كانت على محياه ترتسم مشاعر الصدمة و التقزز و هو ينظر للمعروض خلف الكابينات الزجاجية. إلتفت إلي قائلاً: ”لا أصدق ما أرى…كيف للبشر أن يفعلوا ذلك في بعضهم البعض؟ يا للقسوة و إنعدام الضمير!!“ كان هذا صديقي الإسرائيلي اليهودي و المكان هو متحف السلام في مدينة هيروشيما اليابانية و الذي يوثق لإلقاء الولايات المتحدة للقنبلة الذرية على هذه المدينة في أغسطس ١٩٤٥. أصدقاؤنا اليابانيون أعتقدوا أنه بعرض التراجيديا اليابانية و تجربة الإنتقال من الحرب للسلام كان بالإمكان التأثير إيجابياً على العلاقات المشحونة بين الفلسطينيين و الإسرائيليين المشاركين في الوفد. لا ألوم صديقي على مشاعره و لا أتعجب من صدمته…فحجم الفاجعة الموثقة أمامنا تستدعي هكذا مشاعر و من الطبيعي كإنسان أن يكون رد فعله هكذا.

المشكلة ليست بردة فعله هذه بل إنما في إنتقائيتها. فعندما تقف مشدوهاً أمام مخلفات ضحايا التفجير الذري متعجباً من قسوة بعض البشر يجدر بك كإنسان بحسك الفطري للعدل أن تقوم بشيء من المقارنة. و لكن صديقي نسى و لربما تناسى أنه فقط في العام السابق للزيارة قام الجيش الإسرائيلي بإلقاء كمية من المتفجرات على قطاع غزة تعادل بحجمها قنبلتين من النوع الذي ألقي على هوروشيما. لم ير بعينيه السليمتين حجم التشابه بين مبنى القبة المدمر الذي ضل واقفاً بين أطلال المدينة المدمرة و أصبح معلماً شامخاً للفاجعة و بين تلك الأعمدة التي بقت منتصبة وسط أكوامٍ من ركام المنازل في حي الشجاعية أو التفاح في غزة. لم ير و يا لسخرية القدر أن صورة الفتاة اليابانية المسجى جثمانها بيني يدي أمها المحروقة تشبه و لحد كبير صور و صور خلقتها عملية ”الجرف الصامد“ و غيرها في أحياء القطاع المحاصر. صمت صديقي لبرهة توقعت فيها و بشيء من السذاجةٍ أنه دخل في لحظية وجدانية لسبر و نقد الذات. لكنه ما لبث أن أردف قائلاً بأن تلك الفتاة استحضرت من ذاكرته صور ضحايا اليهود في الحرب العالمية الثانية. أتفهم ديناميكيات صدمة عابرةً للأجيال كالمحرقة النازية و لكني وجدت صعوبةً في فهم الإنتقائية بتشخيص المعاناة بل و القفز فيما بين الأحداث.

خطر في بالي في تلك اللحظة إزدواجية مشابهة لمستها أعوام قليلة قبل حرب غزة الثالثة. أمام ناظري ذاكرتي تجلى ”آري فولمان“ مخرج فيلم ”رقص الفالس مع بشير“. ففي فيلمه يرسل ”فولمان“ رسالة قوية معادية للحرب من خلال عرض الحالة النفسية و الوجدانية للجنود الإسرائيليين خلال حرب لبنان في العام ١٩٨٢ و علاقة الذنب و أعراض ما بعد الصدمة التي نشأت بين هؤلاء الجنود و بين ما حدث في مخيمي صبرا و شاتيلا. ربما تعتقد للوهلةِ الأولى أن ”فولمان“ تعدى بجرءة نادرة المحرمات في السرد الصهيوني و لكن هذا الإستنتاج ربما فيه شيء من التبسيط. تذكرت كيف أنه في حفل تكريمه لجائزة ”غولدن غلوب“ على فيلمه عام ٢٠٠٩ صعد ”فولمان“ للمنصة شاكراً للجمهور و مؤكداً مرة جديدة على رسالة الفيلم الداعية للسلام و المنددة بالحروب. المفارقة أن الحفل تزامن مع إستعار الحرب الأولى في غزة. ففي الوقت الذي كانت الطائرات الإسرائيلية تدك فيها القطاع في صورة سريالية مشابهة لغارات سلاح الجو الإسرائيلي على بيروت في الفترة التي تناولها الفيلم وقف فولمان على المنصة و لم ينبت ببنت شففة عما يدور في القطاع. الإنتقائية مرة أخري؟ أم أنه نمط دارج في المجتمع الإسرائيلي؟ كيف لصديقي و كيف لآري فولمان ألا يرا المفارقة؟ لماذا لا يدرك الشخص وجه الشبه بين هذا و ذاك و بين هنا و هناك؟

