لم يغب تعليقي على تصريحات السيدة عنان فلاح في الماضي من باب الموافقة بالرأي، وإنما لأسباب أخرى أولها هو باب الذوق والاحترام وعدم تسبيب إحراج.

ثانيًا أيمانًا مني بأن المرأة الدرزية بحاجة إلى التشجيع والدعم في مجتمع ذكوري كمجتمعنا، وبالأخص خلال محاولاتها شق طريقها المهني، الأمر الذي يحتم علينا التنازل عن أخطاء هامشية وبذلك إفساح المجال أمامها للتقدم وإمكانية إعادة النظر في خطابها في المستقبل. لهذا أيضًا احتفظت برأيي اتجاه الاحتفالات التي عمّت الجليل والكرمل والمواقع الإخبارية بعد إعلان حصول السيدة عنان شهادة البرفسورة لتصبح “أول برفسورة درزية”، بالرغم من أن الشيخ غوغل لم يجد كتابًا واحدًا أو حتى مقالًا تحت اسم السيدة فلاح، بالرغم أنه من المعروف أنه لا يوجد معهد علمي واحد محترم في العالم يمنح شهادة بروفسورة إلا بعد أن قام صاحب الاختصاص بنشر أعمال أكاديمية في مجالهم.

ثالثًا، ككاتب في قضايانا الطائفية فأنا أصر في كتاباتي على التفريق بين الحيز الشخصي-العائلي، وبين الحيز الاجتماعي -السياسي، وإن كان لدي العديد من الملاحظات اتجاه الأسلوب العنجهي التي اتّبعته السيدة فلاح في مقابلاتها السابقة، وخصوصاً فيما يتعلق بتسويق كونها المرأة الدرزية “الأولى” في جميع المجالات التي تخطر على البال، من المجالات التي بحاجة للسير على الأقدام، حتّى المجالات التي تطلب التحليق بين الغيوم فقد امتنعت عن أي تعليق حتى ظهور المقابلة الأخيرة عبر صفحة معاريف الإلكترونية قبل أسبوع والتي أعلنت خلالها قرارها بأن تصبح عضوة كنيست، ونيتها تمثيل الطائفة في البرلمان، منتقلة بهذا من الحيز الشخصي-العائلي إلى الحيز الاجتماعي-السياسي، لتفسح بهذا لي ولغيري إمكانية الدفاع عن شخصيتها وعملها ونقدهما أيضاً.

كما هو الحال في كل المقابلات، لم تتوقف فلاح في مقابلتها الأخيرة للحظة عن تذكير القراء بإنجازاتها الشخصية، وكونها المرأة الدرزية في كل مجال يتعلق بالمرأة، من لحظة استبدال التنورة بالبنطلون، مروراً بالتحليق بين الغيوم، ووقوفاً عند شهادة البروفسورة. وكل ما تبقى الآن هو تقديم موعد الانتخابات لتصبح فلاح أول درزية تدوس البرلمان الإسرائيلي. أما نحن أبناء الطائفة الدرزية والتي تريد فلاح أن تمثلهم في الكنيست فما علينا إلا تجنيد كل طاقاتنا وتجهيز معدتنا من أجل أن تحقق سندريلا الدروز حلمًا آخر من أحلامها، التي -كما صرحت- تفقد الرغبة في ممارستهن بعد تحقيقهم (ملاحظة:شيء طبيعي عندما يكون الحلم فارغًا ولا رسالة يحملها سوى تحقيق اللقب ذاته).

أما قضايانا الملحّة من أراضي للسكن، مناطق صناعية، رخص عمار وإلخ… التي نحن بأمسّ الحاجة إلى من ينقلها إلى مراكز القوى في الدولة في ظل القيادتين السياسية والدينية الضعيفتين، فيمكنها الانتظار لجولة انتخابية أخرى في المستقبل. ليس بغريب بأن فلاح لم تتطرق إلى أي موضوع أو قضية تخص مجتمعنا أو قرانا بالرغم من أن الصحفي كرّر السؤال عدة مرات خلال المقابلة محاولًا فهم الأجندة السياسية، وبرنامج العمل الذي تطمح تحقيقهما عند دخولها البرلمان، ولكن دون جدوى.

والحقيقة أنني أشك بأن السيدة فلاح مطّلعة على قضايانا الملحّة، في ظل الحقيقة بأنها تسكن في مدينة عكا، وفي ظل رفض السلطات الإسرائيلية الاعتراف بعكا وبحيفا مدنًا درزية، بالرغم من أن مدير عام المحاكم الدينية سابقاً من سكان عكا، ومدير الدائرة الدرزية في وزارة التعليم سابقاً من سكان حيفا. وقد شاءت الأقدار أن يتشابهوا جميعًا باسم العائلة، وجميعهم استطاعوا الاستيلاء على مراكز قوى ذات تأثير على قضايانا حتّى دون أن يسكنوا في قرانا.

