ليلة شتاء قارسة البُرودة، ولكن الحلم ساخِنْ يُذيب الأحاسيس المُتجمدة، يُدغدِغ المشاعر العطشانة للإرتواء، فتحت عيوني ونظرت من فتحة صغيرة، صنعتها بيدي، من داخل الأغطية الكثيرة، التي غلفت بها جسدي قبل أن أخلد للنوم.

تذكرت وأنا أتطلع من هذه الفتحة من تحت الأغطية، جهاز ال”كتوسكوب” الذي كان يُطلق عليه في التراث الشعبي المصري، “البيانولا”.

كان لاعب أو صاحب البيانولا، يجوب الشوارع وخاصة الأحياء الشعبية، ليُقدم مادة ترفيهية مثل الأفلام السينيمائية، للأطفال وأحياناً الكبار، مُناديًا: “البيانولا .. إتفرج ياسلام!”.

كان صاحب البيانولا، يحمل صندوقاً مُستطيلاً، يُسمي “صندوق الدنيا”، مُزينًا برسومات جميلة، به فتحات مستديرة، وكان يضع دكة خشبية، للأطفال يجلسون عليها، ويُغطي رءوسهم بملاءة سوداء، وينظرون في الفتحات الدائرية بصندوق الدنيا، لمشاهدة الصور التي يعرضها أمامهم جهاز البيانولا.

نظرت من هذه الفتحة .. وإتفرج يا سلام!

نظرت للتأكُد من أن ما رأيته في منامي، ليس حلمًا بل حقيقة، للأسف .. وجدت فراغ وصمت رهيب، تجرأت وأخرجت يدي من تحت الغظاء، أتحسس السرير بجانبي، سحبت يدي بسرعة البرق من شدة البرودة، وكأنني أدخلتها في جليد، وإتفرج يا سلام علي صندوق الدنيا بتاعي، أنه بالحقيقة كان حلمًا دافئًا رائعًا وليس حقيقة!

نفضت الأغطية عن جسدي، جلست نصف جلسة علي السرير، مددت يدي لعلبة السجاير من علي الكوميدينو، لأسحب سيجارة، أشعلت السيجارة، بدأت أسحب نفس عميق، وبدأت تتكاثف سُحب الدخان.

مع سُحب الدخان، بدأت تتجسد مٌعاناتي وألامي وحِرماني!

دائمًا أنام بمُفردي، وأستيقظ بمُفردي، ليس هُناك إبتسامة، أو تحية مسائية، أو تحية صباحية تُبهج قلبي!
أغطية السرير دائمًا علي جانب واحد من السرير، السرير هبط من جانب واحد فقط، هو مكان نومي أنا، أما النصف الآخر فهو دائما فاضي!

أصنع قهوتي بنفسي، أرشف بعض منها مع نفس من سيجارتي، ليس هُناك من يُشجعني علي المُـشاركة، في تناول فطوري أو أي وجبة من وجبات اليوم، لا أحد يطهو لي الطعام، ولا أنا أُجيد الطهي، ليس المُشكلة في الطهي، ولكن المشكلة في دفء المُشاركة!

مُعظم الأوقات أتناول وجباتي بالمحال العامة، بالرغم من ذلك ليس هُناك إحساس بالسعادة، لأنك ستجد دائمًا من يحشُر أنفه في حياتك، ويدوس علي الجرح، ويُذكِرك بأنك وحيدًا، ويسأل بعدم لياقة، متي سيكون معك النصف الآخر؟

أسحب نفس عميق من سيجارتي، أشكو لها من غدر الزمان وما وصل إليه حالي!

أتشارك مع العائلة أو الأصدقاء أو الأحباب، في لقاءات أو حفلات أو أعياد، يحاولون إظهار إهتمامهُمْ ومحبتهم، ولكن عيونهم دائمًا عليك، لئلا تتجرأ، وتسرق ما ليس من حقك، سواء نظرة أو إهتمامًا، الألم يعتصرني، الوحدة تقتلني، أشتاق لِما يحياه الآخرين!

تدخُل سافر في سؤالهم عن عدم الإرتباط، وهل يوجد إنسان طبيعي، لا يُريد أن يحيا ويستمتع بالسعادة والإستقرار مثل الآخرين؟ ربما حاولت مِرارًا وتِكرارًا ولكن لم يُسعدني الحظ بلقاء النصف الآخر!

أسحب نفسًا عميقًا، مِن سيجارتي المحبوبة، فهي دائمًا تُشاركني وحدتي، وبدون تدخُل فيما لا يُعنيها!

وتمُر الأيام والسنين علي أمل تغيير الحال، ملء النصف الآخر مِنْ السرير، ملء المقعد المُقابل علي المنضدة، ملء المقعد الجانبي في السيارة أو علي الأريكة، ولكن يبدو أن تغيير الحال أصبح مِنْ المُحال وأستقر هكذا، أنا وسيجارتي وكفي!