ربما يخيل للبعض أن الإجابة المباشرة تكمن في ”التغييب السياسي“ بمعنى أن الجمهور الإسرائيلي اليهودي يتلقى المعلومة مفلترة حيث تُحدف منها مشاهد و صور المعاناة الفلسطينية. و حتى و إن عرضت هكذا فالسياق يُعدل ليصور الفلسطيني بأنه يدفع ثمن ما جنته يداه و أن الجيش الإسرائيلي مجرد أداة غير مسؤولة بالكامل عما يحدث و حدث. نفس منطق ”لوم الضحية“ الذي صاحب نشأة دولة إسرائيل منذ بدايتها. مسألة التغييب السياسي فيها الكثير من الواقعية و الحقيقة ولها أغراض موضوعية و ليست إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي تمارسها. و لكن في الحالة الإسرائيلية فهكذا تغييب إنما هو جزء ضئيل من الصورة المركبة لخليط الفكر الصهيونية من جهة والتراث اليهودي من جهة أخرى. أي أن التغييب بمجمله ليس حركة أو تكتيك واع فقط بل قائم بكثير من جوانبه على حالة نفسية ناتجة عن هذا الخليط. دعوني أسهب قليلاً.

عندما نظر صديقي للكابينات الزجاجية فإنه و بحسه الإنساني المجرد رأي معاناة إنسانية إستدعت تعاطفه. أليس معظمنا كذلك؟ و لكنه فشل بأن يرى مأساة مشابهة أرتكبها و يرتكبها قومه بحق آخرين. ليس لأن التعاطف بطبيعته الواعية إنتقائي بل لأن التعاطف تجاه من تكن لهم العداء كالفلسطينيين في هذه الحالة يعني بالضرورة إضفاء صبغة إنسانية عليهم و بالتالي وضعهم في خانة الضحية يصبح أمراً هيناً. و من هنا فوجود ضحية فلسطينية يعني حتمياً أن إسرائيل هي المعتدي. قد يتساءل أحدهم…و ما الجديد في هذا؟ غالبية سكان العالم و ليس الفلسطينيون و العرب فقط يرون في إسرائيل قوة إحتلال غاشمة. الحقيقة أن أكثرنا لا يدرك أن الصورة ليست كذلك في أوساط غالبية اليهود. صورتنا المبسطة للواقع تفترض أنه من الغير السوي أو المنطقي أن ينظر للمحتل لنفسه بغير نظرتنا له. فبنهاية المطاف فهو محتل و هذا لا يفترض إلا تعريفاً واحداً له و هو أنه معتدي. عدد غير قليل منا نحن الفلسطينيون لا يعلم أو لا يفهم أن الجمهور اليهودي في إسرائيل مكلوب بعقدة الفناء و عليه فرؤية العالم و التعامل معه تمر من باب تصوير الذات بصورة الضحية البريئة و المغلوب على أمرِها. هذه الظاهرة النفسية لديها من الإنتشار الكافي لدرجة إستدعت معها الكثير من علماء النفس و الباحثيين في مجال علم النفس السياسي و الكثير منهم يهود و أبرزهم البرفسور ”دانييل بار-تل“ من جامعة تل آبيب لوصف الشعب اليهودي بأنه يعيش ”عقلية الحصار“ و يعاني بشكل مستمر من عوارض ما بعد الصدمة و أن لديه إعتقاد متجذر أن الشعب اليهودي كان و لا يزال ضحية لغير اليهود و عليه فإن ما تفعله إسرائيل يأتي دائماً في إطار ”ردة الفعل“. يكفي أن ننوه أن غالبية حروب إسرائيل منذ ال٤٨ مروراً بحرب حزيران ٦٧ و إجتياح لبنان و الإنتفاضتين الفلسطينيتيين و حرب لبنان الثانية و حروب غزة الثلاثة كلها وُضعت بخانة حروب ”إين بريرا“ و تعني ”لا مفر“ أو ”لا خيار“. بمعنى أن كل ما أقدمت عليه الحكومات الإسرائيلية المتتابعة من حروب و ما تضمنها من إنتهاكات هو بالنهاية أمر فُرض على إسرائيل فرضاً إستدعى منها الرد العسكري من أجل الحفاظ على الوجود اليهودي. هذا بالضرورة يعني أن كل ما تفعله إسرائيل هو دفاع عن النفس و هذا و بلا شك من ديدن الإعتقاد الراسخ بأنه من غير الممكن أن يكون اليهودي الذي وضعه النازيون في أفران الغاز معتدياً…فرد الفعل العسكري و الذي غالباً يأتي مبالغاً فيه إنما هو أنعكاس لهذه الحقيقة النفسية. من المعروف في أدبيات علم النفسي الاكلينكي أن من يشعر بنفسه بأنه ضحية يعتقد بأنه غير مسؤول عن أفعاله و بأنه مُبَرر أخلاقياً بفعل أي شيء من أجل درء الضرر عن نفسه بغض النظر عن طبيعة الفعل و عواقبه.

