لو تخيلت نفسك تجلس في تلسكوب فضائي، في مكان مُرتفع فوق الكرة الأرضية، ومن خلال التلسكوب تتابع سير الحياة علي هذا الكوكب، الذي يُعتبر أكبر الكواكب الأرضية في النظام الشمسي، والذي يُطلق عليه أيضًا اسم العالم واليابس!

لو تأملت حركة الحياة التي لا تتوقف على هذا الكوكب، بسبب موارد الأرض وطبيعتها المناخية حيث وجود الأكسجين على هذا الكوكب، مما ساعد علي وجود حياة قد لا يتمتع بها أي كوكب آخر!

لو نظرت بِحُب إستطلاع سوف تجد جمهرة عالمية ضخمة من البشر، وعلى حسب سنة 2010 كان يُقدر تعداد سكان كوكب الأرض ب 7 مليار نسمة، الذين يقتسمون الحياة على هذا الكوكب، ويتوزعون علي حوالي 200 دولة.

لو دققت النظر في المشهد، ستجد أن الحياة أصبحت صعبة جدا، ربما هذا هو الوضع العادي، ولكن ستجد مُلاحظة غريبة وهي أن الكُل يهرب ويفر، الهروب ليس فرديًا بل جماعيًا، يمكنك أن تقول هذا هُوّ “الهروب العظيم”!

بلاد بأكملها تهرب، تهرب وتَفِر من كوارث طبيعية رغبة في حُب البقاء، تهرب من زلازل، براكين، أعاصير، مجاعات، حروب، إنفجارات، جماعات بأكملها تهرب من إرهاب وإضطهادات، وكما يقولون تعددت الأسباب ولكن النتيجة واحدة، وهي أن سمة الحياة أصبحت عدم الإستقرار وعدم الأمان، الكُل يهرب بجلده من المخاطر والخراب والدمار، الكُل يُريد أن يستمتع بالحياة، ولكن هيهات!

إرما بنت الهرمة ليست أول ولا آخرالكوارث الكونية، ليست هي الوحيدة التي مارست ألآعيبها الكارثية لتُعكِر صفو حياتنا!

ليس المقال هُنا للحديث عن الكوارث الطبيعية، ولكن بالأحري الحديث عن الكوارث الأخلاقية، التي تُصاحب مثل هذه الكوارث، وربما غضب الله يأتي على البشرية من إنحدار المستوي الأخلاقي للإنسان فيكون في شكل كوارث تهز الإنسان من غفلته وأعماقه، الله لا يُريد الإنتقام من الإنسان، ولكن فقط للتنبية علي قيم ومبادئ قد تتساقط من حساب الإنسان في خِضم الحياة.

إعصار إرما بلغت سرعة الرياح المصاحبة له نحو 200 كيلومتر في الساعة وتم تصنيفه ضمن الفئة الرابعة، وصل إلى فلوريد فجر الأحد 10 سبتمبر 2017 حول المدينة إلي مدينة تسكنها إلأشباح، قطع المرافق وأهمها الكهرباء عن حوالى مليون منزل وشركة بفلوريد، ولكن من الطريف أنه قبل 57 عاما بالتمام والكمال وفي نفس التاريخ أي العاشر من سبتمبر من عام 1960 حدث إعصار مماثل ولنفس المدينة أي فلوريدا!

إرما بنت الهِرمة، قبل أن تصل فلوريدا عدت علي حوض الكاريبي وكوبا وتسببت في خسائر كبري في البنية التحتية والأرواح في كل مكان عَدّت عليه، إرما ليست شريرة ولكنها تعمل هكذا!

فالإعصار والجمع منها أعاصير، عبارة عن منطقة ضغط جوي منخفض مع رياح حلزونية، تدور عكس عقارب الساعة في نصف الكرة الشمالي وبإتجاه عقارب الساعة في النصف الجنوبي.

وتجدر الإشارة إلي أن السبب في إطلاق أسماء على الأعاصير هو لتفادي الخلط أو الإلتباس الذي يقع فيه الناس وخصوصا بالنسبة للأماكن التي تكثر بها هذه الأعاصير.

عندما تحدث الكوارث على إختلاف أنواعها وفي أي مكان تجد ثلاثة أنواع من الناس:

(1)
أشخاص لا يهتمون إطلاقا بما يحدث حولهم، كل ما يهمهُم أنفسهم، لا يشعرون بحجم الكوارث إلا حينما تواجههًم هُمّ شخصيًا، وقد يكون هؤلاء الأشخاص يعيشون حياة اللامبالاة وعدم الإهتمام بالآخرين، ولكن قد تشاء الأقدار بأن يتعرضون هم أنفسهم لمثل هذه الكوارث، فتجد مثلًا أن إرما وأعمالها قد تجعلهُم يقفون وقفة مع النفس ويُراجعون سلوكياتهم التي كان لابد أن تتغير وقد آن الأوان لتغييرها لكي يحيا الإنسان حياة إنسانية إيجابية.