جسدي يتحرق، ويضغط علي أعصابي، ويُعكر مزاجي، وفي أوقات كثيرة يُصيبني بالاكتئاب، جسدي يصرخ، روحي تئن بداخلي، أريد تبادُل الضحكات، وتشابُك الأيادي، وتلاقي الأجساد، ومًشاركة الأفكار، وتبادُل الآراء، والحلم المُشترك، ناهيك عن بعض العلاقات العابرة، ثم أستغفر الله مع طلب تغيير الحال بالحلال، ولكن يبدو أن ذلك أصبح أمراً مُستعصيًا!

أصبحت الوحدة من نصيبي، ولكن سيجارتي لم تتخل عني، مع سُحب دخانها، أبكي وأضحك وأتخيل وأحلم أحلامًا وهمية قد تُسعدني بعض الوقت لأنسي الواقع المرير، وتبقي سيجارتي رفيقة وحدتي بلا مُنافس!

في يوم قرروا الإحتفال بي، استغربت واندهشت، إنها حفلة في مكان عملي، كل الزملاء في العمل والمُديرين، كيكة كبيرة جدًا، مكتوب عليها اسمي، وعبارات شُكر رقيقة، علي إنتهاء فترة خدمتي بالعمل، لقد وصلت إلي سن المعاش!

وكأنني خرجت من كهف التاريخ، لأصطدم بمرور سنوات عُمري، وكأنني مررت علي الدنيا فقط، لأشاهد حياة الآخرين، بدون أن أعيش حياتي، أو حتي أشاركهم الحياة!

أشعلت سيجارتي لتُشاركني أحاسيسي ومشاعري كالعادة، ابتسمت لي سُحب الدخان، ليس للسخرية من حظي العثر، ولكن لكي تُشاركني ما يعتمل في صدري من ضيق، وما يدور في ذهني من أفكار!

كل الزُملاء يضحكون، يُهنِئون، يأكلون الكيك، ويقولون لي، أن أجمل عُمر للإنسان هو بعد الخروج علي المعاش، لكي يتفرغ للإستمتاع بالحياة، يستمتع بالسياحة والتفرُغ لتحقيق مالم يقدر أن يُحققة أثناء عمله.

إبتسمت إبتسامة السُخرية من خلال دُخان سيجارتي، ولسان حالي يقول، أنني لم أستمتع ولم أعش حياتي قبل المعاش، فهل سيكون هُناك فُرصة بعد المعاش؟!

وضعت مفتاح السيارة في الكونتاكت، وفي اليد الأخري السيجارة، إلي أن وصلت كورنيش النيل، ركنت السيارة، وأنحنيت بكُل جسدي علي السور، وكأنني أرفع الحِمْل مِن فوق كتفي، لألقي به في ماء النهر ليحمله مع أمواجه بعيدًا عني، لأتخفف من أثقالي وأتعابي، ثم إعتدلت في وقفتي، أسترجع شريط حياتي وخاصة حفلة نهاية الخدمة، لأول مرة أجد الأصدقاء من حولي سُعداء بأن هذا هو آخر يوم لي معهُم في العمل، كُنت أتمني أن ألمح في عيونهم أنهم سوف يفتقدوني في وسطهم!

الساعة الآن تقترب من الواحدة صباحاً، سيجارتي لم تستطع أن تحمل معي هذا الحمل الثقيل، ذهبت إلي محل قهوة يُطل علي النيل، الوقت مُتأخر، ولا يوجد أحدًا مِنْ الأصدقاء، الذين تعودت السهر معهُم، طلبت كوب شاي وشيشة.

ركنت علبة السجائر في جيب القميص، وبدأت أشد أنفاسًا كثيرة مُتتالية مِن الشيشة، إلي أن إمتلأ المحل كُله بِسحُب الدُخان، وكأنني أريد أن أهرب وأتلاشي، كما تتلاشي وتضمحل سُحب الدُخان.

ذهبت إلي المنزل أجر قدمي، وأشعر بثقل شديد علي قلبي، حاولت الإسترخاء علي السرير، وأنا أنفُث دخان سيجارتي، وأتفرج علي الصور التي التقطوها لي أثناء حفل نهاية الخدمة، لأول مرة الآحظ أن مُعظم شعري قد ضربه الشيب، حزنت جِدًا، بدأت أكتئب، ولأول مرة بدأت أزعل من سيجارتي، لماذا كانت دائِمًا تأخُذني في سُحب دُخانها، وحجبت عني المرآة فلم الآحظ ماوصلت إليه حالتي!

بدأت دقات قلبي تتزايد، لدرجة أنني أحسست بِها تدُق أم رأسي، تنفُسي أصبح ثقيلاً جِدًا، ضغطُت علي السيجارة في الطفاية لأطفئها، إتصلت باخوتي أو أصدقائي لكي يأتون لمُساعدتي أو انقاذي، ولكن الأعذار بدأت تقطع كُلْ المُحاولات عن تقديم المُساعدة!

بدأت الدموع تنهمر غزيرًا من عيني، ومعها الحسرة علي حرماني مِنْ ابن أو ابنة، يقولون لي: “يا بابا” أو زوجة تُقدم لي لمسات الحُب والحنان في مثل هذه الظروف .. وطلبت رقم الإسعاف!

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.