كنت سأعيد النظر في كتابة هذا المقال لو شعرت للحظة بأنه سيكون المقال الأخير لفلاح بهذا الصدد، ولكني أعرف الإعلام الإسرائيلي ولهجته وحبه المفعم في التعامل مع كل ما هو “أول درزي” (דרוזי ראשון) و “أول درزية” (דרוזית ראשונה) بدلًا من الحديث عن قضايانا الملحّة، ليجد بفلاح كما وجد بـِ ” أول عارضة أزياء” و ” أول ضابطة” شخصيات مناسبة لتسويق مثل هذة الأغاني، خاصة وأنه لدينا من العُبران (כבשים) ما يكفي لكي ترحب بكل ما هو أُوَل درزي أو درزية ليتحول الى غأفاة لعداه (גאווה לעדה )، بالرغم من أن جزء من هذه الشخصيات لا علاقة بالدروز وداعسة على كل مركباتها الثقافية والدينية.

الأسوأ من ذلك هو أن فلاح بأسلوبها تجرّح الأغلبية الساحقة من النساء، بل تدعو إلى تدمير الألفة الاجتماعية بين أبناء الطائفة الواحدة، وسكوتي على ذلك هو تشجيع لمثل هذا النهج. فما عدا بعض الفيسبوكيات النسوية والمعروف مستوى الصبايا التي تقف من ورائها، ترى الأغلبية من النساء والصبايا الدرزيات بالتقدم العلمي والثقافي جزءًا من مسيرتنا المشتركة نحو بناء مجتمع أفضل نعيش به بألفة وتعاون، وليس من أجل تكسير وتحطيم الحواجز وكل ما يجمعنا سوية كما تصرح فلاح. ناهيك بأن الأغلبية منهن لا ترى بإنجازات فلاح قدوة يتّبعنها، وأحلامهن الكمالية تختلف تماماً عن أفضليات فلاح. فوالدتي لا ترى بلبس البنطلون إنجازًا تاريخيًّا بالرغم من أنها تعرف بوجوده، وحقيقة أن فلاح (كالعادة طبعاً) تلوح بأنها أول من لبس بنطلون من صبايا الدروز.

الأكثر سوءًا من ذلك هو أن فلاح تتمادى مرة تلو أخرى بالتّلويح كيف استطاعت الوقوف أمام المشايخ وتحدي القوى التقليدية في مسيرتها لتحقيق أحلامها. طبعاً ليس لدي شك بأن المشايخ والقوى التقليدية لم تتظاهر ولم ترفع اللافتات أمام بيت فلاح، ولم تتحدّىَ مسيرتها، وأن مثل هذه التصريحات ليست بأكثر من تصريحات لرفع أسهمها أمام الإعلام، وتصويرها كمناضلة ضحت من أجل شق الطريق للغير، ولكن المقزز في الموضوع أنّ فلاح وعائلتها ترعرعوا على خيرات المحكمة الدينية الدرزية، التي ترأسها والدها والتي بحسب معرفتي لا تتبع الدستور الأمريكي ولا معاهدة جنيف، وأنما ما يقضي به شيوخنا وتطويه عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا.

الخلاصة: مقالي ليس ضد فلاح الشخص، وإنما ضد الوضع الذي وصلنا إليه ونوعية الشخصيات التي تطمح في مناصب قوى ذات تأثير على حياتنا. معارضتي لفلاح ليست من باب الحقد، وإنما من باب الخوف بأن يصبح ما تمثله مرجعية لصبايا درزيات أخريات واعتناقهن لحياة الكماليات مكان الجوهر. أما على المستوى السياسي، فعلى فلاح الحصول على رخصة غواصة قبل أن تقرر خوض الانتخابات، لأننا نملك ما يكفي من طيرجية تنظر إلينا من أعالي الغيوم، في حين نحن بأمسّ الحاجة إلى قيادة تستطيع الغوص في قضايانا الملحّة، ذات كفاءات كافية لنقلها إلى مراكز السلطة وليس لقيادة ذات كفاءات في تكسير مركّبتنا الثقافية والدينية التي تجمعنا. وفلاح على خطأ إذا ظنّت بأنها ستمثلنا لمجرد حصولها على هذا الكرسي أو ذاك، حتى لو كان كرسيًّا برلمانيًّا كالذي تطمح إليه، لأن ممثلنا الحقيقي هو من يرى أحلامنا قبل أن يرى أحلامه، وهو من كان منا قبل أن يكون علينا.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.