(2)
أشخاص ذو صفات إنسانية حقة، ذو قلوب مُحبة، فحينما هاجم إعصار “إرما” فلوريد والكاريبي وكوبا، كل اللي في امكانه أن يعمل شيئًا، عمل سواء على المستوي الفردي أو الدولي، الكل يمد يد المساعدة، قد تكون المساعدات مادية أو معنوية، قد يُقدم الشخص مشاعر المحبة، فيُخجِل الشامتين وأصحاب القلوب السوداء.

سوف تجد الرُكب الساجدة والأيادي المرفوعة بالصلوات من أجل المنكوبين والمُتضررين.

تحضرني هذه اللفتة الإنسانية، فعلى طول شاطئ مدينة نابلز حيث خلت بيوت الأحياء الراقية من سكانها والأمطار تسقط بغزارة يوم الأحد والرياح العاتية اقتلعت الأشجار وألقت بها في الطرقات الخالية تماما من أي انسان أو حيوان، تقول فيفيانا التي تقطن الآن في ملجأ علي الساحل الغربي بإنتظار وصول عين الإعصار “كل ما نُريده هو أن نبقى بخير”!
وفعلا كان إعصار إرما عنيفًا جدًا ولكن بسبب التفكير العلمي المنطقي، لم تحدث خسائر عظيمة في الأرواح فلقد قُتل ثلاثة أشخاص فقط جراء إعصار إرما!

(3)
أشخاص إنحدرت عندهم الأخلاقيات وبالتالي المشاعر الإنسانية، تجد مظاهر التشفي والشماتة، ويُبررون تصرفاتهم المُخجلة بإدانتهم للآخرين، وتصنيفهم للمُتضررين بأنهم كُفار، أو أن سياساتهم كانت خاطئة، أو بسبب النحس الذي حل على المكان بسبب وجود أشخاص مُعينين في سدة الحكم أو ما شابه ذلك، ولذلك عاقبهم الله بهذه الكوارث!

في 11 سبتمبر 2001 بسبب الهجمات الإرهابية الغادرة إنهار البُرجين التوأمين أي بُرجي مركز التجارة العالمي في منهاتن بنيويورك، وقف الشامتون في الدول العربية، وقفوا في الشوارع يرقصون ويوزعون الشربات، ويهنئون أنفسهم على المصائب التي حدثت للأمريكان، يتشفون في القتلي الذين راحوا ضحايا، والأُسر الذين تدمرت حياتهم بسبب هذه الكارثة.

والآن بسبب إعصار إرما في فلوريدا ظهر الشامتون أيضًا على صفحات السوشيال ميديا وبعض المنافذ الإعلامية يبثون أفكارهم السوداء، ويتشفون فيما حدث من مصائب لبني البشر، وتفسيرهم أن الأمريكان كُفار وربنا ينتقم منهم، وكمان ترامب وجهه نحس أتي بالخراب للبلد!

هل تسوماني اندونيسيا 2004 البلد الفقيرة المسلمة كان أيضا انتقام من الله؟!
هل تسوماني اليابان 2011 كان ايضًا انتقامًا من ربنا بالرغم من ان الغالبية العظمي من اليابان لا يؤمنون بأي ديانات؟!

بلاد الُكفار كما يُصنفونهم استقبلوا اللآجئين من على الشواطئ في أوروبا، في حين أن الذين يدعون الرحمة والأيمان لم يستقبلوا لاجئًا واحدًا، وان كان السبب في ذلك ركوب الإرهابيين موجة اللآجئين لكي يدخلوا الدول الأوربية ويشتغلوا من داخل هذه الدول!

كلمة أخيرة، ربما ما يحدث في العالم الآن من كوارث سببًا لأن يُراجع الإنسان سلوكياته وأخلاقياته، ولكي يعرف الأنسان:
أن الدنيا دواره فما يحدث لغيرك قد يحدث لك ان عاجلًا أو آجلًا!
وأن ما تقدمه للآخرين سواء خيرًا أم شرًا، سوف يعود إليك، فالمثل يقول: ارمي خُبزك علي وجه المياه يعود إليك ولو بعد حين. وأن الشماتة في الآخرين علامة النفوس المريضة التي لا يرضي عنها الله ولا الناس، وأن ما تزرعه الآن اياك تحصد.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.