هي لم تحب يوما ألوان الباستيل هذه؛ الألوان الزرقاء والخوخية العذبة فوق السلام التي ملأتها رائحة البول الكريهة في الغيتو التي نشأت فيه. كان هناك شيء مهين حول الطريقة التي عانقت فيها هذه الألوان الأسمنت، وكأن هذا الطلاء السعيد والقبيح كان سيخدع أحد ويجعله يعتقد بأن هذا المكان هو شيء مختلف عما هو بالفعل.

وعلى أي حال، لم يخدعوا أي شخص. هذا هو المكان الذي رأت فيه الفتيات في الرابعة عشرة من عمرهن العيون المليئة بالشهوة وظنن أنها إطراء؛ حيث استخدمن نقود الرفاه لشراء أحمر الشفاه ومملس الشعر. هذا هو المكان الذي كن يختبئن فيه تحت السلالم مع أحد الصبية، حيث قمن بإرخاء حمالات الصدر والتظاهر بأنهن لا يمانعن بوجود بقع القيء القديمة التي تلون الجدران. هذا هو المكان الذي شعرن فيه بالقشعريرة عندما تغيرت عيناه بعد أن تخلص من عقب سيجارة مستعملة، حيث سألن أنفسهن ما الخطأ الذي قمن به.

هي لم تحب يوما ألوان الباستيل، لكنها اعتادت عليها. بدأت بالبحث عنها وراء الانحناء في الشارع في طريقها إلى المنزل من المدرسة. شيء ما بشأن هذه الألوان جعلها تعتاد عليها، بنفس الطريقة التي يعتاد فيها المرء على الصوت المزعج لصرير الباب، ويفتقد لهذا الصوت عندما يتم تزييت الباب.

تقول لنفسها عندما تظهر هذه الألوان أمامها “نعم، هذا هو الصواب”.

لقد اعتادت على أمور أخرى أيضا. الأصوات الغاضبة من الصفعات على الجلد من الغرف الأخرى. البكاء المتواصل للأطفال المهملين وبعده صوت الصمت عندما يستسلمون في النهاية لإدراكهم بأن لا أحد قادم. الطريقة التي تشتد فيها الوجوه البيضاء عند سماعها للأطفال المزعجين ذوي البشرة السمراء في القطار. الطريقة التي يواجه فيها الأهل ذوو البشرة سمراء صعوبة في ملائمة ألسنتهم للغات أجنبية.

وهي تفكر خلال مراقبتها لذلك، “نعم، هذا هو الصواب”.

لا بد من أن الأمر تحول إلى نوع من القصيدة الغنائية المتعبة التي تتبعها أينما تذهب.

“أنت تبدين أفضل مع شعر مالس – براقة أكثر”.

“هل وضعت مرة عدسات لاصقة خضراء؟ أنا أحب الفتيان السمراوات مع عيون خضراء”.

“أنا أفضّل النوع الرياضي والنحيف”.

كانت تقف هناك، متمسرة في مكانها بسبب الإهانة؛ تشق ابتسامة لطيفة طريقها عبر شفتيها، وتزيل الإهانة عن وجهها. “نعم”، تفكر بينما يقوم عقلها بتجهيز قائمة إعادة تأهيل لها. “هو على حق”.

بحلول الوقت الذي تأخذ فيه نفسها التالي، أضافت كلماته وزنا وتجعدا وشعورا بالعار في أماكن لم تعرف أن لها علاقة بذلك. في عقلها، قسّمت كلماته جسدها من دون أن يلمسها ومن دون أن يراها، وأعادت صياغته الى شيء آخر، شيء ستقول إنه لها. قد تكون وصفت مرة شعرها بأنه مبعثر ومتدلي؛ قد تكون فكرت في أن انحناءات جسدها مثيرة وأنثوية، أو أن عينينها عميقتان وحنونتان. لكنها كانت مخطئة بالطبع. لقد كانت مخطئة، كانت عدساتها اللاصقة مخطئة وأفكارها كانت مخطئة.

واتضح لها بأنها لا تختلف عن ألوان الباستيل القديمة هذه.

“نعم”، قالت ضاحكة، “هذا صحيح!”، لم يكن هناك حقا أي اختلاف بينها وبين هذه الألوان… غريب هذا الأمر.

_____________

الكاتبة نشأت في منتصف التسعينيات في عقارات” تاستروبغارد” في ضواحي كوبنهاغن. في ذلك الوقت، ضمت “تاستروبغارد” في الأساس مهاجرين عرب وأتراك، وعانت من مستويات عالية من العنف ومستويات دخل وعمالة وتعليم منخفضة. تشهد المنطقة في الوقت الحالي عددا من التغييرات الهيكلية برعاية الدولة “لإخراج المجتمع من الغيتو”، ومن المقرر الإنتهاء منها بحلول 2030. تم إعادة طلاء الجزء الخارجي للمباني باللون الأبيض.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.