عندما يشب اليهودي العادي على ذكريات المحرقة و الجرائم التاريخية بحق اليهود و عندما تُقرأ في كل يوم سبت نصوصاً من التوراة مستدعيةً ذكريات الأسر و الخلاص من مصر و الأسر البابلي و صراع بني إسرائيل ضد سلسلة طويلة ممن سعوا لتدميرهم فإن وعيه يُشكل ليتقبل أفكاراً من قبيل أن اليهودي هو الضحية بغض النظر إذا ما كان الآن يتربع على كومة من الرؤوس النووية. بالوعي الجمعي اليهودي فإن الأساس في العلاقة بين اليهود و محيطهم الإقليمي و العالمي قامت من البداية على مبدأ أساسي و هو بأن العالم هو مكان معادٍ لليهود و أن دولة قوية لليهود هي درب الخلاص من هذا. السعي المستميت للحصول على قوة ردع نووي هي بالضرورة إنعكاس لهذا المبدأ…كأنهم يقولون بأن الأمم الأخري بطبيعتها معادية للسامية و هذه قاعدة عامة إلا من رحم ربي و أن قنابلنا النووية هي ضمان وجودنا ضد أعداء الأمس و اليوم و الغد…ألا تقول التوراة أن في كل جيل يخرج علينا من يسعى لتدمير أبناء يعقوب و سلالته؟ بمعنى أن في كل زمان يخرج علينا من يريد إبادتنا…من هامان لنبوخذ نصر لهتلر لجمال عبد الناصر لصدام حسين لأحمدي نجاد و حتى لعرفات. فهؤلاء جميعاً و إن اختلفوا فهم تجسيد متكرر لكراهية ”الغوييم“ لليهود. أي أن الحالة الدارجة و المستقرة هي أن الشعب اليهودي كان و لا يزال و سيبقى هو الضحية و في حالة دفاع وجودي عن الذات و بالتالي فالقوة العسكرية هي الملاذ الوحيد لضمان أن لا يُباد اليهود بكاملهم كما كاد أن يحدث في معسكرات الإبادة النازية في الحرب العالمية الثانية. لقد كررها ”نتنياهو“ عدة مرات بأن إسرائيل ستبقى تعيش وحدها و يدها قابضة على سيفها.

هذه العوامل و إن اجتزءتها و لخصتها بالمحصلة تخلق ما يشبه الوعي الجمعي الشامل بأنه طالما الشعب اليهودي كان ضحية للغير طوال التاريخ فإن ما يحدث مع الفلسطينيين يُعتبر مجرد حلقة أخيرة لقرون طويلة من معاداة اليهود. و من هنا فهذه السيكلوجية الجمعية تخلق ما يشبه إنهياراً في قوانين السببية التاريخية. بمعنى أن طالما أن اليهودي هو الضحية فهو غير مسؤول عن تصرفاته بحق الآخرين و بالتالي فمبدأ أن لكل فعل ردة فعل يصبح لاغيا أو على الأقل محدوداً بما يخدم السرد التاريخي الصهيوني. دعني أوضح قليلاً.

