من إرث عيد الفصح مجزيا ويتطلب مجهودا فكريا. الذين يتجنبون مواجهة هذا التحدي لا يمكنهم أن يأملوا جني ثماره. دعونا هذا الربيع نتأمل قصة النزوح والسعي المستمر من أجل الحرية من خلال تشديد حساسيتنا تجاه الخضوع والقهر، وبالتالي نعيد إلتزام أنفسنا بتحقيق إنسانيتنا.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.