تم توقيع اتفاقية باريس الاقتصادية قبل عشرون عاما , ب 1994 في مدينة باريس كأحد الملاحق الهامة لاتفاقية أوسلو و كان من المفترض أن تكون فترة تلك الاتفاقية للمرحلة الانتقالية لمدة خمس سنوات, لكن للأسف الشديد استمرت حتى يومنا هذا.

وبعد ربع قرن على توقيع اتفاقية باريس الاقتصادية , أصبحت من الزمن الماضي حيث أنها لم تعطى أي فائدة أو تضيف أي عائد على الاقتصاد الفلسطيني , بل ساهم استغلال الجانب الإسرائيلي لبنودها وتفريغها من محتواها وعدم تعديلها وتطويرها بما يتلائم مع المتغيرات الاقتصادية المحلية و العالمية إلى تدهور حال الاقتصاد الفلسطيني و الحد من نموه ونشاطه , كما أن الاتفاقية أضعفت القدرة على الإنتاج واستغلال الأرض والموارد الطبيعية الفلسطينية وتطوير التجارة والصناعة والزراعة و الاستثمار في فلسطين.

و ساهمت اتفاقية باريس الاقتصادية في تحجيم دور السلطة وعدم سيطرتها على المصادر الطبيعية و المعابر الحدودية وربطت الاقتصاد الفلسطيني الناشئ ذات النمو المحدود بالاقتصاد الإسرائيلي القوي ذات النمو الكبير والذي اعتبره البنك الدولي من ضمن أفضل الاقتصاديات في العالم , مما كان له الأثر الكبير في إضعاف و تدهور الاقتصاد الفلسطيني وحدوث فجوة كبيرة بين مستوى المعيشة لدي الطرفين حيث بلغ الحد الأدنى للأجور في إسرائيل 5300 شيكل شهريا , وهذا يوازي ثلاث أضعاف الحد الأدنى للأجور في المناطق الفلسطينية والذي تم تحديده بمبلغ 1450 شيكل شهريا ، وهو دون خط الفقر الذي بلغ للأسرة الفلسطينية المكونة من 5 افراد (2 بالغين و3 اطفال) 2470 شيكل، و خط الفقر المدقع الذي بلغ 1974 شيكل لنفس الاسرة ، وهذا بالرغم من التقارب الكبير في أسعار المواد الاستهلاكية و الأساسية لدى الطرفين.

كما ساهمت المعيقات الإسرائيلية إلى ضعف كافة الأنشطة الاقتصادية الفلسطينية , مما تسبب في ارتفاع معدلات البطالة في فلسطين وبحسب مركز الإحصاء الفلسطيني ووفقا لمعايير منظمة العمل الدولية فإن نسبة البطالة في فلسطين قد بلغت 31% وبلغ عدد العاطلين عن العمل 450 ألف شخص في فلسطين خلال عام 2018، منهم حوالي 150 ألف في الضفة الغربية وحوالي 300 الف في قطاع غزة ، و ما يزال التفاوت كبيراً في معدل البطالة بين الضفة الغربية وقطاع غزة حيث بلغ المعدل 52% في قطاع غزة مقابل 18% في الضفة الغربية , وتعتبر معدلات البطالة في قطاع غزة الأعلى عالميا، بينما يبلغ معدل البطالة في إسرائيل 4.1% وهذا يوضح الفجوة الكبيرة الموجودة بين نشاط ونمو الاقتصاد الفلسطيني والإسرائيلي.

ومن أهم بنود اتفاقية باريس ربط ضريبة القيمة المضافة بين المناطق الفلسطينية و الإسرائيلية و استخدام الغلاف الجمركي الإسرائيلي , حيث يتحكم الجانب الإسرائيلي بنسب الضريبة المضافة بما يتلائم مع الأوضاع الاقتصادية في إسرائيل وتبلغ نسبة الضريبة المضافة في المناطق الإسرائيلية حاليا 18% و في المناطق الفلسطينية 16% حيث أن الفرق المسموح به يجب ألا يتجاوز 2% حسب اتفاق باريس الاقتصادي , ومما يذكر بأن نسبة الضريبة المضافة كانت 14.5% في المناطق الفلسطينية قبل رفع إسرائيل النسبة ، و هو ما تسبب في زيادة الأسعار على المستهلكين ، و زيادة تكاليف الإنتاج للمنتجات الوطنية ، الأمر الذي أثر بشكل سلبي على المواطنين و حملهم أعباء مالية إضافية.

كما ربطت إسرائيل من خلال اتفاقية باريس الاقتصادية أسعار المحروقات بالمناطق الفلسطينية بالتسعيرة الإسرائيلية , مع السماح بوجود فرق للمستهلك الفلسطيني لا يتجاوز 15% من السعر الرسمي النهائي للمستهلك في إسرائيل , وتحصل إسرائيل على ما يعرف “بضريبة البلو” البالغة حوالي 3 شيكل عن كل لتر من مشتقات البترول يباع سواء في “إسرائيل” أو في مناطق السلطة الفلسطينية هذا بالإضافة إلي ضريبة القيمة المضافة البالغة 18% ، و هذا يعني أن كل لتر من مشتاقات البترول يباع في السوق يتحمل ما قيمته 3.5 شيكل و هو ما يشكل 50% من سعر اللتر يذهب لصالح الضرائب , وتعتبر هذه النسبة من أعلى النسب في العالم.

و منحت اتفاقية باريس الاقتصادية الحق للجانب الإسرائيلي بتحصيل كافة الضرائب و الجمارك على الواردات الفلسطينية و على المبيعات الإسرائيلية في الأسواق الفلسطينية ومن ثم تحويل تلك الأموال إلى حساب السلطة , مما أدي إلى تحكم إسرائيل بتلك الأموال و استخدامها للابتزاز السياسي و هو ما ساهم في أزمة السلطة المالية , كما أدى عدم سيطرة السلطة على المعابر إلى انتشار التهرب الضريبي ، و وفقا لاتفاقية باريس الاقتصادية يفترض أن تحول إسرائيل إلى السلطة الإيرادات المتسربة من الضرائب على الواردات المباشرة وغير المباشرة .

والمطلوب الآن السعي بجدية لتطوير و تعديل اتفاقية باريس الاقتصادية بما يتلاءم مع المتغيرات الحالية المحلية و الدولية و ضرورة إعطاء أولوية للجوانب الاقتصادية والمعابر في أي اتفاقية سياسية مستقبلية وإعطاء ضمانات بحرية حركة البضائع علي المعابر التجارية وحرية حركة الإفراد علي المعابر الدولية على مدار العام.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.