مفهوم السببية التاريخية و إن إختلفت فيها الفلسفات يعني ببساطة أن التاريخ مكون من مجموعة من الأحداث تُشَكل حلقة فيما بينها و تسبب حدوث بعضها بعضاً. ففي الطرح الفلسفي ل“ديفيد هيوم“ على سبيل المثال فالسببية التاريخية ممكن تلخيصها بأنها أي حدث ما في التاريخ يقود بالضرورة لتبعات و أحداث أخرى. هنا ”هيوم“ يضعنا أمام مقاربة ممكن أن نصفها بالحتمية بالتعاطي مع منطق تسلسل الأحداث التاريخية و هو الأمر الذي ربما أيضاً ميز نظريات ”هيغل“ المتعلقة بتطور التاريخي. بروز الفكر الصهيوني بحد ذاته هو نتيجة للإضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا و غيرها و بالتالي فهو رد فعل لفعل تاريخي آخر و هو الإضطهاد. و لكن هذه العلاقة السببية لم تعد في سياقها الطبيعي. لم تبقى في الإطار الطبيعي للفعل و ردة الفعل و خصوصاً عندما تعلق الأمر بالفلسطينيين. الإعتقاد الايدلوجي و حتى الديني بأن اليهود هم تجسيد للضحية قاد بنهاية المطاف لتشريع الإحتلال و تبرير الإضطهاد. فالفعل الفلسطيني ضد للإحتلال (بغض النظر عن صوره السلمية أو العنيفة) لا تراه الصهيونية كردة فعل لوجود الإحتلال و لتاريخ من الشتات و التشريد بل يقع في نطاق أن الفلسطينيين كما غيرهم من باقي شعوب ”الغوييم“ مدفوعون بعدائهم لإسرائيل بكراهية غير منطقية لليهود و ليس من رغبة جمعية بالتحرر و حق تقرير المصير. هنا نرى أن السببية التاريخية الصهيونية حافظت على نموذج واحد غير متغير منذ بداية الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر. فعندما أصبحت الصهيونية حتي بالتعريف الكاديمي حركة إستعمارية قائمة على تهجير و استعباد الآخر الفلسطيني لم يغير هذا كثيراً في السرد التاريخي بأن اليهود في معركة وجودية للبقاء.

التغيرات و الحقائق الجيوسياسية الجديدة في المنطقة كذلك لم تغير كثيراً عقلية الخوف الوجودي لكثير من اليهود و بالتالي فخط التاريخ اليهودي و ترابط أحداثه بقي كما هو، أي أن هناك نمط واحد و هو أن الأمم متداعية على و كارهة لليهود. الفلسطيني يشكل اضطراباً في خط السببية التاريخية الصهيونية و بالتالي فيجب إعادة صياغته ليتناسب مع الفكرة المقبولة القائلة بعدالة الضحية اليهودية و إرهاب الآخر الذي يتجرأ علي تحدي تلك العدالة. فالفلسطيني يُعاد تركيبه ليتناسب مع السرديات اليهودية المتعلقة بالإبادة. فلا عجب إذاً عندما نسمع مرة و مرة أخرى قادة إسرائيل يعيدون شخصنة تاريخ اليهود في ألمانيا النازية من أجل شيطنة الفلسطينيين و التأكيد مرة أخرى على براءة الشعب اليهودي. من منا لم يسمع ”نتنياهو“ ينسب فكرة الإبادة ليهود أوروبا لمفتي القدس إنذاك الحاج ”أمين الحسيني“؟ و من منا لم يقرأ أو يذكر كيف أنه خلال الإجتياح الإسرائيل للبنان خرج علينا ”منيحيم بيغين“ متجاوزاً مئات الجثث في شوارع بيروت ليصف ياسر عرفات المحاصر هناك بأنه ”هتلر في مخبأه“؟ هنا السببية التاريخية يُعاد تأويلها حيث يُشبه عرفات بهتلر و يشبه الحراك الوطني الفلسطيني بالحركة النازية و الهدف دائماً و قبل كل شيء هو التبرير للذات قبل العالم بأن اليهود لا يزالون بسياق نفس الخط التاريخي حيث إمكانية الإبادة قائمة و بالتالي فالفلسطيني ليس أكثر من هامان جديد يشكل خطراً وجودياً بحق الشعب اليهودي المضطهد. سرديات الإحتلال و الإضطهاد عندها تصبح أصوات نشاز يتوجب إسكاتها أو تحييدها لأن الإستماع لها ربما يجرد ”الضحية اليهودية“ من أكبر عوامل قوتها و صورتها النمطية لذاتها كضحية مضطهدة.

فصديقي الإسرائيلي اليهودي ربما لم يتناسى ممارسات إسرائيل في المناطق المحتلة بل من الأرجح أنه مثله مثل الكثيرين في مجتمعه هو نتاج لحاله عمى شاملة يُقصد من وراءها و إن كان بشكل غير واعٍ الإبقاء على السردية التاريخية للشعب اليهودي المضطهد بدون شوائب. الفلسطينيون يمثلون الشائبة الكبرى في هذه السردية و يجب أن تُحيد بأي ثمن لأن المقابل يعني الإفاقة على الحقيقة المرعبة أن اليهود المضطهديين أصبحوا صورة مشابهة لمضطهديهم في الماضي. تخيل مقدار الصدمة عندما يفيق الضحية ليجد نفسه في دور الجلاد.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.