الاحتفال بذكرى العشرين عاما لليلة المرعبة تلك حيث اغتيل بها اسحق رابين, اغتيال ارعد المجتمع الإسرائيلي من صميمه, أدى إلى طوفان من إعادات التقييم لرئيس الوزراء الراحل وتركته. مزيج من التحليلات، ذكريات شخصية وحنين حزين قد اغرقوا وسائل الإعلام – ملقين جميعهم بطريقته الخاصة ضوء على ميزات ذاك الانسان المختلفة وإرثه الذي لا يزال قيد التشكل. الانشغال المتجدد برئيس الوزراء المغتال ليس مجرد تكريما لقيادته. في كثير من النواحي, انه انعكاس على السعي المستمر لمسار مشترك. ثلاث صفات لاسحق رابين – الشخص والشخصية عامة – كاشفة ومؤثرة بشكل خاص على حد سواء.

كان اسحق رابين، تحت قشرته الفظة وسلوكه المحتشم شبه الدائم، حساسا على نحو غير عادي لمن حوله. لقد استطاع رؤية الإنسان امامه، حتى عندما بدا منهكا كليا مع المسائل الدولية المقلقة. هذا ليس الا وصف مصغر لما كان.

اسبوعين بعد ليلة السبت المصيرية تلك، في وقت ما في منتصف شهر نوفمبر عام 1995، وصل مرسول يحمل ظرفا كبيرا من مكتب رئيس الوزراء. لقد فتحت المغلف بحذر شديد لاكتشاف رسالة تغطية من مستشار رابين- إيتان هابر، قائلة أن رئيس الوزراء الراحل قد أعد مباركة عيد ميلاد وهدية صغيرة لي مسبقا وأراد التأكد من استلامي لها في الوقت المناسب. كان تاريخ الرسالة المرفقة التي وقعها رابين مع أطيب تمنياته، 18 نوفمبر عام 1995. مع كتاب (العودة من الهند أ.ب يهوشع) مرفق.

لا يمكن للمرء أن يبقى غير متأثر بهذه اللفتة الطيبة وعدم تلقي تذكير حلو مرير للمأساة التي حلت علينا. بالنسبة لي، وراء اللفتة الغالية للغاية، كان هناك دائما أكثر من ذلك: رئيس وزراء الذي – حتى في الاوضاع السياسية الأكثر إرهاقا – يمكنه أن يجد الوقت لاسعاد شخص ما لم يعرفه بشكل جيد لتلك الدرجة. في طريقته، كان اسحق رابين ما يدعوه الإسرائيليون انسانا – شخص موثوق, متوقع ومخلص. حتى عندما بدا رافضا مع حركة من يده، لم يسبق له ان يتجاهل إنسان آخر.

ذهب سلوكه الإنساني الى أبعد من العلاقات الشخصية. فيما يتعلق بالمسائل الاجتماعية أيضا، لقد ابدى دائما تضامن أساسي الذي ظهر في الفسيفساء الاجتماعي المعقد في البلاد. على الرغم من أنه أحاط نفسه بزملاء مألوفين، لم يمارس الاستخفاف في اي مجال ابدا. في حين انه لم يشجع منظمات حقوق الإنسان ابدا، هو لم يبدي الصبر مع أولئك الذين حرضوا ضد الأقليات أو داسوا على حرياتهم الأساسية. كان لاسرائيل عهد رابين نواة مشتركة. هي لم تكن تجمع لمجموعات متنافسة مع القليل أو دون رابط بينها. فهو ابدا لم يتغاضى عن التقسيم المتعمد كما يفعل خليفه الحالي.

كان اسحق رابين معروفا أيضا بأسلوبه الصريح: صريح إلى درجة الدهشة. قصة قصيرة أخرى توضيحية: ليس كثيرا قبل وفاته، قلقا إزاء تصويت سري آخر في الكنيست، خطى رابين على أرضية الجلسة العامة وقام باستقبال كل متأخر (وأنا منهم) مع هدير في صوته وخطاب لاذع. فهو لم يخف استياءه ولكنه أيضا لم يكن اي ضغينة. للأفضل أو للأسوأ، لقد علم كل من عرفه ماذا كان بالنسبة له.

أسلوب القيادة الصريح الذي عرف به، كان منعشا بالنسبة للكثيرين. لم يكن هناك أي أثر لاما الغطرسة أو الازدواجية في أفكاره أو في سلوكه. كان هناك خط مباشر بين افكاره، اقواله وافعاله. لقد كان عقله وتصرفاته متشابكان بشكل شفاف. من خلال الطريقة المنفتحة على نحو غير عادي, تميز اسحق رابين عن الكثير من نظرائه السياسيين. كما انه أثار ثقة حتى بين اشد خصومه.

مع رابين, كان ما تراه هو الحقيقة. كان ما سمعته هو نفسه المقصود من أقواله. يمكن لعدد قليل جدا من الشخصيات العامة اليوم ادعاء صورة مماثلة لنفسهم، وأقلهم رئيس الوزراء الحالي. لقد اصبح الحديث المزدوج شكل من اشكال الفن وأصبح الخداع عادة. يثير خليفته الأكثر بلاغة ثقة أقل بكثير من سلفه المحرج لفظيا.

من شأن جرعة أكبر من ماركة رابين الصريحة ان تساهم في هذا البلد بشكل كبير في هذه المرحلة الغير مستقرة. لا تقاس القيادة ببساطة وفق إرضاءها للمشاعر الشعبية, يانها مقاسة من خلال القدرة على عرض الجمهور على الحقائق القاسية وإعداده لاتخاذ قرارات صعبة. على الصعيدين المحلي وعلى الساحة الدولية، نجح رابين في إقامة علاقات وثيقة مع سماسرة السلطة (خلال فترة ولايته، وعلاقات مع زعماء العالم – وخصوصا مع محركي واشنطن – كان في ذروته). شاغل المنصب الحالي، مع كل ما قدمه من تسهيلات لغوية وسنوات من الخبرة الأمريكية، لا زال عليه تطوير القدرة على غرس هذه الثقة في الداخل والخارج.

قبل كل شيء، مع ذلك، كان اسحق رابين الواقعي المطلق لإسرائيل. مثل كل البراغماتيين الحقيقيين (على عكس الانتهازيين), لقد امتلك فهم واضح لأن المصالح والقيم تأتيان معا. رابين، بالتالي، كان من صانعي السلام الأكثر اصرارا. فهو ابدا لم يكن ليعرف نفسه بكونه داعيا للسلام. كان تفانيه في تحقيق حل دائم للصراع العربي الإسرائيلي بالنسبة له مهمة محددة وليس مجرد حلم ساذج. سيقوم السلام بتأمين إسرائيل وضمان كيانه المادي وضمان رفاهيته المعيارية.

مثل جميع البراغماتيين، فهم رابين أن التسوية والتنازل هما أمر ضروري لنجاح هذا المشروع. عن طريق تمييزه بدقة بين ما هو ضروري للحفاظ على وجود إسرائيل وما يمكن التنازل عنه، لقد امتلك الشجاعة للمضي قدما نحو مستقبل سلمي. وهذا ذاته السعي العملي لهذا الهدف الذي أدى الى وفاته.

أيديولوجية اليوم قد اخذت مكان الواقعية. أصبح العناد بديلا للعمل؛ وتسود الغطرسة حيث ساد التواضع. النهج الحالي لإسرائيل وضواحيها مناقض تماما لرؤية رابين. انه ينفي مرارا وتكرارا وبشكل صارخ المصالح والقيم الإسرائيلية. من خلال تحدي مساره العملي، إنه يجعل البلاد غارقة بانعدام الأمن بشكل كبير, داخليا وخارجيا.

حتى أولئك الذين ينظرون إلى اسحق رابين مع نفور واحتقار غير مستهان لا يستطيعون تجاهل وجهه الإنساني وحرصه على التماسك الاجتماعي الذي رافقه. ولا يمكنهم انكار أسلوب قيادته الصريح والاستقامة التي انشأها. قبل كل شيء، قد يفيدنا استرداد قليلا من تلك البراغماتية التي وجهت رئيس الوزراء المغتال.

من خلال التأمل في حياة اسحق رابين وفي إرثه، اليوم، هو الوقت المناسب لاحيائهم. في النهاية، ان السلام الذي سعى له في أيامه الأخيرة هو الطريق لخلاص إسرائيل. إحياء قدرته على التسوية والتوصل الى حل وسط هو الطريق لتحقيق ذلك.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.